إن التصوف في أجمل تعريفاته ينحصر في الدوائر الثلاثة: «التخلي والتحلي والتجلي»، حيث يرمي إلى تخلي المرء عن القبيح، وتحليه بالصحيح؛ حتى يتجلى الله بنوره على عبده، فيصل إلى مرتبة الإحسان التي وصفها النبي ﷺ في حديث جبريل الشهير: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك».
وكان للتصوف في مسيرة السيدة أم كلثوم -رحمها الله- حضوره اللافت في اختياراتها الدينية، وصوتها الشجي الذي تربى على التواشيح الدينية وقصائد الصوفية.
ومن أكثر النصوص الأدبية إثارةً للجدل والتحليل في التاريخ الإنساني، والتي انتخبت منها السيدة أم كلثوم أبياتًا لتغنيها بعد ترجمة شاعرها الأثير أحمد رامي لها عن الفارسية، «رباعيات الخيام». فهي ليست مجرد أبيات شعرية نظمها الشاعر والعالم في الفلك والرياضيات الفارسي غياث الدين عمر الخيام، بل هي «فلسفة وجود» صيغت في قالب شعري مكثف. وعندما انتقلت هذه الرباعيات إلى الوجدان العربي عبر ترجمة أحمد رامي، ثم صياغة رياض السنباطي الموسيقية، وصوت أم كلثوم، تحولت من نص أدبي إلى «تجربة صوفية» متكاملة الأركان، تدمج بين الحيرة الفلسفية والتحليق الروحاني.
أولًا: أحمد رامي..
تطويع الفلسفة بلسانٍ صوفي:
لقد بدأت رحلة الرباعيات عربيًّا من باريس، حين قرأها أحمد رامي في شبابه بالفرنسية، ثم قرر أن يتعلم الفارسية ليغترف من معين النص الأصلي؛ فلم يكن رامي مترجمًا فحسب، بل كان مستحضرًا لروح الخيام، وتمثلت شاعريته في العناصر الآتية:
الانطلاق من مدارك المادة إلى معارج الروح: لقد استطاع رامي أن يبرز الجانب الصوفي الكامن خلف ستار «الخمرة» و«السكر». فالخمرة عند الصوفية ليست ابنة الكرم، بل هي «خمرة الوجد» والدهشة من جلال الخلق، كما قال ابن الفارض:
شَرِبْنَا على ذِكْرِ الحبيبِ مُدامَةً
سَكِرْنَا بها من قبل أن يُخْلَقَ الكَرْمُ
بلاغة القلق الوجودي: ركز رامي في اختياراته على الرباعيات التي تطرح الأسئلة الكبرى التي تعبر عن الحيرة الوجودية: (من أين جئت؟ وإلى أين أذهب؟)، وهذا هو عتبة التصوف الأولى، حيث «الفناء» في البحث عن الحقيقة المطلقة.
التعريب الوجداني: حوّل رامي «العدمية» الظاهرية في شعر الخيام إلى «تسليم» قدري يتماشى مع الروحانية الشرقية، وذلك حين نقل النص من جفافه الفلسفي إلى سيولة وجدانية تناسب الذوق العربي.
وأبرز مثال على ذلك هو تغييره لبعض كلمات المقطع الأول لتكون أكثر طواعية لروح اللحن، ومناسبة لأذن المتلقي العربي، مثل كلمة «الحان» في البيت الأول من الرباعيات، واستبدل بها كلمة «الغيب» حين إعدادها للغناء بصوت أم كلثوم وألحان السنباطي، فقال:
سمعتُ صوتًا هاتفًا في السَّحَرْ
نادى من الغيبِ غفاةَ البشرْ
هبّوا املأوا كأسَ المنى قبل أن
تملأَ كأسَ العُمرِ كفُّ القدرْ
وكان الأصل الذي نقله عن الفارسية يقول:
سمعتُ صوتًا هاتفًا في السَّحَرْ
نادى من الحانِ غفاةَ البشرْ
هبّوا املأوا كأسَ الطِّلى قبل أن
تُفعمَ كأسَ العُمرِ كفُّ القدرْ
ثانيًا: رياض السنباطي..
رهبنة الموسيقى وصوفية النغم:
بينما منح رامي الخيام لسانًا عربيًّا، فإن رياض السنباطي قد منحه «قلبًا نابضًا»؛ وذلك لقدرته على ترجمة «الميتافيزيقا الفلسفية» إلى «مقامات موسيقية»، ولذلك يُصنَّف لحن الرباعيات واحدًا من أعظم التحف الموسيقية في القرن العشرين.
بوابة الخشوع ومقام الراست: اختار السنباطي الاستهلال بمقدمة موسيقية مهيبة من مقام الراست، رأس المقامات الشرقية الأصيلة؛ ليضع المستمع في أجواء المحاريب وصلوات المساجد، مستعينًا بالآلات الوترية، ويخرج من بينها صوت الناي ليعزف أنينًا يشبه أنين الروح المشتاقة لخالقها، ولا يخفى رمز الناي في العرفان الصوفي، وقد أودعته دراسة سابقة لي بعنوان: «تجليات الناي في العرفان الصوفي بين جلال الدين الرومي وعبد الغني النابلسي».
براعة التشكيل الموسيقي لجدلية الشك واليقين: في الاستهلال الأول «سمعت صوتًا هاتفًا في السحر»، نجد اللحن متأرجحًا بين السكون والحركة، وبين الهمس والجهر؛ مما يجسد حالة «الوجد» الصوفي، حيث ينفصل الإنسان عن ضجيج العالم ليسمع نداء الغيب.
التطريب الصوفي: تميز لحن السنباطي بالتحرر من القيود الزمنية الضيقة في المقاطع التأملية، مما أعطى مساحة للتطريب الصوفي الذي يهدف إلى تغييب الوعي الحسي وإيقاظ الوتر الروحي.
ثالثًا: أم كلثوم..
صوت الجلال والجمال:
ما كان لعرفانية الخيام من كلمات رامي وألحان السنباطي أن تظهر بدون صوت أم كلثوم، الذي حباه الله الجلال والجمال، فكان هو وعاء التجربة الصوفية التي انصهرت فيه، فكانت القصيدة بغناء أم كلثوم بمثابة «ترتيلة كونية» لا مجرد «قصيدة دينية». وقد تجسد ذلك في القدرة على التعبير عن السياقات الدلالية المختلفة في الرباعيات التي كوَّنت البنية الدرامية لهذا العمل في مثلث إبداعه «رامي والسنباطي وأم كلثوم»، والتي سارت في خط صوفي صاعد:
مرحلة الغواية: وهي التي تبدأ من بداية القصيدة بسماع صوت النفس ذات الهوى، حتى تصل إلى قمة رغباتها فتقول:
أطفئ لظى القلب بشهد الرضاب
فإنما الأيام مثل السحاب
وفي هذا السياق تبدو النفس منتشية برغباتها، فجاء اللحن السنباطي بإيقاعات مزيجة بين الوحدة الكبيرة والمقسوم الراقص.
مرحلة الحيرة: وفيها تظهر الروح في حالة بحث وتخبط، تبحث عن ملاذ، والتي تبلغ قمتها في قول الذات:
لبستُ ثوبَ العيشِ لم أُستشرْ
وحِرتُ فيه بين شتّى الفِكَرْ
وسوف أنضو الثوبَ عني ولم
أُدركْ لماذا جئتُ أين المفرْ؟
وأتعجب هنا أشد العجب من الذين يقتطعون هذين البيتين عن متن القصيدة بكاملها، ويتشدقون بنبرة تدل على جهل شديد بسياق القصيدة بأن هذا كفر صريح، ويتهمون الشاعر والمترجم والملحن والمغنية –رحمهم الله جميعًا– بأنهم قد خرجوا عن دائرة الإيمان، صارفين أعينهم عن عمد أو جهل بالسياق الآتي الذي يدل على العودة إلى الله، والالتجاء إلى رحابه، والغوث بملاذه.
وكأن الصوت الذي نادى الذات في السحر هو صوت النفس الأمارة بالسوء، أو صوت الشيطان، أو كل ما من شأنه أن يقدم الغواية –كما قلنا في السياق الدلالي الأول– وهذا الصوت هو الذي يدعو المرء للاقتناص من الملذات، ويصل به إلى حد التشكيك في عقيدته، فهل استجابت النفس لذلك أم عادت إلى بارئها معلنة خضوعها واستسلامها؟!
مرحلة العودة إلى رحاب الله: وهي التي تبدأ بقول الذات:
يا من يحار الفهم في قدرتك
وتطلب النفس حمى طاعتك
أسكرني الإثم ولكنني
صحوت بالآمال في رحمتك
وتنتهي بالتسليم المطلق لله، وهي ذروة العمل، حيث يرمي الإنسان كل أسلحته الفكرية ويسلم أمره للغيب.
ويأتي التقارب الوجداني بين العبد وربه في غنائها من مقام الهزام المناسب للشجن الديني:
إن تُفصل القطرةُ من بحرها
ففي مداه منتهى أمرها
تقاربت يا رب ما بيننا
مسافة البعد على قدرها
ثم يختم السنباطي اللحن بمثل ما بدأه من مقام الراست، في قول رامي:
يا عالم الأسرار علم اليقين
يا كاشف الضر عن البائسين
يا قابل الأعذار عدنا إلى
ظلك فاقبل توبة التائبين
وعندما تصل أم كلثوم إلى قوله «عدنا إلى ظلك»، يتحول صوتها من «المطربة» إلى «المنشدة»:
التلوين الصوتي: تؤدي أم كلثوم هذا المقطع بنبرة فيها «انكسار العارفين». هي لا تستعرض قوة حنجرتها هنا، بل تستعرض «ضعفها الإنساني» أمام الخالق، وهو ما يمثل جوهر التصوف (الفناء في الله).
تكرار «يا قابل الأعذار»: في الحفلات الحية، كانت أم كلثوم تعيد هذا البيت بأساليب مختلفة، وفي كل مرة كانت تنقل المستمع من حالة الاستغفار إلى حالة الفرح بالقبول الإلهي.
الخاتمة: الرباعيات صلاة فنية:
إن صوفية رباعيات الخيام، في هذا التعاون التاريخي، لم تكن مجرد استعراض فني، بل كانت «مراجعة للذات الإنسانية». لقد استطاع رامي بكلماته، والسنباطي بأوتاره، وأم كلثوم بحنجرتها، أن يحولوا تشاؤم الخيام الظاهري إلى تفاؤل روحي، وحيرته العلمية إلى طمأنينة إيمانية.
ستظل هذه «الرباعيات» هي الوثيقة الأهم التي تثبت أن الفن العظيم هو الذي يلامس جوهر الوجود، وأن الصوفية ليست انزواءً عن الحياة، بل هي غوص في أعماقها للبحث عن «الحق والجمال».
وهكذا يُعد المقطع الأخير من «رباعيات الخيام» (بصيغتها التي غنتها أم كلثوم) هو «مقام التسليم» وذروة التجلي الصوفي، حيث تذوب كل التساؤلات القلقة لتستقر في رحاب اليقين الإلهي.
فكان المقطع الأخير بحق هو «صك الغفران» الفني الذي تحولت به أبيات الرباعيات من عالم التيه الذاتي إلى رحلة روحية في عالم التجلي الإلهي اللانهائي، تلك الرحلة التي بدأت من الحيرة («سمعت صوتًا هاتفًا في السحر») وانتهت بالسكينة («فاقبل توبة التائبين»).