في النماذج النبوية الأربعة للتعايش يأتي نموذج المدينة الأول، الذي كان مقصده بناء الدولة، ليضع لبنات المواطنة، ويكون أبرز وسائلها ما عُرف بوثيقة المدينة. د. خالد عمران
أمين الفتوى بدار الإفتاء
وثيقة المدينة – أو صحيفة المدينة – من أهم النصوص الخالدة الشرعية في التاريخ الإسلامي، بل وفي التاريخ الإنساني عمومًا، لما تمثله من نموذج مبكر لتنظيم العلاقة بين مكوّنات المجتمع المتعدد دينيًا وعرقيًا داخل إطار وطني واحد.
وقد اكتسبت هذه الوثيقة أهمية متجددة في العصر الحديث، مع تصاعد النقاشات حول مفاهيم المواطنة، والتعايش السلمي، وإدارة التنوع، وسبل بناء الدولة الوطنية الجامعة في مجتمعات متعددة الانتماءات.
ولا تنبع أهمية وثيقة المدينة من كونها نصًا تاريخيًا فحسب، بل من كونها مرجعية قيمية وتشريعية قادرة – عند حسن الفهم والتنزيل – على الإسهام في معالجة مشكلات معاصرة تتعلق بالعلاقة بين الدين والدولة، وحقوق غير المسلمين، ومفهوم الأمة، وحدود الانتماء السياسي والسيادي، وكأنها ترد بكل قوة على دعاوي ما يسمى بـ "الإسلام السياسي"، والتي يزعمون فيها أن ثمّة تعارضًا بين الدين والمواطنة.
أولًا: السياق التاريخي لوثيقة المدينة
وُضعت وثيقة المدينة عقب هجرة النبي ﷺ إلى يثرب، في مجتمع كان يعاني انقسامات حادة بين الأوس والخزرج، إضافة إلى وجود قبائل يهودية متعددة، فضلًا عن بقايا الوثنية.
وقد كان التحدي الأساسي يتمثل في إعادة بناء المجتمع على أسس جديدة، تتجاوز العصبية، وتمنع الانزلاق إلى الصراع الداخلي.
وفي هذا السياق، جاءت الوثيقة لتؤسس نظامًا يضبط العلاقات بين مختلف المكوّنات، ويحدّد الحقوق والواجبات، ويضع آليات لحل النزاعات، ويضمن الأمن الجماعي، دون إلغاء الخصوصيات الدينية أو الثقافية.
ثانيًا: مفهوم الأمة في وثيقة المدينة
من أبرز ما يلفت النظر في الوثيقة قولها: «وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين».
استُخدم مصطلح الأمة هنا بمعناه المدني؛ فالأمة في هذا السياق تشير إلى مجموعة من البشر، تجمعها رابطة العيش المشترك، والدفاع المشترك، والالتزام بالنظام العام، مع احتفاظ كل فئة بدينها وشريعتها.
ويمثل هذا المفهوم نقلة نوعية في التفكير، حيث يحرر الانتماء من الحصر في عرق أو جنس أو دين، ويؤسس لما يمكن تسميته اليوم بـ "المواطنة المتعددة الانتماءات"، التي لا تتناقض فيها الهوية الدينية مع الانتماء الوطني.
ثالثًا: المواطنة في وثيقة المدينة
ومع أن مصطلح "المواطنة" لم يرد حرفيًا بصيغته الاصطلاحية الحديثة في وثيقة المدينة، إلا أن مضامينه الجوهرية حاضرة بقوة.
فقد قررت الوثيقة مبدأ المساواة في الحقوق الأساسية، وربطت بين الحق والواجب، وأكدت على:
المسؤولية الجماعية عن الأمن والدفاع: حيث اشترك المسلمون واليهود في تحمل تبعات الدفاع عن المدينة.
العدل القضائي: فلا يُحمى ظالم، ولا يُؤخذ بريء بجريرة غيره.
الالتزام بالنظام العام: الجميع خاضعون لما تقرره الوثيقة من قواعد ملزمة.
وهذه العناصر تمثل الركائز الأساسية لأي مفهوم حديث للمواطنة، يقوم على الانتماء القانوني للدولة، لا على الانتماء الديني أو العرقي وحده.
رابعًا: حرية الدين والخصوصية الثقافية
أكدت الوثيقة بوضوح مبدأ حرية الدين، إذ نصت على أن: «لليهود دينهم وللمسلمين دينهم».
وهذا الإقرار لا يقتصر على مجرد التسامح، بل يعكس اعترافًا قانونيًا كاملًا بالاختلاف الديني، وحق كل جماعة في الاحتكام إلى منظومتها العقدية في شؤونها الخاصة.
ويمثل هذا النص أساسًا مبكرًا لمفهوم التعددية الدينية داخل الدولة الواحدة، ويُفند الادعاءات التي تزعم أن النموذج الإسلامي لا يعترف إلا بالتماهي الديني الكامل داخل المجال العام.
خامسًا: التعايش السلمي وإدارة الخلاف
لم تفترض وثيقة المدينة مجتمعًا مثاليًا خاليًا من الخلاف، بل وضعت آليات عملية لإدارته، ومنعت تحوّله إلى صراع دموي. فقد نصت على:
• تحريم الظلم والعدوان الداخلي.
• الاحتكام إلى النبي ﷺ بصفته مرجعية عليا في حال النزاع.
• منع التحالف مع أعداء الدولة على حساب الجماعة السياسية.
وهذه المبادئ تمثل نواة ما يُعرف اليوم بـ "الأمن المجتمعي"، وفض النزاعات بالوسائل السلمية والمؤسسية.
سادسًا: وثيقة المدينة والدولة الوطنية المعاصرة
تقوم الدولة الوطنية الحديثة على مجموعة من المرتكزات الأساسية، من أبرزها:
وحدة الإقليم والسيادة.
المواطنة المتساوية كأساس للحقوق والواجبات.
سيادة القانون وخضوع الحاكم والمحكوم له.
التعددية الدينية والثقافية داخل الإطار الوطني الواحد.
وتُعد وثيقة المدينة نصًا سياسيًا-دستوريًا نظّم العلاقة بين مكوّنات المجتمع المدني في يثرب "المدينة المنورة".
وقد أقرت وثيقة المدينة مبدأ التعدد الديني المعترف به قانونيًا، فنصت على أن: «لليهود دينهم وللمسلمين دينهم». ولم يكن هذا الإقرار مجرد تسامح أخلاقي، بل كان التزامًا سياسيًا وقانونيًا يحمي الخصوصيات الدينية داخل المجال العام.
وقد نصت وثيقة المدينة على أن الفصل في النزاعات الكبرى يعود إلى النبي ﷺ، بصفته السلطة المرجعية العليا، وهذا يؤكد مبدأ وحدة المرجعية القانونية، وهو ما يقابله في الدولة الحديثة مبدأ "سيادة الدستور والقانون".
وقد أكدت الوثيقة مبدأ الدفاع المشترك عن المدينة، وحرمت التحالف مع أعدائها بما يضر بالدولة. وهذا يؤسس لمفهوم الولاء الوطني القائم على حماية الدولة، لا على الانتماءات الضيقة.
فوثيقة المدينة تُقدّم باعتبارها مرجعية قيمية تؤكد: العدل، والمساواة، والتعدد، والتعايش، وسيادة النظام، لا باعتبارها دستورًا تفصيليًا ملزمًا بكل جزئياته.
سابعًا: وثيقة المدينة ودعاوي المتطرفين
تمثل وثيقة المدينة مرجعية قوية يمكن من خلالها تفنيد كثير من دعاوى المتطرفين المعاصرين في الإنكار على الدولة الوطنية، وإعادة بناء تصور شرعي متوازن لشرعية الدولة الوطنية، من خلال قراءة مقاصدية ووظيفية للنموذج النبوي في بناء الدولة.
فينما يردد المتطرفون مقولة: "دولة الإسلام مبنية على العقيدة فقط دون الحدود ولا الثقافة ولا التاريخ"، تأتي وثيقة المدينة لتعد أول تجربة نبوية في بناء كيان محدد الإقليم له حدود جغرافية، هو مدينة يثرب، بحدود جغرافية واضحة، ونظام قانوني خاص، والتزامات دفاعية مشتركة تخص هذا الإقليم دون غيره.
لم تكن الدولة النبوية في المدينة دولة عالمية منذ لحظة تأسيسها، بل دولة إقليمية تنمو وتتمدد وفق الواقع والإمكان، وهو ما يدل على أن تعدد الكيانات الوطنية القائمة على حدود جغرافية وتاريخية لا يناقض الأصل الشرعي.
وينما يردد المتطرفون مقولة: "الولاء للدين فقط والبراء من كل ما سواه حتى لو كان الوطن"، تأتي وثيقة المدينة لتقر مبدأ الولاء للوطن، حيث حرمت التحالف مع أعداء المدينة، وألزمت جميع أطرافها بالدفاع عنها. وهذا يؤسس لمفهوم الولاء الوطني القائم على حماية الدولة والمجتمع، لا على العصبية أو الإقصاء.
وينما يردد المتطرفون مقولة: "إن لم نحكم الناس فهم غير راضين عن الشريعة"، تُظهر الوثيقة بوضوح أن الشريعة مقاصد وجواهر وأخلاق قبل أن تكون أشكالًا وقوانين وعقوبات، وأن تحقيق العدل، وحفظ الدين والنفس والمال والعقل والنسل، هو جوهر الشرعية.
وقد حققت الوثيقة هذه المقاصد من خلال نظام تعاقدي مرن، راعى التعدد والواقع الاجتماعي، دون فرض نموذج قسري واحد، وهو ما ينسجم مع فكرة الدولة الوطنية القائمة على الدستور والقانون.
إن الحاجة اليوم ليست إلى استنساخ وثيقة المدينة، بل إلى استلهام روحها، وتفعيل مبادئها في بناء دول وطنية عادلة، تحترم التنوع، وتحقق السلم الاجتماعي، وتؤكد أن الاختلاف الديني والثقافي لا يناقض العيش المشترك، بل قد يكون مصدر ثراء وقوة إذا أحسن تدبيره.
وفي الختام، تظل وثيقة المدينة مرآة صادقة للاقتداء الوطني والتماسك الاجتماعي، تحفظ مبادئ المواطنة وقيمها، وتؤسس لدولة وطنية، تحافظ على مقاصد الشريعة، وتعيش عصرها من غير جمود.