السبت 7 فبراير 2026

مقالات

الإمام الحسن البصري سيد التابعين وإمام الزاهدين


  • 7-2-2026 | 11:42

د. عبد الغفار السيد

طباعة
  • د. عبد الغفار السيد

ما أسعد الإنسان حين تتهيأ له الظروف فينشأ في بيوت الصالحين ومعدن العلم والفضل، فينطبع على سماتهم الحسنة، ويغترف من مناهل علومهم، ويجني من صنوف الحكمة وعذب البيان والفصاحة. ثم يقوم بحق العلم ناصحًا وموجّهًا، في وقت يحتاج الناس فيه إلى من يُزيل عنهم الشبهات، ويُوضح لهم معالم الطريق، ويُزيح عن قلوبهم الشك والقلق. هكذا نشأ الفقيه الزاهد والعالم العابد، الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، الذي كان يقول واصفًا حال عصره: «ذهبت المعارف وبقيت المناكر، ومن بقي من المسلمين فهو مغموم».

بهذه المقولة البليغة، التي تحمل بين ثناياها ذكريات الماضي الجميل، حيث النشأة الأولى في أحضان العارفين، ومعية الصالحين، وواقع أليم يموج بالفتن والجهل والبعد عن مدارج السالكين، نعيش في هذا المقال مع شخصٍ عظيمٍ كان أعجوبة زمانه، وإمام عصره، وقبلةً للمسلمين، وسيدًا للزاهدين، وهاديًا للحائرين، ملك ناصية القلوب، وترك إرثًا عظيمًا ينهل من نبعه وفيضه العارفون والمحبون.

النشأة:

وُلد الحسن البصري في المدينة سنة إحدى وعشرين من الهجرة في خلافة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأدرك سنتين منها، ونشأ في بيت من بيوت النبوة، في حضانة أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، حيث كانت أمّه خادمةً لأم سلمة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما وُلد عندها أخرجته إلى عمر رضي الله عنه فدعا له، وقال: «اللهم فقهه في الدين وحببه إلى الناس». وكانت أمه، متى ذهبت، تقضي لسيدتها أم سلمة حاجةً، وبكى الطفل الرضيع فوضعت ثديها في فمه لتشغله بذلك حتى تأتي أمه، وربما درّت عليه. وكان الناس يرون أن سبب بركته من ذلك ومن دعاء الفاروق عمر.

رأى الحسن البصري أكابر الصحابة، مثل سيدنا عثمان بن عفان الذي حضر خطبته، وطلحة، وغيرهما، وقرأ القرآن على حِطان بن عبد الله الرّقَّاشي، وروى عن كثير من التابعين، وتتلمذ له كبار التابعين أمثال عطاء، وطاووس، ومجاهد، وعمرو بن شعيب.

شخصية الإمام الحسن البصري العلمية:

ولقد أثّرت هذه النشأة في تكوين الإمام الحسن البصري، فكان على سمت الصحابة والصالحين علمًا وخلقًا وجلالًا، حتى رأى الناس فيه أنه أنموذج حي يعكس سنة الصحابة الكرام في العلم والزهد والإقبال على الله تعالى.

ومن شواهد ذلك ما قاله أبو قتادة: «عليكم بهذا الشيخ، يعني الحسن بن أبي الحسن، فإني والله ما رأيت رجلًا قط أشبه رأيًا بعمر بن الخطاب منه».

مع أن الإمام الحسن البصري عاش سنتين من خلافة الفاروق، وكل ما أخذه منه دعاء بالفقه والحب، فكان من بركته أن يكون رأيه كرأيه، وأن يكون محل حب وتقدير الناس.

وأرصد لك، أيها القارئ الكريم، بعض مظاهر علمه وفضله:

أولًا: حَفِظ القرآن الكريم، وذكره الإمام الذهبي في الطبقة الثالثة من طبقات القراء، فهو من أئمة الإقراء، روى عنه أبو عمرو بن العلاء وغيرهم.

ويُمثل القرآن الكريم للإمام الحسن البصري الدستور والحاكم، يقف عند أوامره، ويجتنب نواهيه، ويستمد منه الهداية، ويزن نفسه بميزانه. كان يقول: «رحم الله عبدًا عرض نفسه على كتاب الله، فإن وافق أمره حمد الله وسأله المزيد، وإن خالف استعتَب ورجع من قريب».

وهو من المفسرين الكبار لكتاب الله تعالى، له أقوال في التفسير نقلها شيخ المفسرين الإمام الطبري وغيره من أئمة التفسير بالمأثور، وإذا قيل في كتب التفسير: عن الحسن، فهو الحسن البصري.

ومن تفسيره أنه قال في قوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء: 79]: «لولا هذه الآية لرأيت الحكام هلكوا، ولكن أثنى على هذا بصوابه، وأثنى على هذا باجتهاده».

بهذه العقلية المتزنة يضع الإمام الحاكم في مقام المجتهد؛ فتارة يصيب وتارة يخطئ، وخطؤه في مقام الاجتهاد؛ فيثاب على حسن جهده، ويعذر فيما أخطأ.

ثانيًا: كان إمام الزاهدين، فسند السادة الصوفية على اختلاف مشاربهم يرجع في أكثرها إلى سيدنا الحسن البصري، وهو عن سيدنا علي بن أبي طالب، فعليه يدور سند التزكية. أما طريقته فهي قائمة على المعرفة والزهد في الدنيا والخوف والعمل. فكان رضي الله عنه دائم الحزن، كثير التذكر والخوف، لا يراه الناس إلا مشغولًا بنفسه، متفكرًا في آخرته. فكان يقول: «إن المؤمن يصبح حزينًا ويمسي حزينًا ولا يسعه غير ذلك؛ لأنه بين مخافتين: بين ذنب قد مضى لا يدري ما الله يصنع فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما يصيب فيه من المهالك».

ولا شك أنه يستمد هذه الصفات من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان من شمائله أنه متواصل الأحزان، وذلك من كمال معرفته بالله تعالى ودوام التفكير في آلائه والآخرة.

رأى الناس في كلامه ومنطقه الحكمة والصواب، وأن كلامه ينبع من مواريث النبوة، ويخرج من مشكاة الهدى والنور، فيملك القلوب، ويأسر النفوس، حتى قال حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي: «وكان الحسن البصري أشبه الناس كلامًا بكلام الأنبياء».

ثالثًا: ومع زهده وورعه، وُهب جمال الوجه، فكان حسن السمت، مليح الصورة، بهيًا، فجمع بين كمال العلم والعبادة والخلق وكمال الهيئة والصورة. كان يلبس أفخم الثياب، ويعتني بمظهره، مهابًا من رآه يتذكر سمت الأنبياء والصالحين، حتى قال العوام بن حوشب: «ما أشبّه الحسن إلا بنبي».

مجالس الإمام الحسن البصري

حريٌّ برجلٍ مثل الحسن البصري أن ينكب الناس على مجلسه ينهلون من علمه الصافي، ومن حكمته البديعة. في زمن كثرت فيه الفتن، كانت له حلقته في المسجد، فكان موسوعة علمية يمر فيها على الحديث والفقه وعلم القرآن واللغة وسائر العلوم. وصحبه المريدون على اختلاف مشاربهم؛ فمنهم من يصحبه طلبًا لعلم الحديث، ومنهم من يصحبه للقرآن والبيان، ومنهم من يصحبه للبلاغة، ومنهم من يصحبه للإخلاص وعلم الخصوص.

ومن المسائل التي أثيرت في مجلسه: مسألة مرتكب الكبيرة، هل هو مؤمن أم كافر؟

وقبل أن يجيب الإمام الحسن، قال واصل بن عطاء، تلميذه: «أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقًا، ولا كافر مطلقًا، بل هو في منزلة بين المنزلتين: لا مؤمن ولا كافر». ثم قام واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد، يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن. فقال الحسن: «اعتزل عنا واصل»، فسمي هو وأصحابه معتزلة.

فالمعتزلة يجعلون مرتكب الكبيرة في منزلة بين الإيمان والكفر، وأن ارتكابه الكبيرة يوجب خلوده في النار إن مات ولم يتب. أما الحق الموافق للكتاب والسنة، أن مرتكب الكبيرة مؤمن، لا يزول عنه وصف الإيمان بفعله الكبيرة؛ لأن الإيمان هو التصديق، والعمل خارج عن حقيقة الإيمان، فلا يسلب حقيقة الإيمان، بل يثبت له وصف الفسق حتى يتوب ويرجع إلى الله تعالى، وإذا مات من غير توبة فأمره إلى الله تعالى: إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه. وهذا بخلاف الذين غلّوا وكفّروا مرتكب الكبيرة وأخرجوه من دائرة الإسلام، وبخلاف من غلا وحكم عليه بالخلود في النار إن لم يتب.

وهذه القضية أساس وجود التطرف والتشدد، حيث نجد في مجتمعاتنا من يكفرون بالذنوب ويتساهلون في الحكم على الناس بالكفر. وفي فهم سيدنا الإمام الحسن البصري تظهر وسطية الإسلام والاعتدال الفكري والتسامح والتوازن في الأحكام، فينعكس أثره على المجتمع في حسن الظن بالناس وعدم الحكم بالتكفير بارتكاب الذنوب مهما عظمت. وفي هذا يقول الإمام الطحاوي الحنفي: «ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه».

مواعظه

ليس كل من تكلم ووعظ الناس يُرزق القبول، فالقبول يرتبط بمدى إخلاص الواعظ، وتعلقه بالله، وزهده في الدنيا، وصدقه مع الله. ولقد كان الإمام الحسن البصري متفردًا في الوعظ، يخرج منه الكلام كأنه الدر، وينزل على القلوب روحًا وراحةً وسكينةً. وكان له مجلس خاص في منزله، لا يكاد يتكلم فيه إلا في معاني الزهد والنسك وعلوم الباطن.

ومن كلامه القيم في بيان قيمة الوقت: «ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك».

انظر إلى هذه الحكمة البديعة التي تنظر إلى الإنسان ودقات قلبه كأنه في الحقيقة مكوّن من الوقت، وأنه أيام وشهور وسنون؛ كلما مر عليه يوم أو عام اقترب من النهاية، مما يجعل الإنسان يحرص على الوقت ويستغله فيما ينفعه.

وكان يقول رضي الله عنه: «قراء القرآن ثلاثة نفر: قوم اتخذوه بضاعة يطلبون به ما عند الناس، وقوم أجادوا حروفه وضيعوا حدوده استدروا به أموال الولاة واستطالوا به على الناس – وقد كثر هذا الجنس من حملة القرآن – فلا كثّر الله جمعهم ولا أبعد غيرهم، وقوم قرؤوا القرآن فتدبروا آياته وتداووا به».

وهو كلام بديع يحث على الإخلاص لله وحده، ويحذر من آفات تبطل قراءة القرآن، ويدعو إلى تعظيم كتاب الله، وأن ينوي الإنسان بقراءته العلم والعمل.

تعامله مع قضايا عصره

ما أحوج الأمة وقت الفتن إلى عالم بصير بالدين، يرشُد الناس إلى ما فيه حفظ الأنفس واستقرار البلاد. عاصر الإمام فتنة خروج الناس على سيدنا عثمان بن عفان ومقتله، وكان عمره أربع عشرة سنة، ثم انتقل إلى البصرة وعاصر خلافة عبدالملك بن مروان وواليه الحجاج بن يوسف الثقفي. فكان الإمام الحسن البصري العلم الذي حفظ بفتواه النفوس والبلاد من الهلاك، حتى قيل: «إنه كان من رؤوس العلماء في الفتن والدماء».

أمر الناس باعتزال الفتن؛ حفاظًا على الناس والبلاد من الهرج والمرج، فكم من العلماء لم تكن له بصيرة فترك الناس يقعون في الفتن، فخربت البلاد وأزهقت الأرواح، ولم يعد لها استقرار وطمع فيها الطامعون. ومع ذلك لم يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح لأولى الأمر.

كتب الإمام الحسن إلى عمر بن عبدالعزيز: «أما بعد، يا أمير المؤمنين، فإن طول البقاء إلى فناء ما هو؟ فخذ من فناءك الذي لا يبقى لبقائك الذي لا يفنى، والسلام». فلما قرأ عمر الكتاب بكى وقال: «نصح أبو سعيد وأوجز».

الخاتمة

فالإمام الحسن البصري نموذج للعالم الذي اكتملت فيه أركان الإمامة والإرشاد، وجعل القرآن الكريم دستوره وميزانه في كل شيء، أخلص لله فصار إمام المسلمين وملاذ الحائرين، يبدل حيرتهم يقينًا وسكينة.

وفاضت روحه الكريمة في رجب سنة عشر ومائة، بعد جهاد عظيم في الدعوة والعلم وتوجيه المسلمين، وترك أثرًا طيبًا وذكرًا عطرًا وعلمًا نافعًا.

أسأل الله تعالى أن ينفعنا بعلمه، وأن يجزيه عنا وعن المسلمين وأهل العلم خير الجزاء.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة