نحو 3 ملايين ملف نشرتها وزارة العدل الأمريكية، ضمن التحقيقات المتعلقة بالملياردير الأمريكي جيفري إبستين المدان بإدارة شبكة دعارة تستهدف فتيات قاصرات، كانت كفيلة بإسقاط أقنعة أسماء لطالما ادّعت النبل والأخلاق، ووضعتها في قاع الفضيحة، محدثةً زلزالًا هزّ الرأي العام العالمي على نحو غير مسبوق، شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا.
وتكشف الوثائق عن ورود أسماء رؤساء وأمراء وملوك دول، إلى جانب رجال أعمال وشخصيات مرتبطة بأجهزة استخباراتية، فضلًا عن مخططات وشبكات نفوذ، جميعها حضرت في سياق العار الذي أحاط بهذه القضية، لتفتح الباب أمام واحدة من أخطر الفضائح في التاريخ الحديث.
يأتي الكشف عن هذه الملفات بموجب «قانون شفافية ملفات إبستين»، الذي أقرّه الكونجرس الأمريكي في نوفمبر 2025، استجابةً لضغوط شعبية وسياسية واسعة، وهو القانون الذي يُلزم الحكومة الفيدرالية برفع السرية عن الوثائق المتعلقة بالملياردير المُدان.
ترامب في قوائم العار
ورد اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضمن الأسماء التي تكرر ذكرها مئات المرات في وثائق قضية جيفري إبستين، إذ تشير بعض المستندات إلى أنه سافر على متن طائرة إبستين الخاصة خلال تسعينيات القرن الماضي، قبل أن تنقطع العلاقة بينهما لاحقًا على خلفية خلافات لم تُكشف تفاصيلها كاملة.
وتضمنت الوثائق التي أُفرج عنها مؤخرًا قائمة أعدّها مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) العام الماضي، تتضمن بلاغات وشكاوى وردت عبر خط البلاغات الوطني التابع لمركز عمليات التهديدات، تقدم بها متصلون وذكروا اسم ترامب ضمن إفاداتهم.
كما تُظهر هذه القوائم وجود مزاعم متعددة بالاعتداء الجنسي وردت بحق ترامب، دون أن تشير الوثائق إلى صدور إدانات قضائية بحقه، أو تأكيد رسمي على صحة تلك الادعاءات.
وفي المقابل، اعتبر ترامب أن الوثائق، خلافًا للتوقعات، لم تُظهر أي أمر ضده، موضحًا أنه لم يطلع عليها، لكن بعض الأشخاص المهمين جدًا أخبروه بأنها لا تبرّئه فحسب، بل تكشف أيضًا صورة معاكسة تمامًا لما كان يأمله اليسار الراديكالي.
من جانبها، أكدت وزارة العدل الأمريكية أن بعض الوثائق تحتوي على ادعاءات غير صحيحة ومثيرة ضد الرئيس ترامب تم تقديمها إلى مكتب التحقيقات الفدرالي قبل انتخابات 2020 مباشرة.
وبحسب وزارة العدل الأمريكية، فإن هذه الادعاءات لا أساس لها من الصحة، موضحة أنه «لو كانت لها ذرة من المصداقية، لكان من المؤكد أن تستخدم سلاحًا ضد الرئيس».
إيلون ماسك
يظهر الملياردير الأمريكي ومؤسس شركة «تسلا» إيلون ماسك عدة مرات في الوثائق التي أُفرج عنها، لا سيما ضمن تبادلات بريد إلكتروني تعود إلى عامي 2012 و2013، جرى خلالها الحديث عن زيارة محتملة لمجمع جيفري إبستين سيئ السمعة في إحدى جزر الكاريبي.
غير أن الوثائق لا تقدم دليلاً قاطعًا على أن هذه الزيارات قد تمت بالفعل، بحسب وكالة «أسوشيتد برس» الأمريكية.
من جانبه، قال ماسك إن تواصله مع إبستين كان محدودًا للغاية، مشيرًا إلى أنه سبق أن رفض دعوات لزيارة جزيرته أو السفر على متن الطائرة الخاصة المعروفة بـ «لوليتا إكسبريس».
ومدافعًا عن نفسه، أكد أنه كان «يدرك تمامًا أن بعض مراسلات البريد الإلكتروني» مع إبستين قد تفسر بشكل خاطئ وتُستخدم لتشويه سمعته.
وأضاف في رد على أحد مستخدمي منصة «إكس»: «لم يبذل أحد جهدًا أكبر مني لإصدار ملفات إبستين، وأنا سعيد لأن ذلك قد حدث أخيرًا».
أندرو ماونتباتن-ويندسور
ظل أندرو ماونتباتن-ويندسور، المعروف سابقًا بالأمير أندرو البريطاني، محور تساؤلات وجدل واسع بشأن علاقته بالملياردير الراحل جيفري إبستين، لا سيما على خلفية اتهامات أطلقتها فيرجينيا روبرتس جوفري قبل وفاتها، زعمت فيها أنها تعرضت للاتجار من قبل إبستين وأُجبرت على ممارسة الجنس مع ماونتباتن-ويندسور عندما كانت في السابعة عشرة من عمرها، نقلًا عن «أسوشيتد برس».
وقد نفى ماونتباتن-ويندسور هذه المزاعم مرارًا، إلا أن تداعيات القضية ألقت بظلالها على وضعه داخل العائلة المالكة، إذ جرده شقيقه الملك تشارلز الثالث في أواخر العام الماضي من ألقابه الملكية، بما في ذلك لقب الأمير ودوق يورك.
وتشير الوثائق التي أُفرج عنها إلى ورود اسم ماونتباتن-ويندسور مئات المرات على الأقل ضمن ملفات القضية، بما في ذلك مراسلات بريد إلكتروني خاصة بإبستين.
وتتضمن هذه المراسلات دعوة وُجهت إلى إبستين لتناول العشاء في قصر باكنجهام، إلى جانب رسالة يعرض فيها إبستين تعريف ماونتباتن-ويندسور بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عامًا، فضلًا عن صور يُعتقد أنها تُظهر ماونتباتن-ويندسور في وضع مثير للجدل فوق امرأة مجهولة الهوية ملقاة على الأرض.
وعلى وقع ذلك، طالب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أندرو بضرورة الإدلاء بشهادته أمام لجنة تابعة للكونجرس الأمريكي.
وائل غنيم
كشف بريد إلكتروني أرسله الوكيل الأدبي جون بروكمان إلى جيفري إبستين بتاريخ 31 يوليو 2015 عن ترتيبات لعقد لقاءات اجتماعية، شملت غداء وعشاء في منطقة «مارثا فينيارد» الشهيرة.
وأوضح البريد قائمة بأسماء المشاركين من «النخبة»، بهدف تأكيد الأعداد النهائية لمتعهدي الحفلات.
وضمت القائمة شخصيات بارزة في مجالات التكنولوجيا والعلوم والإعلام، حيث شملت قطاع التكنولوجيا سالار كمانجر، المدير التنفيذي السابق لمنصة «يوتيوب» التابعة لشركة جوجل.
وفي مجال العلوم والفكر، جاء ذكر عالم النفس والحائز على جائزة نوبل دانيال كانيمان، إلى جانب المبتكر ستيوارت براند والمخترع دين كامين.
كما ضمت القائمة شخصيات عربية من بينهم الناشط والمهندس وائل غنيم، والإعلاميين من مؤسسات كبرى مثل «نيويورك تايمز» و«إيكونوميست» بصفتهم «حضور صحفي».
إيهود باراك
رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق وزوجته يظهران بشكل متكرر في الوثائق التي تم الكشف عنها، والتي تظهر أنهما حافظا على اتصال منتظم مع جيفري إبستين لسنوات، بما في ذلك بعد إدانته في عام 2008 بجرائم جنسية في فلوريدا.
تشمل المراسلات خططًا لإقامة في عام 2017 في منزل إبستين بنيويورك. وتتضمن رسائل أخرى مناقشات حول تفاصيل عادية لزيارات أخرى واجتماعات ومكالمات هاتفية مع إبستين.
وقد اعترف باراك بزيارته المنتظمة لإبستين خلال رحلاته إلى نيويورك وسفره على طائرته الخاصة، لكنه يؤكد أنه لم يلاحظ أي سلوك غير لائق أو حفلات.
شغل باراك منصب رئيس وزراء إسرائيل من 1999 حتى 2001، ثم شغل لاحقًا منصب وزير الدفاع.
أسماء أخرى
لم تقتصر الأسماء عند ملفات القضية، بل وردت أسماء مثل الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، والمغني مايكل جاكسون، والملياردير ريتشارد برانسون، والأميرة ميته ماريت، ولية عهد النرويج، وملك الدنمارك فريدريك، والأميرة صوفيا من السويد.
ما خفي أعظم
وقال تود بلانش، نائب وزيرة العدل الأمريكية، إن الدفعة الضخمة من الملفات التي تم نشرها الجمعة تمثل نهاية الإفصاحات المخطط لها من قِبَل إدارة الرئيس دونالد ترامب بموجب القانون، مؤكدًا أن المجموعة الجديدة تتضمن أكثر من 3 ملايين صفحة وألفي مقطع فيديو و180 ألف صورة.
وأوضح بلانش أن الملفات تتضمن تنقيحات «واسعة النطاق» نظرًا لاستثناءات القانون التي تسمح بحجب بعض الوثائق، بما في ذلك المعلومات التعريفية للضحايا أو المواد المتعلقة بالتحقيقات الجارية، علمًا أن الإصدارات السابقة خضعت لتنقيحات مكثفة، مما أثار انتقادات من بعض أعضاء الكونجرس.
وقال بلانش إن الوزارة حجبت أيضًا بعض الملفات استنادًا إلى الامتياز القانوني، بما في ذلك منتجات العمل وامتياز المحامي والموكل.
لكن بعض المشرعين قالوا إن حجب هذه الملفات يبدو مخالفًا للقانون الذي يطالب الوزارة بتقديم الاتصالات الداخلية المتعلقة بقرارات توجيه الاتهام والتحقيق مع إبستين أو أيٍّ من شركائه.