الخميس 5 مارس 2026

ثقافة

تواشيح السحور| (15 ـ30)| «يارب.. أنت العليم بحالي» للشيخ محمد عمران

  • 5-3-2026 | 04:35

الشيخ محمد عمران

طباعة
  • همت مصطفى

ارتبط المسلمون بالابتهالات الدينية و«التواشيح» في بقاع العالم بأسره، وانتشر تقديمها من قِبل المبتهلين والشيوخ في شهر رمضان المبارك وقت السحور، وخاصة في الثلث الأخير من الليل وحتى قبل رفع أذان الفجر، ميقات «الإمساك» عن الطعام لبدء صوم يوم جديد،  وأصبحت مَلمحًا أصيلًا من ملامح شهر الصيام؛ إذ تُهَدِّئ النفس وتمنحها السكينة والاطمئنان.

وكانت مصر سبّاقة في هذا الاتجاه، إذ كانت أول من قدّم ونقل عبر الإذاعة المصرية والتلفزيون المصري إلى جمهورها ثم إلى العالم الإسلامي أجمع، ذلك المزيج الفريد من الابتهالات الدينية والتواشيح التي تضم أدعيةً وتضرعًا بصوتٍ عذب لكبار المشايخ والقراء، لتصبح منارةً لهذا الفن وروّادَه في مختلف الأقطار.

 الابتهالات والتواشيح

و«التواشيح» تمثل أناشيد دينية ملحنة ومنظومة «شعر» تصاحبها عادة آلات موسيقية وإيقاعات محددة، وتركز على المدح النبوي والابتهال، بينما تمثل «الابتهالات» أدعية وتضرع إلى الله خاشعة وتكون غالبًا مرتجلة وبدون آلات موسيقية «أكابيلا»، تعتمد على صوت المبتهل ومقاماته الصوت.

فروقات أساسية بين التواشيح والابتهالات

 في الموسيقى والإيقاع.. «التواشيح» هي إنشاد ديني له إيقاع ولحن ثابت ومنتظم، وغالبا بمصاحبة آلات موسيقية، و«الابتهالات» مرتجلة، تعتمد على المقامات الصوتية دون إيقاع موسيقي محدد، وتركز على إظهار الخشوع.
المحتوى والأداء.. «التواشيح» قصائد منظومة في مدح النبي ﷺ أو مواضيع دينية، ويتم أداؤها بشكل جماعي أو فردي مع لزمة موسيقية، و«الابتهالات» دعاء وتضرع وتوسل إلى الله عز وجل بكلمات مؤثرة، تهدف لإثارة مشاعر التضرع (البكاء والخشوع).
الأصل.. «التواشيح» فن شعري مستحدث ومغنى، و«الابتهالات» جزء من آداب الدعاء، واشتهر بها رواد من القراء والشيوخ مثل «النقشبندي
» ونصر الدين طوبار وطه الفشني، محمد عمران، عبد الباسط عبد الصمد، محمد الطوخي»، وغيرهم،  والتواشيح فن إنشادي موسيقي، بينما الابتهالات دعاء وتضرع صوتي ارتجال.

وتقدم «دار الهلال»، في رمضان 1447 هجريًا، مارس 2026 ميلاديا، كل يوم وليلة سلسلة حلقات متتابعة من «الابتهالات»، و«التواشيح» تحت عنوان «تواشيح السحور»، لأهم وأبرز وأكبر المبتهلين والقراء من التراث الديني المصري، الذي ظل خالدًا بيننا.

ونستمع  مع سحور الليلة، و في اليوم الخامس عشر من  ليالي رمضان 1447م هجريًا  والموافق 5 مارس 2026 م إلى الابتهال الشهير «يارب.. أنت  العليم بحالي» للشيخ محمد عمران.

الشيخ محمد عمران..نساج المقامات الموسيقية «سلطان الإنشاد»

يُعد الشيخ محمد عمران واحدٌ من أعلام قرّاء القرآن الكريم، والابتهالات الدينية، وممَن رسموا أسماءهم بحروف من ذهب داخل قلوب الجميع، وله بصمة صوتية واضحة تميز بها عن غيره، حياته القرآن، نشأ وتربى عليه، وعرف عنه، أنه صاحب الحنجرة الذهبية، الذي لقب بنساج المقامات الموسيقية، وملك الإنشاد الديني .

الميلاد والنشأة

ولد  الشيخ محمد عمران في عام 1922م، في نجع القبيصات بمدينة طهطا بمحافظة سوهاج، وأتم الشيخ محمد عمران حفظ القرآن الكريم، في سن العاشرة على يد الشيخ عبد الرحيم المصري، وكان  في طفولته يحب اللعب.

وكان  يأتي إلى دارالشيخ محمد عمران، الشيخ عبدالرحيم المصري ويقول له أتريد أن تهرب لتلعب وأنت الذي سأدخل بك الجنة، ثم جوده  الئشيخ محمد عمران القرآن الكريم ععلى يد الشيخ محمود جنوط في مدينة طما،

دخل طريق الإنشاد بالصدفة، فقد ربطته علاقة قوية بالشيخ سيد النقشبندي، كان يأخذه معه في الحفلات الدينية، ويعلمه مبادئ الإنشاد.

وحضر محمد عمران إلى القاهرة قبل أن يتمم عامه الثاني عشر والتحق بمعهد القراءات بطنطا ثم التحق بمعهد المكفوفين للموسيقى، حيث تعلم أصول القراءات والإنشاد وعلم النغم والمقامات الموسيقية وفن الإنشاد الديني على يد سيد موسى الكبير، وحصل على الثانوية الأزهرية.

منشد الإذاعة المصرية
وكان الشيخ محمد عمران، يحب القراءة والاطلاع بحثًا عن لقمة العيش، وعمل في شركة حلوان للمسبوكات، فجعلته قارئًا للقرآن الكريم بمسجدها الكائن بموقع الشركة، وذاع صيته وانتشرت شهرته بين العمال،  فتقدم بعد ذلك لاختبار الإذاعة المصرية في بداية السبعينيات بالقرن الماضي، وتم اعتماده مبتهلًا بعد نجاحه المتفوق والمتميز في امتحان الأداء.

وتم اعتماد الشيخ محمد عمران بالإذاعة المصرية، و منحته الإذاعة لقب المنشد، وسجل لها عددًا كبيرًا من الأناشيد والتواشيح، والابتهالات منها: أسماء الله الحسنى وأدركنا يا الله، مع الشيخ سعيد حافظ وعمل بعض التترات للمسلسلات الدينية وسجل أيضًا دعاء الصالحين وابتهالات أخرى عدة.

 الشيخ محمد عمران  شغوفا بالعلم والمعرفة

وخبرة الشيخ محمد عمران لم يأخذها من مجالسيه فقط، وذلك تبعًا لما ذكره ورواه عنه أبناء الشيخ ومن عاصروه فقد كان الشيخ شغوفًا بالعلم والمعرفة، ومكتبته فى منزله بها ما يزيد على عشرة آلاف شريط كاسيت جميعها لأهل القرآن والموسيقى.. وهى الزاد الذى نهل منه الشيخ عمران الذى لم يحفل بامتلاك أية أموال أو عقارات مثل أهله الذين جاءوا للتجارة بالقاهرة، لكنه كان يمتلك «جهاز سانيو» لتسجيل وسماع القرآن والموسيقى بأنواعها.

ولحن للشيخ محمد عمران، موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، والملحن والموسيقي سيد مكاوي والمحلن والموسيقار حلمي أمين، وأنشد محمد عمران وشارك في الغناء للعديد من البرامج الدينية الغنائية وفي الاحتفالات بالمولد النبوي وآل البيت والأمسيات والمناسبات التي أقيمت بدار الأوبرا المصرية.

تميز الشيخ محمد عمران بصوته الرائع وأسلوبه الفريد في التعبير عن معاني الآيات، و كان يُبدع في تلاوته في الحفلات الخاصة أكثر من الإذاعة،  وتميز  بحرية أكبر في الأداء. 

الشيخ محمد عمران..صاحب الطفرة الكبرى فى تنويع المقامات

أجمع المحللون لعلوم الموسيقى والغناء على أن محمد عمران هو صاحب الطفرة الكبرى فى تنويع المقامات، فسماه بعضهم سفاح المقامات لقدراته الهائلة فى تطويع الأداء حسب معانيها، عبر مقامات موسيقية مختلفة ونادرة أحيانا، فهو أحد القلائل بعد سيد درويش الذين استخدموا مقام التكريز على سبيل المثال.. لذلك تظل ألبومات وسهرات الشيخ مدرسة مهمة للمطربين.

 وقال  المطرب المعاصر بها سلطان أنه محب كثيرًا  لصوت  الشيخ محمد عمران، وهندسته وأن أستاذة الأول هو «صوت محمد عمران».

ورحل الشيخ محمد عمران عن عالمنا، عندما وافته المنية في 6 أكتوبر 1994م، وكأنه اختار يوم النصر ليودعنا فيه،  وسيبقى أثره  وصوته بيننا ما حيينا في ذاكرة  ووجدان الشعب المصري والعربي والإسلامي، فقد وترك وراءه إرثًا غنيًا من التلاوات والأناشيد الدينية، ، أثرى المكتبة الإسلامية بتلاواته وأعماله الفنية، مما جعله رمزًا في مجال الإنشاد الديني وتلاوة القرآن الكريم.

وكان الشيخ  محمد عمران وسيبقى هو من  أهم وأبرز وأكبر المبتهلين والقراء من التراث الديني المصري، الذي ظل خالدًا بيننا، وقدّم الشيخ محمد عمران الكثير من الابتهالات، منها «شهر الصيام على الأيام قد فضلًا»  الابتهال الشهير «ياسيد الكونين، جئتك قاصدًا، أرجورضاك»، و«يارب عفوك ورضاك»، و«أنت الذي لما رُفعت إلى السماء»، و«وليلة القدر وفيه الله فضلها عن ألف شهر». 

ورغم رحيل  الشيخ محمد عمران عن عالمنا بجسده، ستبقى صوته من الأصوات التي تحمل الله في طياتها لا تموت، لكنها تتحول لصوت باق مع المسلمين في كل مكان، ومع كل فجر يتجدد كل رمضان شهر الله المبارك، وإلى سكينة تسكن القلوب حين يشتد بها القلق، و لتطمئن وتهدى وتتقرب إلى الله عزو جل. 

 الابتهال الشهير «يارب.. أنت  العليم بحالي» للشيخ محمد عمران

الاكثر قراءة