تقف مقبرة بادي آمون أوبت في قلب جبانة العساسيف بـالأقصر شاهدًا حيًّا على عبقرية المصري القديم، بما تحمله من عمق معماري ونصوص مقدسة نادرة تجعلها واحدة من أعظم مقابر العصر المتأخر.
وبفضل جهود الاستكشاف والترميم المتواصلة، تكشف المقبرة يومًا بعد يوم عن أسرار جديدة، تؤكد مكانتها ككنز أثري فريد يجمع بين عظمة التاريخ وروح الاكتشاف العلمي.
تعد مقبرة بادي آمون أوبت، المعروفة عالميًا بالرمز TT33، واحدة من أضخم وأعمق المقابر في جبانة العساسيف على الضفة الغربية لنهر النيل بمحافظة الأقصر، وتمثل إرثًا حضاريًا ثريًا يعكس عظمة الحضارة المصرية القديمة.
أهمية المقبرة وتاريخها
تقع المقبرة في قلب الجبل الغربي بمنطقة آثار العساسيف، وتمتد دهاليزها وقاعاتها على ثلاثة مستويات بطول يقارب 320 مترًا²، مما يجعلها من أكثر المقابر تعقيدًا وتميزًا في طيبة القديمة. وظل الجزء الأكبر من هيكلها غير مكتشف حتى العصور الحديثة، واستخدم الجزء الظاهر منها في فترة من الزمن كمخزن للآثار.
المقبرة تعود إلى الكاهن بادي آمون أوبت، الذي شغل مناصب هامة كـ كاتب النصوص الجنائزية وكبير كهنة المرتلين في عهد الملك بسماتيك الأول من الأسرة السادسة والعشرين، وتحتوي جدرانها على نقوش دينية وأدبية هيروغليفية كان لها قيمة روحية وعلمية عالية في مصر القديمة.
جهود الترميم والبحث العلمي
تواصل البعثة الأثرية الفرنسية التابعة للمعهد الفرنسي للآثار الشرقية (IFAO) أعمال الحفائر والدراسات العلمية داخل المقبرة، ضمن برنامج بحثي متكامل يهدف إلى توثيق أسرارها وتاريخها واستعادة الأعمال الفنية المحفورة عليها.
خلال الموسم الحالي، أعلنت البعثة عن الانتهاء من أعمال الترميم والتنظيف للمقبرة، في خطوة أولى ضمن خطة طويلة الأمد لحفظ الموقع وإبرازه علميًا وسياحيًا، وذلك بالتعاون مع وزارة السياحة والآثار وجامعة كالياري، حيث شملت أعمال المعالجة تنظيف الأسطح الجدارية والنقوش الدقيقة باستخدام تقنيات متطورة تحافظ على أصالة الأثر.
كما انتهت البعثة من ترميم جدران القاعة الثانية داخل المقبرة باستخدام تقنية الميكرو-أبراشن العلمي الدقيق، وهي عملية تنظيف متطورة تعتمد على إزالة الرواسب دون الإضرار بسطح الحجر الأصلي، وذلك بالتعاون مع فريق متخصص من متحف اللوفر الفرنسي.
أبحاث ودراسات إضافية
أعمال التوثيق والدراسة العلمية للنقوش داخل المقبرة شهدت مشاركة باحثات دوليات في فهم النصوص الهيروغليفية والزخارف، في إطار تعاون علمي دولي يعزز فهم التراث الجنائزي والفكري للمصريين القدماء، كما تم إنشاء برنامج دراسات أنثروبولوجية للبقايا البشرية المكتشفة.
خطة مستقبلية
أُغلقت المدخل الرئيسي للمقبرة مؤقتًا لاستكمال الدراسات والترميمات خلال المواسم المقبلة، في إطار خطة شاملة للحفاظ على هذا الموقع ذي القيمة الاستثنائية، على أن تستمر أعمال الحفر والبحث والاكتشافات الجديدة في الكشف عن أسرار إضافية داخل أروقته العميقة.