نحتفل في 13 فبراير من كل عام باليوم العالمي للإذاعة، تلك الوسيلة التي ما زالت تحتفظ بسحرها الخاص رغم تطور التكنولوجيا، باعتبارها واحدة من أقدم وأقوى أدوات الإعلام التي نجحت في نقل الأخبار، وتثقيف المجتمعات، وبناء الوعي، وخلق مساحة للتواصل بين الناس عبر الأثير.
ومن منطلق تلك المناسبة، تبرز أسماء خالدة صنعت تاريخ الإذاعة المصرية، وعلى رأسها الإذاعية الكبيرة صفية المهندس، التي لم تكن مجرد مذيعة، بل كانت مدرسة كاملة في فن الإذاعة، واستحقت عن جدارة لقب "أم الإذاعيين"، بعدما أصبحت أول صوت نسائي يقتحم هذا المجال ويترك بصمة لا تنسى في تاريخ الإعلام العربي، وفي السطور التالية نستعرض أهم المعلومات عنها، وإليك التفاصيل:
-ولدت صفية زكي محمد المهندس في 12 ديسمبر 1922 بحي العباسية في القاهرة، داخل أسرة عريقة ومثقفة، حيث كان والدها زكي محمد المهندس عميدًا لكلية دار العلوم، ونائبًا لرئيس مجمع اللغة العربية، الذي كان يترأسه في ذلك الوقت عميد الأدب العربي طه حسين.
-ارتبط اسمها بعائلة فنية شهيرة، فشقيقها هو الفنان الكبير الراحل فؤاد المهندس، وشقيقتها درية المهندس، بينما ارتبطت حياتها الزوجية لاحقًا بالإذاعي المعروف محمد محمود شعبان الشهير ب"بابا شارو".
-في عام 1937 التحقت صفية المهندس بمدرسة السنية، وتميزت منذ الصغر بقدرتها اللافتة على إتقان اللغة العربية نطقًا وكتابة، كما انضمت للنشاط الاجتماعي داخل المدرسة، وبرزت بشكل كبير في جماعة الخطابة المدرسية بفضل أسلوبها السلس والمنمق، إضافة إلى مشاركتها في فريق التمثيل.
-بعد حصولها على شهادة البكالوريا، التحقت بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية، لتتخرج وتحصل على الليسانس عام 1945، وفي العام نفسه، بدأت الرحلة الحقيقية لحياتها، بعدما أقنعها صديقا والدها محمد فتحي وعبد الوهاب يوسف، وهما من رواد الإذاعة المصرية في ذلك الوقت، بالالتحاق بالعمل في الإذاعة، فوافقت فورًا، إذ رأت في الأمر فرصة لتحقيق حلم قديم لطالما راودها منذ مشاركاتها في الخطابة والإذاعة المدرسية.
-خاضت صفية المهندس اختبار القبول في الإسكندرية تحت إشراف الإذاعي الكبير محمد محمود شعبان "بابا شارو"، الذي أجازها للعمل كمذيعة، لتبدأ من هنا مرحلة جديدة صنعت منها واحدة من أهم رموز الإعلام في مصر.
-بدأت صفية المهندس عملها كمذيعة وقارئة لنشرات الأخبار، ثم اتجهت سريعًا إلى تقديم البرامج الاجتماعية، واهتمت بشكل خاص بقضايا المرأة المصرية والعربية، فكانت من أوائل من خصصوا مساحة للمرأة عبر برنامجها الشهير "ركن المرأة"، والذي كان يعد الأول من نوعه في الإذاعة المصرية.
- كانت تحرص على جمع أحاديث كبار السيدات المثقفات مثل أمينة السعيد وبنت الشاطئ والدكتورة سهير القلماوي، لتقدم محتوى راقيًا يهدف إلى رفع وعي المرأة وتعزيز دورها في المجتمع.
-استمرت صفية المهندس في تحقيق نجاحات متلاحقة منذ بداية ظهورها عام 1945، وبعد عامين فقط أصبحت مسؤولة عن برنامج "ركن المرأة"، ثم تولت منصب مديرة لبرامج المنوعات، ثم مديرة البرنامج العام، لتثبت أنها لم تكن مجرد صوت إذاعي مميز، بل شخصية قيادية تمتلك رؤية قوية في تطوير العمل الإعلامي.
- أعدت برنامجًا آخر من أشهر برامجها وهو "ربات البيوت"، الذي جمع بين التمثيليات والحوارات التربوية والدراما الإذاعية، وقدمت خلاله البرنامج الدرامي المعروف "يوميات عائلة مصرية" عن عائلة مرزوق أفندي، والذي ظل محفورًا في ذاكرة المستمعين لسنوات طويلة.
-بعد مسيرة طويلة من النجاح والتدرج في المناصب، حققت صفية المهندس محطة فارقة في تاريخ الإعلام المصري، حين أصبحت في 27 سبتمبر 1975 أول سيدة تتولى منصب رئيس الإذاعة المصرية، وهو منصب لم تصل إليه امرأة من قبل.
-استمرت في رئاسة الإذاعة حتى 11 ديسمبر 1982، وهو تاريخ بلوغها سن التقاعد، لتصبح واحدة من أبرز القيادات النسائية التي أثبتت أن المرأة قادرة على إدارة واحدة من أهم المؤسسات الإعلامية في مصر.
-حصلت صفية المهندس على العديد من التكريمات تقديرًا لدورها الكبير في الإذاعة المصرية، ومن أبرزها حصولها على وسام العلوم والفنون عام 1973، والذي يعد من أرفع الأوسمة التي تمنح للشخصيات المؤثرة في مجالات الثقافة والفن والإعلام.
-رغم بلوغها سن التقاعد، لم تتوقف صفية المهندس عن العطاء، وظلت تقدم برامجها وتشارك بخبرتها، إلى أن رحلت عن عالمنا في 13 يونيو 2007 عن عمر ناهز 84 عامًا، تاركة وراءها إرثًا إذاعيًا عظيمًا، وتاريخًا من النجاحات جعل اسمها حاضرًا في كل حديث عن العصر الذهبي للإذاعة المصرية.