السبت 7 مارس 2026

مقالات

د. زقــزوق.. أزهري غير معمَّم في مدرسة ابن رشد

  • 7-3-2026 | 11:53
طباعة

في الثاني من أبريل الماضي، وفي الذكرى الخامسة لرحيل الأستاذ الدكتور محمود حمدي زقزوق، وزير الأوقاف الأسبق، الذي رحل في أول أبريل 2020م، كتب الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف كلمات منيرات في حق العلامة الدكتور زقزوق، كتب على صفحة وزارة الأوقاف الرسمية ما نصه: “ذكراه ستظل خالدة في تاريخ الفكر الإسلامي، لما قدمه من جهود علمية ودعوية تركت بصمة واضحة في مسيرة التنوير والتجديد.

ولد الدكتور زقزوق، رحمه الله، في 27 من ديسمبر 1933، وتوفي في الأول من أبريل 2020م، وكان أحد أبرز أساتذة الفلسفة الإسلامية، وتولى وزارة الأوقاف المصرية لسنوات عديدة، عمل خلالها على ترسيخ خطاب ديني مستنير يواكب متغيرات العصر ويعزز قيم الوسطية والاعتدال.
وقال الوزير الأزهري إن الدكتور زقزوق كان له دور بارز في تحديث الفكر الديني وتعزيز الحوار بين الحضارات، وكتب العديد من المؤلفات التي تناولت قضايا معاصرة، مسلطًا الضوء على ضرورة التجديد والاجتهاد بما يتناسب مع تحديات العصر، مع الحفاظ على الثوابت الشرعية الراسخة.
ما قدمه الدكتور زقزوق من جهود علمية وفكرية سيظل مرجعًا مهمًّا للأجيال القادمة، داعيًا الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجعل ما تركه من علم نافع في ميزان حسناته..
**
ويوم وفاته كتبت أنعاه، رحل في صمت يليق بجلال العلماء، ونعاه الإمام الأكبر من قلبه، ناعيًا عالمًا جليلًا من المجددين في الفقه الإسلامي. كتب الدكتور محمود حمدي زقزوق ودراساته وأعماله الكاملة تعنون مشروعه الفكري الكامل الذي نذر له عمره جميعًا، قضى سنوات عمره منافحًا عن تجديد الخطاب الديني وفق مشروع فقهي فلسفي منفتح على التجديد الديني بما لا يمس الثوابت الإسلامية.

الراحل الكريم الدكتور محمود حمدي زقزوق يعد من المجددين الأصلاء الذين صاغوا مشروعًا تجديديًّا متكاملًا، ولولا خفوت صوته، ورغبته في الإنجاز العلمي دون ضجة تسبقه أو صياح يعقبه، لكان لاسمه ذيوع يناسب منجزه الفكري.

تعده المراجع العلمية والأكاديمية الأوروبية مرجعًا تُراجع عليه ما استقر غربيًّا لأسباب، وقد وفقه الله في تفنيد الأسباب وتسبيب الأسباب لنقد الفكرة الغربية المسيطرة على مراكز الأبحاث والدراسات التي كان حضوره ملهمًا للمستشرقين والمهتمين بالدراسات الإسلامية والعربية منها تحديدًا.

الدكتور جابر عصفور، وهو مرجع مهم في شؤون التجديد الديني، يقطع بأن الوحيد الذي أنتج تجديدًا في الفكر الإسلامي داخل المؤسسة الأزهرية هو الدكتور زقزوق، وجميع كتاباته نموذج حقيقي للتجديد الديني، والجذور الفكرية للدكتور زقزوق نابعة من الرشدية وابن رشد.

تنبني فكرة عصفور على أساس من كتاب د. زقزوق العمدة المعنون «مقاصد الشريعة الإسلامية وضرورات التجديد»، ويفتتحه بقاعدة تشي بموقفه التجديدي: «إن الشريعة الإسلامية شريعة مرنة جمعت بين الأحكام الثابتة التي لا تتغير أبدًا، والمتغير الذي يقبل الاجتهاد»، مشددًا على أنه لا يجوز لأحد أن يتصدر لهذا المقام الرفيع (الاجتهاد) بغير علم ودراية وخبرة، ومعرفة بأحوال الناس وأعرافهم والظروف المحيطة بهم.

وفي كتابه المعنون «تأملات في أزمة الفكر الإسلامي المعاصر - نظرة نقدية» يجسد الفجوة الحادثة بين مدرستين: مدرسة النقل، ومدرسة العقل، وهو من أنصار المدرسة الأخيرة وأحد كبار منظريها، وإسهاماته الفكرية حركت المياه الراكدة في مستنقع صنعه بعض «الأصدقاء الجهال» (بتعبير ابن رشد) الذين حنطوا الفكر الإسلامي القديم وصنعوا منه صنمًا يقدسونه.

وفي كتابه المهم يتمنى على شباب الباحثين استكمال البحث و«الوصول بسفينة الفكر الإسلامي إلى بر الأمان بخطى ثابتة لدفع عجلة التجديد للأمام وإزالة ما تراكم على صفحة الفكر الإسلامي من غبار كثيف صنعه الجهل والجمود على مدى قرون عديدة».

وفي كتابه «الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري» أفصح عن ملمح من ملامح مشروعه الفكري الانفتاحي، وخلاصته أن الحوار العلمي الهادف كفيل بالقضاء على الكثير من الأحكام المسبقة والمفاهيم المغلوطة. وصاح قبل رحيله الحزين في وجه الجمود والقعود ناصحًا الأمة: «التراث الإنساني نتاج للعقل الإنساني، وهو أخذ وعطاء، يأخذ منه كل امرئ ما يشاء».

**

كتبه ودراساته وأعماله الكاملة التي صدرت في حياته (كما هو ثابت أعلاه) تعنون مشروعه الفكري الكامل الذي نذر له عمره كله، ولا تزال من قبره كتبه تتحدث بمشروع تجديد الخطاب الديني وفق مشروع فقهي فلسفي منفتح على التجديد الديني، بما لا يمس الثوابت الإسلامية.

طيب الذكر، الدكتور محمود حمدي زقزوق، وزير الأوقاف المصري (الأسبق)، يعد من المجددين الأصلاء الذين صاغوا مشروع تجديد متكاملًا، ولولا خفوت صوته، ورغبته في الإنجاز العلمي دون ضجة تسبقه أو صياح يعقبه، لكان لاسمه ذيوع يناسب منجزه الفكري الذي تعتبره المراجع العلمية والأكاديمية الأوروبية وتعده مرجعًا تُراجع عليه ما استقر غربيًّا لأسباب، وقد وفقه الله في تفنيد الأسباب وتسبيب الأسباب لنقد الفكرة الغربية المسيطرة على مراكز الأبحاث والدراسات، التي كان حضوره ملهمًا للمستشرقين والمهتمين، وجميع كتابات الدكتور زقزوق كما يقول الدكتور عصفور أعلاه نموذج حقيقي للتجديد الديني، والجذور الفكرية للدكتور زقزوق نابعة من الرشدية وابن رشد.

**

يقول دكتور زقزوق عن هدف كتابه المهم: «فإننا نرجو فيه ما يشفي صدور المهتمين بتجديد الفكر الإسلامي».. ثم هو يتمنى على شباب الباحثين استكمال البحث و«الوصول بسفينة الفكر الإسلامي إلى بر الأمان بخطى ثابتة لدفع عجلة التجديد للأمام وإزالة ما تراكم على صفحة الفكر الإسلامي من غبار كثيف صنعه الجهل والجمود على مدى قرون عديدة».

ويمضي في طريقه صائحًا في وجه الجمود والقعود: «التراث الإنساني نتاج للعقل الإنساني، وهو أخذ وعطاء، يأخذ منه كل امرئ ما يشاء».

وقد أشار الفيلسوف الكبير ابن رشد إلى أن النظر في كتب القدماء واجب شرعًا، وقال: «ننظر في الذي قالوه، وما كان منه غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم»، فإذا كان الأمر كذلك فما حقيقة المشكلة؟ وعلى هذا السؤال يجيب دكتور زقزوق: «يمكن القول بأن الفكر الإسلامي يعاني أزمة خانقة، وتتجاذبه تيارات متناقضة، والمتأمل في ذلك تستبد به الدهشة للحيرة والارتباك المسيطرين علينا؛ فهناك تيارات تحاول أن تشد هذه المجتمعات إلى الوراء متعامية عن مستجدات العصر، وما طرأ على العالم من تطورات جوهرية، وهناك في الوقت نفسه تيارات أخرى تحاول أن تجذبها من وهدتها بطريقة قد تفقدها توازنها وتقتلع معها جذورها وقد تفقدها هويتها.. ويبدو الأمر كما لو أنه خيار بين تيارين يمثلان إفراطًا في جانب وتفريطًا في آخر».

**

الدكتور محمود حمدي زقزوق يصفه بعض المتزمتين من أنصار مدرسة النقل بـ«المستشرق»، وهو الأزهري المنفتح حواريًّا على الغرب، مصوِّبًا أفكارهم التي أشاعها نفر من المستشرقين، وفي كتابه «الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري» أفصح عن ملمح من ملامح مشروعه الفكري الانفتاحي على الغرب، تناول لعدة قضايا، منها الاستشراق والتنصير، ومظاهر النشاط الاستشراقي، وعلاقة الاستشراق بالاستعمار واليهود، علاوة على مواقف المستشرقين من الإسلام ونماذج من آرائهم عن الإسلام.

د. زقزوق يشير إلى أن قضية الاستشراق تختلف حولها الآراء في العالم الإسلامي بين مؤيد ورافض، لكن المؤكد أن أعمال المستشرقين تشغل حيزًا لا يستهان به من اهتمام الكثيرين من علماء المسلمين، لأنها تهتم بكل صغيرة وكبيرة في دنيا الإسلام والمسلمين، ويرجع ذلك إلى أن منطلقات تفكيرهم في الموضوعات التي يقومون بدراستها تختلف عن منطلقات تفكير المسلمين.

وتطرق إلى أن الحوار العلمي الهادف كفيل بالقضاء على الكثير من الأحكام المسبقة والمفاهيم المغلوطة على كلا الجانبين، مشيرًا إلى أن الوقت حان للتفكير على مستوى العالم الإسلامي في إقامة مؤسسة إسلامية علمية عالمية، لا تنتمي بالولاء لقطر معين من الأقطار الإسلامية، ولا لمذهب سياسي أو فكري أو ديني معين، بل يكون ولاؤها الأول والأخير لله وحده ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وتستطيع استقطاب الكفاءات العلمية الإسلامية في شتى أنحاء العالم، وتقف على قدم المساواة مع الحركة الاستشراقية، ويكون لها دوريات ومجلات علمية ذات مستوى رفيع تنشر بحوثها بلغات مختلفة، وتعمل على استعادة أصالتنا الفكرية واستقلالنا في ميدان الأفكار.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة