الإثنين 9 مارس 2026

ثقافة

تواشيح السحور| (18 ـ30)|ابتهال «يارب إن عظمت ذنوبي كثرة» للنقشبندي

  • 9-3-2026 | 10:29

الشيخ النقشبندي

طباعة
  • همت مصطفى

ارتبط المسلمون بالابتهالات الدينية و«التواشيح» في بقاع العالم بأسره، وانتشر تقديمها من قِبل المبتهلين والشيوخ في شهر رمضان المبارك وقت السحور، وخاصة في الثلث الأخير من الليل وحتى قبل رفع أذان الفجر، ميقات «الإمساك» عن الطعام لبدء صوم يوم جديد،  وأصبحت مَلمحًا أصيلًا من ملامح شهر الصيام؛ إذ تُهَدِّئ النفس وتمنحها السكينة والاطمئنان.

وكانت مصر سبّاقة في هذا الاتجاه، إذ كانت أول من قدّم ونقل عبر الإذاعة المصرية والتلفزيون المصري إلى جمهورها ثم إلى العالم الإسلامي أجمع، ذلك المزيج الفريد من الابتهالات الدينية والتواشيح التي تضم أدعيةً وتضرعًا بصوتٍ عذب لكبار المشايخ والقراء، لتصبح منارةً لهذا الفن وروّادَه في مختلف الأقطار.

الابتهالات والتواشيح

و«التواشيح» تمثل أناشيد دينية ملحنة ومنظومة «شعر» تصاحبها عادة آلات موسيقية وإيقاعات محددة، وتركز على المدح النبوي والابتهال، بينما تمثل «الابتهالات» أدعية وتضرع إلى الله خاشعة وتكون غالبًا مرتجلة وبدون آلات موسيقية «أكابيلا»، تعتمد على صوت المبتهل ومقاماته الصوت.

فروقات أساسية بين التواشيح والابتهالات

 في الموسيقى والإيقاع.. «التواشيح» هي إنشاد ديني له إيقاع ولحن ثابت ومنتظم، وغالبا بمصاحبة آلات موسيقية، و«الابتهالات» مرتجلة، تعتمد على المقامات الصوتية دون إيقاع موسيقي محدد، وتركز على إظهار الخشوع.
المحتوى والأداء.. «التواشيح» قصائد منظومة في مدح النبي ﷺ أو مواضيع دينية، ويتم أداؤها بشكل جماعي أو فردي مع لزمة موسيقية، و«الابتهالات» دعاء وتضرع وتوسل إلى الله عز وجل بكلمات مؤثرة، تهدف لإثارة مشاعر التضرع (البكاء والخشوع).
الأصل.. «التواشيح» فن شعري مستحدث ومغنى، و«الابتهالات» جزء من آداب الدعاء، واشتهر بها رواد من القراء والشيوخ مثل «النقشبندي
» ونصر الدين طوبار وطه الفشني، محمد عمران، عبد الباسط عبد الصمد، محمد الطوخي»، وغيرهم،  والتواشيح فن إنشادي موسيقي، بينما الابتهالات دعاء وتضرع صوتي ارتجال.

وتقدم «دار الهلال»، في رمضان 1447 هجريًا، مارس 2026 ميلاديا، كل يوم وليلة سلسلة حلقات متتابعة من «الابتهالات»، و«التواشيح» تحت عنوان «تواشيح السحور»، لأهم وأبرز وأكبر المبتهلين والقراء من التراث الديني المصري، الذي ظل خالدًا بيننا.

ونستمع  اليوم ومع سحور الليلة الثامنة عشرة  من رمضان 1447م هجريًا  والتي توافق 9 مارس 2026 م إلى الابتهال الشهير «يارب إن عظمت ذنوبي كثرة.. فقد علمت بأن عفوك أعظم» للشيخ النقشبندي

النقشبندي.. «سيد المبتهلين» و «قيثارة السماء»

الشيخ «النقشبندي» الملقب بـ «سيد المبتهلين».. من أشهر الأصوات بعالم الإنشاد الدين في مصر والوطن العربي،  اشتهر بصوته الموسيقي الآخاذ، ولقب «بالصوت الخاشع»، و«قيثارة السماء»، فصوته يدفع القلوب للخشوع والتفكر في كلمات الابتهالات، والسكون والتاثر معها بالحب أو الخوف أو القرب من الله، وأسس مدرسته الخاصة في عالم الابتهالات والإنشاد.

الشيخ «النقشبندي» يمثل أحد أعظم الأصوات التي أضاءت سماء الإنشاد الديني، وصاحب هذا الصوت الاستثنائي الذي وُصف بأنه من «أوسع الأصوات مساحة في تاريخ التسجيلات»، حيث تأرجح بين ثماني طبقات صوتية، ليترك إرثًا خالدًا من الابتهالات والأدعية التي لا تزال تُردد في كل بيت مصري وعربي.

البداية من دميرة بالدقهلية

وُلد الشيخ سيد محمد النقشبندي في 7 يناير 1920 بقرية دميرة في محافظة الدقهلية، انتقلت أسرته إلى مدينة طهطا في صعيد مصر، بدأ حفظ القرآن الكريم، وهو لم يتجاوز عامه الثامن، كما تعلم الإنشاد الديني داخل حلقات الذكر.

طنطا.. والانطلاق العربي

استقر «النقشبندي» في مدينة طنطا عام 1955، وذاع صيته في مصر والدول العربية، سافر إلى عدة دول لإحياء الليالي الدينية، منها سوريا بدعوة من الرئيس حافظ الأسد، وأدى فريضة الحج خمس مرات.

مسجد الحسين والإذاعة المصرية

وفي عام 1966، كان الشيخ سيد النقشبندي بمسجد الإمام الحسين في القاهرة، حيث التقى بالإذاعي أحمد فراج وسجل معه بعض التسجيلات» والكثير من الابتهالات لبرنامج «في رحاب الله»، ثم سجل العديد من الأدعية الدينية لبرنامج «دعاء» الذي كان يُذاع يوميًا عقب أذان المغرب، وسجل العديد من الأدعية الدينية، بالإضافة إلى مجموعة من الابتهالات الدينية قام بتلحنها محمود الشريف وسيد مكاوي وبليغ حمدي وأحمد صدقي.

واشترك الشيخ النقشبندي في حلقات البرنامج التلفزيوني «في نور الأسماء الحسنى» وسجل برنامج «الباحث عن الحقيقة» الذي يحكي قصة الصحابي الجليل سلمان الفارسي، و من أشهر الابتهالات  للشيخ النقشبندي «مولاى إني ببابك»، الذي قدم نتيجة تعاون فريد مع الملحن بليغ حمدي، بناء على اقتراح من الرئيس  الراحل أنور السادات.

صوت من ثماني طبقات

وصف الدكتور مصطفى محمود في برنامج العلم والإيمان النقشبندي بأنه «مثل النور الكريم الفريد الذي لم يصل إليه أحد»، أجمع خبراء الأصوات على أن صوته كان من أعذب الأصوات في تقديم الدعاء الديني، حيث كان مكونًا من ثماني طبقات، ويتأرجح بين الميزو-سوبرانو والسوبرانو.

رحيل وإرث باق لاينسى

رحل المبتهل الكبير سيد النقشبندي عن عالمنا يوم 14 فبراير عام 1976م، متأثرا بأزمة قلبية، أثرى مكتبة الإذاعة المصرية بتراث ضخم من الإنشاد الديني و الابتهالات والأدعية.

وأثر الرحلة  العظيمة كرّم الرئيس السادات  الشخ النقشبندي، بمنحه وسام الدولة من الدرجة الأولى عام 1979م، كما منحه الرئيس حسني مبارك وسام الجمهورية من الدرجة الأولى عام 1989م.

وسيبقى المبتهل الكبير سيد النقشبندي  خالدًا بصوته الباقي وستبقى رحلته سلسلة متصلة من العطاء الروحي والفني،  وسيبقى منذ أن صدح صوته الخاشع في مساجد مصر وإذاعاتها، ترك الشيخ النقشبندي بصمة لا تُمحى في وجدان الملايين، فكان صوته جسرًا يعبر بالقلوب من الدنيا إلى عالم الروحانيات، ومدرسة فريدة في فن الابتهال جمعت بين عذوبة الأداء وعمق المعنى وخشوع الروح.

 

 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة