أكد خبراء ومتخصصون في الشأن الثقافي أن الصناعات الثقافية والإبداعية في مصر لا تحقق سوى 0.2% من العائد الاقتصادي، مقارنة بنحو 3% عالميًا وهو ما يعكس فجوة واضحة بين حجم التراث الثقافي الذي تمتلكه الدولة وقدرتها على إدارته واستثماره اقتصاديًا و جاء ذلك خلال ندوة "الملكية الفكرية والصناعات الثقافية والإبداعية من الحماية إلى الاستثمار" التي عقدها الصالون الثقافي ضمن فعاليات الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب.
وأدار الندوة الدكتور سعيد المصري أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة، الذي أكد أن قضايا الملكية الفكرية باتت تمثل محورًا رئيسيًا في حماية الإبداع وتعظيم مردوده الاقتصادي، مشددًا على أن حماية حقوق الملكية الفكرية مسؤولية تشاركية تقع على عاتق الدولة والمؤسسات والمجتمع.
وفي كلمته، أوضح الدكتور هشام عزمي رئيس الجهاز المصري للملكية الفكرية، أن مصر تمتلك إرثًا ثقافيًا ضخمًا وقوة ناعمة ممتدة منذ القرن التاسع عشر، إلا أن ضعف الإدارة والتوظيف الاقتصادي لهذا التراث أدى إلى تراجع العائد من الصناعات الإبداعية، مشيرا إلى أن الدولة أطلقت مؤخرًا الاستراتيجية الوطنية للملكية الفكرية بهدف تحويل الملكية الفكرية من أداة حماية قانونية إلى وسيلة استثمارية تساهم في دعم الاقتصاد الثقافي.
وأكد عزمي أن الجهاز يعمل بالتنسيق مع الهيئة الوطنية للإعلام على رقمنة أرشيف الإذاعة والتلفزيون واستغلاله اقتصاديًا، باعتباره أحد أهم الأصول الثقافية غير المستغلة، مشددًا على أن الاستثمار في التراث لا يقتصر على القطاع الخاص وحده، بل يشمل أيضًا المؤسسات الرسمية، محذرا من مخاطر التأخر في الاستفادة من هذا الإرث، موضحًا أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن منحه حماية قانونية إلا في حال وجود تدخل بشري في عملية الإبداع.
من جانبه، قال المنتج والموزع السينمائي محمد العدل إن من حق الدولة امتلاك أرشيف كامل للأفلام التي تم بيعها، ويصل عددها إلى نحو أربعة آلاف فيلم، معتبرًا أن هذا الأرشيف يمثل ذاكرة ثقافية ووثيقة تاريخية يجب الحفاظ عليها. وأعرب عن تخوفه من التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي وقدرته على إنتاج محتوى ثقافي مقلد يضر بالمنتج الأصلي، مطالبًا بتشريعات وآليات فعالة لحماية المبدعين ومواجهة القرصنة.
وتطرق الدكتور علي عبد المنعم الرئيس التنفيذي لشركة "آرابوكفيرس إنترناشيونال" إلى التحديات التي تواجه صناعة النشر، مشيرًا إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وغياب البنية الأكاديمية المؤهلة لتخريج ناشرين محترفين، إلى جانب ضعف حماية حقوق المؤلفين والمترجمين ومصممي الأغلفة. وأكد أن تفعيل تشريعات الملكية الفكرية من شأنه تمكين الناشرين وضمان التوازن بين القيمة الثقافية والربحية الاقتصادية.
وفي السياق ذاته، أوضحت الدكتورة مي حسن مساعد رئيس الجهاز المصري للملكية الفكرية لشؤون العلامات التجارية والنماذج الصناعية، أن العديد من الحرف المرتبطة بالتراث الثقافي تفتقر إلى علامات تجارية تحمي حقوق أصحابها، ما يعرضها للاستغلال أو التقليد. وأشارت إلى أن التحول الرقمي يمكن أن يمثل فرصة لدعم الإبداع والبناء عليه، شريطة وجود أطر قانونية تحافظ على حقوق الملكية الفكرية وتضمن استدامة الصناعات الثقافية.