رأى خبراء الاقتصاد أن صافي الاحتياطيات الدولية سجل مستوى تاريخيًا غير مسبوق بنهاية يناير 2026، متجاوزًا حاجز 52.6 مليار دولار، فإن هذا التطور لا يمثل مجرد رقم قياسي جديد، بل يعد نقطة تحول استراتيجية تدعم مرونة الجنيه المصري، وتفتح المجال أمام قرارات نقدية أكثر توازنًا، وتمنح المستثمرين إشارات طمأنة قوية بشأن استدامة الموارد واستقرار مناخ الاستثمار خلال المرحلة المقبلة.
وأكد حسن عبدالله، محافظ البنك المركزي المصري، أن الاحتياطي النقدي الحالي يغطي احتياجات الاستيراد لمدة 6.3 شهر، ويعادل نحو 158% من الديون الخارجية قصيرة الأجل، وهو ما يوفر مظلة حماية قوية للاقتصاد الوطني في ظل التحديات العالمية.
جاء ذلك خلال مشاركته في فعاليات النسخة الثانية من مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة بالمملكة العربية السعودية، وفق بيان صادر عن البنك المركزي.
وشدد محافظ البنك المركزي على أن دور البنك لا يتمثل في ترجيح كفة العملة صعودًا أو هبوطًا، وإنما في بناء منظومة نقدية قوية تسمح لسعر الصرف بالتفاعل مع قوى العرض والطلب بشكل طبيعي، بما يعزز كفاءة السوق ويحد من التشوهات.
وأضاف أن نمو الاحتياطيات الدولية يتزامن مع تحسين جودتها، عبر تعزيز هيكل الأصول والالتزامات، مع العمل على تمديد آجال استحقاق الالتزامات الخارجية، لضمان استدامة الموارد الدولارية على المدى الطويل.
كما أشار إلى نجاح السياسات الاقتصادية في خفض معدلات التضخم من نحو 40% إلى قرابة 12%، وهو ما أسهم في استعادة ثقة المستثمرين وتحسين مناخ الأعمال.
نقطة تحول في مسار الاقتصاد
من جانبه، وصف الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، تجاوز الاحتياطي النقدي حاجز 52 مليار دولار بأنه «نقطة تحول مهمة» في مسار الاقتصاد المصري، تعكس قدرة الدولة على تحقيق استدامة في موارد النقد الأجنبي وتحسين مركزها المالي الخارجي.
وأوضح في تصريحات خاصة لـ«دار الهلال» أن الاحتياطي لا يستخدم لتثبيت سعر الصرف عند مستوى محدد، وإنما لحماية الاقتصاد من الصدمات المفاجئة، مؤكدًا أن وجود رصيد مرتفع يحد من التقلبات الحادة للجنيه المصري ويجعله أكثر مرونة وأقل هشاشة أمام اضطرابات الأسواق.

الفائدة والتضخم.. معادلة جديدة
وفيما يتعلق بأسعار الفائدة، أكد شوقي أن زيادة الاحتياطي لا تعني خفضًا تلقائيًا للفائدة، لكنها تزيل أحد أهم مبررات الإبقاء على مستويات مرتفعة، وهو القلق بشأن استقرار العملة.
وأضاف أن قرارات السياسة النقدية أصبحت ترتبط بصورة أكبر بمعدلات التضخم وسلوك الأسعار المحلية والنشاط الاقتصادي، متوقعًا بدء خفض تدريجي وحذر للفائدة خلال 2026 قد يصل إلى نحو 6%، بشرط استمرار تراجع التضخم، مع استبعاد أي تخفيضات مفاجئة كبيرة.
دعم الاستثمار والتصنيف الائتماني
وأشار شوقي إلى أن أثر الاحتياطي لا يقتصر على الجانب النقدي فقط، بل يمتد إلى تعزيز ثقة المستثمرين، إذ يبحث المستثمر الأجنبي عن استدامة الموارد وسهولة التحويلات المالية أكثر من تثبيت سعر الصرف.
وأضاف أن ارتفاع الاحتياطي يعزز التصنيف الائتماني لمصر، ويوفر لصناع القرار مساحة أوسع لإدارة المخاطر المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية واضطرابات الاقتصاد العالمي.
وأكد أن نجاح السياسة النقدية لا يُقاس بحجم الاحتياطي فقط، بل بكيفية توظيفه لتقليل المخاطر ودعم النمو الحقيقي.
مؤشرات إيجابية للنمو المستدام
بدوره، قال الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، إن الاقتصاد المصري يشهد حاليًا مؤشرات إيجابية متزامنة تشمل استقرار سعر الصرف، وثبات أسعار الفائدة، والتوسع في توطين الصناعات وزيادة الطاقات الإنتاجية، ما يفتح المجال أمام نمو مستدام وخلق فرص عمل جديدة.
وأوضح أن هذه التطورات من شأنها تحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي ودعم الصادرات وزيادة تدفقات النقد الأجنبي، مشيرًا إلى أن الحكومة ومجلس النواب يمتلكان القدرة على صياغة استراتيجيات تعزز معدلات النمو وترفع القدرة التنافسية للاقتصاد.

وأكد أن مصر قادرة على مواجهة التحديات وتحقيق مردود مباشر على حياة المواطنين، عبر تفعيل الإمكانات الاقتصادية والاستفادة من ثمار الإصلاحات الهيكلية التي نُفذت خلال السنوات الماضية.
وكان البنك المركزي قد أعلن ارتفاع صافي الاحتياطي النقدي من 51.45 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2025 إلى 52.6 مليار دولار بنهاية يناير 2026، مسجلًا زيادة شهرية قدرها 1.14 مليار دولار، بما يعكس استمرار تحسن تدفقات النقد الأجنبي وتنامي قوة المركز المالي للدولة.