الإثنين 16 فبراير 2026

مقالات

اختبار أمام الفرصة الصينية

  • 15-2-2026 | 16:16
طباعة

يبدو قرار الرئيس الصيني بإلغاء الرسوم الجمركية على واردات بلاده من الدول الأفريقية كخطوة تحمل في ظاهرها دعما واضحا للتنمية في القارة، لكنها في جوهرها تعكس تحولات أعمق في ميزان القوى الاقتصادية العالمية وتضع دولا مثل مصر أمام اختبار حقيقي.

 فمن حيث المبدأ يوفر القرار فرصة ذهبية لمصر لتعزيز صادراتها إلى السوق الصينية إحدى أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم فالإعفاء الجمركي يزيل عقبة رئيسية كانت تحد من تنافسية المنتجات المصرية، خاصة في قطاعات مثل الزراعة والصناعات الغذائية وبعض الصناعات الخفيفة لكن هذه الفرصة رغم جاذبيتها ليست كافية بذاتها لتحقيق اختراق حقيقي، لأن التحدي لا يكمن في فتح السوق بل في القدرة على النفاذ إليها والسوق الصينية ليست سوقا تقليدية يمكن اقتحامها بسهولة فهي شديدة التعقيد وعالية المعايير وتخضع لمنافسة شرسة من دول تمتلك قدرات إنتاجية وتنظيمية أكبر.

وهنا يظهر السؤال الجوهري هل اقتصادنا مهيأ فعلا للاستفادة من هذه الميزة وفي المقابل لا يمكن فصل هذا القرار عن السياق الأوسع للدور الصيني في أفريقيا وخاصة عبر مبادرة الحزام والطريق التي تسعى بكين من خلالها إلى إعادة تشكيل شبكات التجارة العالمية فإلغاء الرسوم الجمركية ليس مجرد إجراء اقتصادي بل أداة لتعميق النفوذ الصيني في القارة، عبر خلق اعتماد متبادل يميل في كفته لصالح الصين ومن هنا فإن المكاسب المحتملة تأتي مصحوبة بتحديات استراتيجية وأحد أبرز هذه التحديات يتمثل في اختلال الميزان التجاري القائم بالفعل بين مصر والصين.

فالأرقام تشير إلى أن الواردات من الصين تفوق بكثير الصادرات إليها وهو ما يعني أن الإعفاء الجمركي إذا لم يقابل بسياسات تصديرية فعالة قد لا يغير هذا الخلل بل ربما يكرسه بشكل غير مباشر إذ ستظل الصين المورد الأكبر بينما تبقى الصادرات المصرية محدودة التأثير كما أن المنافسة داخل القارة الأفريقية نفسها تمثل عاملا ضاغطا فمع توسيع الإعفاء ليشمل معظم الدول الأفريقية لن تكون مصر وحدها في هذا السباق بل ستواجه دولا قد تمتلك مزايا نسبية أقوى في بعض القطاعات سواء من حيث الموارد الطبيعية أو الكلفة الإنتاجية وهذا يعني أن الفرصة متاحة للجميع، لكن الاستفادة منها لن تكون متساوية.


ورغم ذلك فإن اختزال القرار في كونه تهديدا أو أداة للهيمنة فقط سيكون قراءة ناقصة فمصر تمتلك بالفعل مقومات يمكن أن تؤهلها للاستفادة بدءا من موقعها الجغرافي الاستراتيجي مرورا ببنيتها التحتية المتطورة نسبيا وصولا إلى علاقاتها المتشابكة مع الأسواق الإقليمية لكن تحويل هذه المقومات إلى نتائج ملموسة يتطلب تحولا في طريقة التفكير من منطق الاستجابة إلى منطق المبادرة والمطلوب هنا ليس فقط زيادة الصادرات بل إعادة هيكلة الاقتصاد ليصبح أكثر توجها نحو الإنتاج القابل للتصدير مع التركيز على القيمة المضافة بدلا من الاعتماد على المواد الخام.

كما أن تحسين جودة المنتج المصري لم يعد خيارا بل ضرورة حتمية إذا أرادت مصر أن تجد لنفسها موطئ قدم في سوق بحجم وتعقيد الصين ويمكن القول إن قرار إلغاء الرسوم الجمركية يمثل فرصة حقيقية لكنه في الوقت نفسه اختبار لقدرة مصر على التحرك بوعي في بيئة اقتصادية دولية متغيرة فإما أن تنجح في استغلال اللحظة لتعزيز موقعها الاقتصادي أو تظل أسيرة نمط تقليدي من العلاقات التجارية غير المتكافئة إذن الفرصة قائمة لكن تحويلها إلى مكسب مرهون بالقدرة على أن نكون لاعبا فاعلا.

أخبار الساعة