شهور مباركة وعام سعيد على الأمة الإسلامية أجمعين، فكما تعودنا قبل حلول شهر رمضان الكريم بأقل من عشرين يوما، تبهجنا المظاهر الرمضانية ، لم تقتصر البهجة على الزينة فقط بل تمتد لتشمل المعاني الإنسانية والمادية معا.
ففي هذا الشهر الفضيل يرتفع منسوب فعل الخير بشكل لافت، وكأن الأرواح تتهيأ لاستقبال الضيف العزيز، ثلاثون يوما تُنصب خلالها موائد الرحمن، والغريب لم يتسابق إليها الفقراء فقط، بل يأتيها الجميع بحثا عن السعادة والفرحة، ولمة العيلة التي افتقدها كثيرون.
وقبل أن أكون حبيس المنزل، كانت العزومات على موائد الرحمن هي الأكثر شغفا بالنسبة لي يليها العزومات العائلية، ثم إفطار العمل وسط طرقات المطبعة حيث يجتمع ثلاث فئات مختلفة عمال، وإداريون، وصحفيون على مائدة واحدة وقلب واحد.
أشتاق لزمان ونحن صغار نصنع الزينة بأيدينا من أكياس الحلوى الفارغة كل ما نحتاجه خيوط وبعض الخيال، وكذلك الفوانيس التي كنا نشكلها من عيدان الأقفاص.
كانت البساطة هي العنوان فرحة حقيقية لا تحتاج إلى لمبات ولا بطاريات، اليوم اختلفت الزينات تماما انقسمت بين زينات مطبوعة جاهزة للتعليق، وأخرى مضيئة تعمل بلمبات ليد، تسرق العين لكنها لا تلامس القلب كما كان يفعل فانوس الصاج القديم.
أتذكر منذ ما يقرب من عشرين عاما أثناء مروري بشارع رمسيس، فوجئت بأحد الباعة الجائلين يبيع فانوس رمضان على شكل جمجمة أسرعت بشرائه، ليكون شاهدا على مقال صغير كتبته وقتها في مجلة حواء، ونشر المقال وخصص له مساحة مميزة.
ورغم انتشار أشكال الفوانيس الحديثة، التي هي في الأصل ألعاب تم تطويرها بشكل مقنع لإعادة بيعها، فإنها حتى الآن لا تحقق رواجا حقيقيا، فالأجيال القديمة والحديثة على حد سواء ما زالت تنجذب إلى شكل الفوانيس القديمة، تلك التي تظهر في الفيديوهات التراثية وأفلام الأبيض والأسود، وعلى رأسها فيلم الفانوس السحري للنجم الكوميدي إسماعيل ياسين، وما زال صوت العفريت فيه ترند رغم مرور أكثر من خمسة وستين عاما على إنتاجه.
أما ذكريات الصيام فنحن أسرة من خمسة أفراد، لم يكن الصيام أو الإفطار إجبارا، بل كان لكل منا مطلق الحرية، لكن الصيام عادة معدية، إذا نشأت في بيت يصلي أهله ويصومون، فبالطبع ستكتمل عادتك الجميلة وتتأمل في أيام عظيمة بالدعاء والتضرع.
لم يكن الأمر مجرد عادة بل تربية غير مباشرة وإيمان يتسلل بهدوء، فالصيام ليس امتناعا عن الطعام فقط، بل اختبار حقيقي للنفس، وتهذيب داخلي لمن تضعف روحه، رمضان يتغير شكله كل عام، تتبدل الفوانيس وتختلف الزينات، لكن روحه الحقيقية تظل ثابتة في الخير وفي اللمة، وفي الذكريات التي لا تستبدل.