السبت 7 مارس 2026

مقالات

المواطنة والتسامح في الفلسفة الإسلامية: أسس للعيش المشترك

  • 7-3-2026 | 14:43
طباعة

في زمن تتجدد فيه النقاشات حول أسس العيش المشترك، يبرز سؤال المواطنة بوصفه معيارًا حاسمًا لقياس عافية الدولة وقدرتها على إدارة التعدد وصون السلم الأهلي. غير أنّ هذا السؤال، حين يُقرأ من داخل المنظور الإسلامي، لا ينحصر في ترتيبٍ إداري بين فئات متجاورة، بل ينفتح على عمقٍ فلسفي وأخلاقي؛ إذ يغدو الإنسان -باعتباره كائنًا عاقلًا مُكرّمًا- منطلق الاجتماع ومقصده، وتغدو الدولة مطالبةً بتحويل هذا الأصل القيمي إلى ضماناتٍ قانونية ومؤسسية تكفل الحقوق وتحدد الواجبات على قدم المساواة.

تُعدّ المواطنة اليوم من أكثر المفاهيم حضورًا في النقاشات السياسية والاجتماعية، لا سيما داخل المجتمعات المتعددة ثقافيًا ودينيًا. وبينما ينزع بعضهم إلى اعتبارها مفهومًا حديث النشأة ارتبط بالدولة القومية الحديثة، فإنّ جذورها -بوصفها انتماءً إلى جماعة سياسية تُبنى على الحقوق والواجبات- تجد امتداداتٍ واضحة في التجربة الإسلامية المبكرة وفي الفلسفة الأخلاقية التي صاغها التراث الإسلامي. فالإسلام، في جوهره القيمي، يقدّم رؤية للإنسان تُقدّم كرامته، وحرية اعتقاده، وسُنّة الاختلاف، وحق الوجود المشترك، بوصفها مبادئ تأسيسية لتنظيم الاجتماع البشري.

الأساس القيمي: الكرامة والحرية والعدل

يؤسس القرآن لقاعدةٍ جامعة في قوله تعالى: "ولقد كرّمنا بني آدم"، فالتكريم هنا سابقٌ على الانتماءات، ولا يُمنح بوصفه جائزةً لطائفةٍ دون أخرى، بل هو أصلٌ إنساني عام. ويكتمل هذا الأصل بمبدأ الحرية الضميرية في قوله تعالى: "لا إكراه في الدين"، وبقاعدة العدل في قوله تعالى: "اعدلوا هو أقرب للتقوى"، وبالتنصيص على سُنّة الاختلاف في قوله تعالى: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة". هذه المبادئ الكبرى تمنح خطاب المواطنة لغةً معيارية حديثة: مساواة أمام القانون، وتجريم للتمييز، وحماية لحرية الاعتقاد وممارسة الشعائر ضمن النظام العام، وسياسات عامة تنظر إلى التعدد بوصفه حقيقة مُكوِّنة للمجتمع لا استثناءً يحتاج إلى إدارةٍ أمنية.

على صعيد التجربة التاريخية، تقدّم "صحيفة المدينة" نموذجًا تأسيسيًا نادرًا في إدارة التعدد. فحين واجه النبي ﷺ مجتمعًا مدينيًا متنوعًا، لم تُحلّ المعضلة بمنطق الغلبة، بل بمبدأ التعاقد المدني: "لليهود دينهم وللمسلمين دينهم"، مع تقسيمٍ للمسؤوليات العامة وتعريفٍ للجماعة السياسية على أساس المشاركة في السلم والحماية. لا يعني هذا أنّ الوثيقة تطابق الدساتير الحديثة، لكنها تحمل بذورًا معيارية واضحة: قانون فوق العصبيات، اعتراف بالتعدد، وحماية للحقوق ضمن سقف مشترك. وفي السياق نفسه، يقدّم صلح الحديبية درسًا بليغًا في أولوية السلم وحرمة الدماء وقدرة السياسة العقلانية على التنازل لصالح مبدأ أعلى: تحويل العداوة إلى إمكان تواصل، وتغليب مآلات المصلحة على نوازع الانفعال.

وعند فتح مكة تبرز سابقة أخلاقية فارقة، حين جُعل العفو قاعدة عامة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"؛ بما يرسل رسالةً أن غاية الدعوة لا تختزل في إخضاع الخصم، بل في تحرير الاجتماع من ثارات الغلبة. وتُسهم الروايات المتعلقة بالعهدة العمرية عند دخول القدس في إظهار أفقٍ معياري مفاده أن السياسة العادلة تُطمئن المخالف وتجعله جزءًا من انتظام المدينة: أمان على النفس والمال ودور العبادة مع سيادة للنظام العام. وفي اتجاهٍ مكمل، يشير القرآن إلى حماية أماكن العبادة جميعًا: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهُدِّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد"؛ بما يرسّخ مبدأ "الحماية المتبادلة" للتعدد الديني بوصفه مصلحة عامة، لا تفضّلًا ظرفيًا.

التسامح: فضيلة أخلاقية وضرورة مجتمعية

التسامح في المنظور الإسلامي فضيلةٌ أخلاقية وضرورةٌ مجتمعية على حد سواء. وهو -في معناه العام- موقفٌ إيجابي يقوم على الإقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوقهم الإنسانية وحرياتهم الأساسية. وهو نقيض التعصب الذي يتبدى في الغلوّ في التعلق بفكرةٍ أو جماعة بما يغلق منافذ الاعتراف، ويغذي الحماسة العمياء التي قد تنتهي إلى العنف الرمزي أو المادي.

لذلك يصبح التسامح شرطًا للتعقل السياسي، لا مجرد خيارٍ أخلاقي فردي.

ولكيلا يبقى التسامح مجرد وعظ، نستحضر نماذج من التراث الفلسفي الإسلامي الذي يقدم أدوات لإعادة بناء الأسس النظرية للمواطنة. عند الفارابي تُعرَّف "المدينة الفاضلة" باعتبارها تعاونًا على تحصيل السعادة، أي أن الجماعة السياسية تُبنى على الفضيلة المدنية والعدل، لا على العصبية والامتياز. وعند مسكويه تتجلى فكرة التربية الأخلاقية بوصفها صناعة للفضائل بالاعتياد، بما يرسخ الإنصاف كوسطٍ عملي، ويؤسس لما يمكن تسميته "الصداقة المدنية" التي تمنع تحويل الاختلاف إلى خصومة. أما ابن رشد فيفتح أفقًا لعقلٍ تأويلي يصالح بين الوحي والعقل، ويؤسس لتقاليد الاختلاف بالحُجّة، بما يهيئ "عقلًا جمعيًا" يتسع للتعدد الاجتهادي. وفي أفق المقاصد، يحرّر الغزالي ثم الشاطبي السياسة الشرعية من أسر الجزئيات، عبر جعل حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعِرض معايير عليا تُقاس بها الشرعية والفقه معًا. وحين نبلغ ابن خلدون، نجد تحليلًا بنيويًا للعمران يربط دوام الدولة بالعدالة، ويجعل الظلم مؤذنًا بخراب الاجتماع؛ بما يعني أن الإنصاف ليس ترفًا أخلاقيًا، بل شرطًا لبقاء الدولة واستقرارها. هذه السلسلة الفكرية تُظهر أن الانتقال من "خطاب التسامح" إلى "مؤسسات المواطنة" ممكنٌ من داخل الأفق القيمي الإسلامي نفسه.

وعلى مسرح الحضارة، كانت حركة الترجمة في بيت الحكمة ببغداد فضاءً مفتوحًا لأوائل الفكر الإنساني؛ حيث خالط المسلمون علماء من أديان وألسن متعددة، وأسهم غير المسلمين في مشاريع الدولة العلمية والطبية والترجمة. هذا ليس تفصيلًا ثانويًا، بل تأسيس عملي لفكرة "العقل المشترك" الذي لا يُسأل عن معتقد صاحبه قبل الاستفادة من علمه. وفي الأندلس شهدت قرطبة مشاركةً معتبرةً لليهود والمسيحيين في الإدارة والعلم، بما يكشف قابلية المنظومة القيمية الإسلامية لتسويغ فضاء تعددي حي -رغم تعرجات التاريخ وتقلباته-. وفي الحقبة العثمانية استقر ما عُرف بنظام "الملل" بوصفه اعترافًا قانونيًا بجماعات دينية تدير شؤونها الشخصية بدرجة من الاستقلال تحت سيادة الدولة. صحيحٌ أنّ هذا النظام حمل تراتبية رمزية بحكم عصره، لكنه يؤشر إلى تعدد مُدار مؤسسيًا، ويكشف جدلية "الفضيلة والقانون": فلا يكفي خطاب التسامح، بل لا بد من آليات حكم تحوّله إلى ضمانات فعلية.

ليس المقصود من هذا العرض تلوين التاريخ بلونٍ وردي أو تجاهل الوقائع الصعبة؛ فقد عرف تاريخ المسلمين -كما غيرهم- مراحل تضييق وصراعات مذهبية وسياسية. غير أنّ المقاربة الفلسفية المعيارية لا تُقاس بمطابقة التاريخ في كل جزئية، بل بقدرتها على استخلاص "القواعد الحاكمة" من نصوصه الكبرى ولحظاته المضيئة، وتقديمها بوصلةً للحاضر.

ومن ثمّ فالمواطنة والتسامح ليسا حنينًا إلى ماضٍ مثالي، بل مشروعًا معاصرًا يستأنس بما رسّخه التراث الإسلامي من قيم لمعالجة تعقيدات الدولة الحديثة: الفصل بين الهوية الدينية والعضوية السياسية، وتحويل الكرامة إلى نظام ضمانات، وسيادة قانون تساوي بين المواطنين دون تمييز.

إذا نُقل هذا التأسيس إلى مستوى السياسات العامة، أمكن صياغة معادلة ثلاثية: فضيلة، ومؤسسة، وخيال اجتماعي. الفضيلة تُبقي المعنى الأخلاقي حيًا في الضمير، والمؤسسة تحوله إلى قواعد: مساواة في القضاء، وتجريم للتمييز وخطاب الكراهية، وحماية متكافئة لدور العبادة، وتكافؤ فرص في التعليم والعمل والخدمات. أما الخيال الاجتماعي فيُصنع بالتربية والإعلام والفنون، بحيث يتعلم الناس أن يروا في المختلف شريكًا في تعريف "المشترك الوطني" لا مجرد حضورٍ يُتحمَّل. ومن هنا تأتي أهمية المناهج التي تُدرّس وثائق التعاقد الأولى بوصفها خبرةً في إدارة التعدد، وتفتح آيات "لا إكراه" و"الجدال بالتي هي أحسن" على أفق ثقافة الحوار، وتُدرّب الطلاب على تحويل الاختلاف إلى تعاون.

يتصل بذلك جدل العلاقة بين الدين والدولة: هل حياد الدولة الديني إقصاء للدين أم حماية له؟ القراءة الفلسفية تقترح أن الدولة التي تساوي بين المواطنين وتحمي حرية الضمير إنما تحمي الدين من الإكراه وتمنحه أفقًا أخلاقيًا أسمى؛ إذ لا معنى لإيمانٍ مفروض. وفي المقابل، فإن توظيف الدين لتكريس هوية أحادية يضعف الثقة في الدولة ويغذي العنف الرمزي والمادي.

إن مقولة ابن خلدون عن خراب العمران بالظلم يمكن أن تُقرأ اليوم بصفتها تلخيصًا لقاعدة حديثة: "لا أمن بلا عدل، ولا انتماء بلا مساواة، ولا وطن يتسع للجميع إذا أُقصي بعض أهله عن حقوقهم الأساسية". على ضوء ما سبق، يمكن النظر إلى الانتقال من أنماط الحماية الدينية التاريخية (كالذمّة مثلًا) إلى مفهوم المواطنة بالمعنى المتداول؛ فما كان يُقصد به صون النفس والمال والعِرض يُترجم اليوم إلى ضمانات دستورية وقانونية تُخضع الجميع لسقف واحد بلا تراتبية دينية. ليست هذه قطيعة مع التراث بقدر ما هي وفاءٌ لمقاصده العليا. ذلك أنّ فلسفة الفضيلة عند الفارابي، وأخلاق العدل عند مسكويه، وعقلانية الاجتهاد عند ابن رشد، ومقاصد الشريعة عند الشاطبي، وعمران العدالة عند ابن خلدون، تتآزر جميعها لبناء تصور للمواطنة بوصفها عقدًا أخلاقيًا-قانونيًا يتجاوز الولاءات الضيقة ويرتقي إلى سقف مشترك يضم الجميع.

خلاصة القول إن المواطنة والتسامح في الفكر الإسلامي ليسا مجرد فضائل فردية تُمارَس في الهوامش. إنهما تعبيران عن رؤية للإنسان والمعنى: التعدد شرط إمكان للحرية والمعرفة، والعدل صورة النظام الأخلاقي في الاجتماع البشري. وحين تُفهم المواطنة على هذا النحو، تغدو فضاءً للعيش المشترك لا رقمًا إداريًا في بطاقة الهوية، ويصبح التسامح اسمًا مدنيًا للرحمة لا لفظًا ناعمًا يُستدعى عند التوتر. والتحدي الحقيقي هو تحويل هذه الرؤية إلى مؤسسات تُشبهها، بحيث تُقاس شرعية الدولة بقدرتها على صون الكرامة والحرية للجميع.

ولنختتم هذا المسار التأملي بمقولة "فولتير" في تعريف التسامح: إنه نتيجة ملازمة لكوننا بشرًا؛ فنحن جميعًا معرّضون للخطأ، ولذلك يجدر بنا أن نتسامح مع اختلافاتنا على نحوٍ متبادل؛ فذلك هو، في جوهره، مبدأ من مبادئ قانون الطبيعة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة