الإثنين 2 فبراير 2026

ثقافة

ندوة حول كتاب "الطب والجراحة في مصر رحلة تاريخية من الحملة الفرنسية إلى العصر الحديث" بمعرض الكتاب

  • 2-2-2026 | 15:19

جانب من الفعاليات

طباعة
  • فاطمة الزهراء حمدي

شهدت قاعة الندوات المتخصصة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، مناقشة كتاب «الطب والجراحة في مصر منذ الحملة الفرنسية» للمؤلف الدكتور أحمد جميل، بمشاركة كل من الدكتورة إيمان عامر، أستاذة التاريخ الحديث والمعاصر، والدكتور مصطفى صادق محمد، أستاذ التوليد وأمراض النساء بقصر العيني، والدكتور هاشم المناوي، أستاذ جراحة التجميل بقصر العيني، وأدارت الندوة الدكتورة نورا عبد العظيم.

وقالت الدكتورة نورا عبد العظيم إن الكتاب اهتم بكتابة تاريخ الطب في مصر اعتمادًا على مصادر أصلية، إلى جانب الدراسات التي تناولت هذا الموضوع، موضحة أنه لا يقدم تاريخًا طبيًا تقليديًا للأمراض أو العلاجات، بقدر ما يركز على التاريخ الاجتماعي لمهنة الطب مع دخولها إلى مصر في صورتها الحديثة.
وأوضحت أن العمل يتناول ملامح الوضع الطبي في تلك الفترة، وطبيعة العلاجات والمؤسسات الطبية، وأشكال الممارسة التي كانت تعتمد في الأساس على التجربة، وهو ما يجعل هذا الفصل غير مسبوق ويمنحه أهمية خاصة كمرجع أساسي لفهم الحالة الطبية في ذلك العصر.

ومن جانبه، قال الدكتور أحمد جميل إن الكتاب يشير إلى أن عصر محمد علي كان بحاجة إلى بناء جيش قوي برؤية حديثة، حيث لم يعد من الممكن الاعتماد على الأساليب التقليدية، خاصة مع سعيه لتجنيد نحو 15 ألف مجند، وإنشاء المصانع الحربية، وبناء تنظيم إداري متقدم، وهو ما أبرز ضرورة تأسيس خدمة صحية منظمة قادرة على دعم هذا المشروع العسكري الطموح.

وأوضح أن محمد علي أنشأ فكرة توطين الطب بأيدٍ مصرية، لكنها واجهت في البداية مقاومة كبيرة من الأهالي، لتصبح أول تحدٍ يواجهه كلوت بك، وكان من أبرز الصعوبات التي واجهها المدرسون مشكلة الترجمة، إذ لم تكن هناك كتب كافية بالعربية لتعليم الطب، لكنهم نجحوا في التغلب على هذه العقبة من خلال 70 كتابًا نُشرت في مجلة «الأحنيك»، واعتمدت في التدريس بالمدارس الطبية.

وتابع أن أول أزمة حقيقية ظهرت في مادة التشريح، حيث تعرض أحد المدرسين للاعتداء من طالب رفض الخضوع للتشريح، وعلى إثر ذلك تم نفي 12 طالبًا وإرسالهم إلى فرنسا لإكمال تعليمهم الطبي، حيث تمكنوا من تعلم اللغة الفرنسية والاطلاع على أحدث المعارف الطبية الأوروبية. وعند عودتهم، أسس هؤلاء الطلاب نواة مدرسة طب مصرية خالصة، لتكون البداية الحقيقية لتوطين التعليم الطبي في مصر.

وأفاد بأنه في عصر إسماعيل باشا شهدت المدرسة الطبية ازدهارًا ملحوظًا، وكان محمد علي، مصري الجنسية، يتولى إدارة المستشفى ويعمل كجراح، مسهمًا بشكل فعّال في تطوير التعليم والممارسة الطبية داخل مصر.

ولفت إلى أن المرحلة الحديثة للتعليم الطبي في مصر شهدت ازدهارًا متسارعًا، حيث وثّقت صور عام 1919 البدايات في إطار الجامعات المصرية، ثم تأسست كلية الطب رسميًا عام 1925، قبل أن تتحول إلى مؤسسة متكاملة عام 1928، مع إرسال بعثات للخارج وتعيين أطباء متخصصين لتعزيز الكوادر الطبية.

وتابع أنه خلال هذه الفترة اهتم المجتمع المدني ببناء مستشفيات عامة كبيرة، مما أعطى دفعة قوية لنشاط الصحة العامة، وظهرت وزارة الصحة مع تأسيس الجمعية الطبية المصرية عام 1952، وكان هناك تركيز على تنظيم العلاج بحيث تتحمل الدولة مسؤولية الصحة العامة، وهو ما أسهم في تحقيق تطور ملحوظ في الخدمات الطبية.

وأضاف أنه بعد عام 1973 بدأت تظهر النقابات الطبية والمستشفيات الاستثمارية، مع تقديم نمط مختلف من الخدمات الصحية، بينما أسهم المنح الدولية والدعم في تطوير الطب، بما في ذلك الإسعافات الأولية والتخصصات الطبية الحديثة، ووضع القوانين الجديدة لتنظيم المهنة الطبية، لتصبح الصحة في مصر أكثر تنظيمًا وتطورًا على جميع المستويات.

وفي السياق ذاته، قال الدكتور مصطفى صادق محمد، أستاذ التوليد وأمراض النساء بقصر العيني، إن الكتاب يقدم رؤية متكاملة تجمع بين التاريخ والطب والهوية المصرية، مستعرضًا كيف شكّلت مهنة الطب جزءًا من مسيرة المجتمع، وكيف واجهت مقاومة في بداياتها، خاصة فيما يتعلق بالتشريح، قبل أن تصبح ممارسة مقبولة ومعتمدة.

وأشار إلى أن أول الدروس كانت تبدأ بالحيوانات، ثم بالمسلمين وغير المسلمين، كجزء من التحولات التي شهدتها مصر على مدى قرنين من الزمن، معتمدة على خبرة وتجربة عملية دقيقة، موضحًا أن أسلوب الكتاب واضح وسلس، بعيد عن التعقيد الأكاديمي، مع التزام صارم بالمصادر التاريخية.

وأضاف أن الكتاب يستعرض البعثات الطبية والطبعات المختلفة، والمستشفى في الأزبكية، الذي تأسس في البداية لخدمة الجيش، لكنه في النهاية صار لخدمة المصريين عامة، كما يقدم منظورًا شاملًا للتاريخ الطبي المصري، بدءًا من عصور الفراعنة، مرورًا بالعصر الإسلامي، ثم العثماني والمملوكي، وصولًا إلى تأسيس مدرسة الطب بعد تطوير مجالات الزراعة والهندسة.

كما يخصص الكتاب فصولًا مهمة لفترات عباس حلمي باشا وسعيد باشا، ويناقش الفصل الرابع الاحتلال البريطاني وثورة 1919 وما تبعها من صحوة وطنية، وصولًا إلى المرحلة الحديثة التي شهدت تطوير التعليم الطبي والمنافسة في التخصصات الدقيقة، ليقدم رؤية متكاملة لتاريخ الطب في مصر ومكانته في بناء الهوية الوطنية.

وقالت الدكتورة إيمان عامر، أستاذة التاريخ الحديث، إن الاهتمام بالتاريخ يجب ألا يقتصر على المتخصصين، لأن المعرفة التاريخية مسألة حياة أو موت. 

وأشارت إلى أن الكتاب بالغ الأهمية ونادر، إذ يقدم رؤية شاملة منذ الحملة الفرنسية، موضحًا كيف كانت مصر تواجه الغزاة، ومهما اختلفت المدارس التاريخية تبقى الحملة الفرنسية نقطة بداية، تلتها مرحلة محمد علي باشا.

وأوضحت أن الكتاب ألقى الضوء على نظام الحجر الصحي في تلك الفترة بشكل مختلف، مبينة أن المشكلات الطبية كانت أحد عوامل ثورة الشعب المصري على الفرنسيين، مشيرة إلى أن ممارسات مثل تجميع وحرق القمامة بطريقة غير صحية أسهمت في انتشار الطاعون، ما يستدعي ضرورة التغيير وإعادة تنظيم الصحة العامة.

وأكدت أن وصول محمد علي باشا صاحبه اهتمام بتحديث الطب والعلم على النمط الفرنسي، سواء في الجيش أو المؤسسات الطبية، وكانت الخطط الخاصة بالكتب والمنهجيات الطبية منطقية ومدروسة، وأسست لمؤسسات صحية حديثة تطورت مع الزمن، مؤكدة أن هذا التراث يمثل أساس خطط وزارة الصحة في العصر الحديث، ويظل جزءًا أصيلًا من التاريخ المصري العام.

ولفتت إلى أن الكتاب تناول قضية تعليم التشريح في مصر، وما ارتبط بها من جدل حول حرمانية الموت، موضحة أنه ألقى الضوء على كيفية تعامل المجتمع المصري مع فكرة التعليم الطبي، وما رافق ذلك من حوادث خطف ومقاومة قوية، خاصة فيما يتعلق بتعليم البنات.

وفي السياق ذاته، قال الدكتور هاشم المناوي، أستاذ جراحة التجميل بقصر العيني، إن الكتاب يسرد في كل فصل تاريخًا زمنيًا ممتدًا من عصر محمد علي باشا مرورًا بعباس وسعيد باشا حتى العصر الحديث، مشيرًا إلى أن الكتاب قدم الأحداث بطريقة شيقة، وتناول التشريح وقصصًا نادرة لم تُعرف من قبل، كما جمع معلومات عن المستشفيات التي وُجدت في مصر، من أبرزها مستشفى الأنغلو.

وأشار إلى أن الكتاب يمثل رمزًا لفترة الحكم البريطاني في مصر، متناولًا التخصصات الطبية مثل الرمد والصدرية، وموضحًا دور الأطباء المصريين والعالميين مثل الشواربي ونصر، ومكتشف مرض البلهارسيا، الذين عملوا وتوفوا في مصر.

كما لفت إلى أن قصر العيني كان بمثابة قصر الحكم في مصر، مؤكدًا أن الكتاب يسلط الضوء على قصص الدجالين والمشعوذين، لتذكيرنا بأن كثيرًا من أخطاء الماضي تتكرر، رغم مرور الزمن، لتبقى عبرة واضحة عن ضرورة التعلم من التاريخ وعدم تكرار أخطاء الأجيال السابقة.

الاكثر قراءة