الإثنين 9 مارس 2026

ثقافة

من سير علماء المسلمين| جرير اليربوعي.. شاعر النقائض وسيد الهجاء (30- 19)

  • 9-3-2026 | 14:59

صورة تعبيرية

طباعة
  • بيمن خليل

شهدت الحضارة الإسلامية عبر تاريخها عددًا كبيرًا من العلماء الذين كان لهم أثر بارز في مجالات معرفية متعددة، منها العلوم التطبيقية، والدينية، واللغوية، والفلسفية، والطبية، والاجتماعية. وقد أرسى هؤلاء الأعلام أسسًا علمية ومناهج راسخة في مختلف العلوم التي انتفع بها الإنسان عبر العصور وحتى يومنا هذا.

وفي إطار سلسلة خاصة تقدمها بوابة «دار الهلال» خلال شهر رمضان المبارك، نسلّط الضوء يوميًا على واحد من هؤلاء العلماء المسلمين المبدعين، مستعرضين إسهاماتهم العظيمة في شتى ميادين المعرفة.

ونستهل الحلقات بالتعريف بأحد أعلام اللغة العربية والأدب، ممن تركوا بصمات واضحة وأعمالًا قيّمة أسهمت في إثراء هذا المجال وتقدمه.

اليربوعي التميمي

يُعَدّ جرير بن عطية الكلبي اليربوعي التميمي (33 هـ – 110 هـ / 653 – 728 م) من أبرز شعراء العرب في فن الهجاء، كما عُرف ببراعته في المدح أيضًا، وكان من أفصح شعراء عصره وأكثرهم شهرة. وُلِد في نجد، أحد أقاليم شبه الجزيرة العربية، وعاش فيها حتى وفاته.

قضى جرير حياته الشعرية في منازلة شعراء زمانه ومجاراتهم في النقائض، ولم يثبت في مواجهته سوى اثنين هما الفرزدق والأخطل. وقد بدأت مسيرته الشعرية بنقائض مع شعراء محليين، ثم اتجه إلى منافسة الفرزدق، واستمرت بينهما معارك الهجاء قرابة أربعين عامًا، مع أنه هجا معظم شعراء عصره. كما مدح بني أمية، وارتبط بالحجاج بن يوسف مدة تقارب العشرين سنة.

وقد أجمع علماء الأدب ونقاد الشعر على أنه لم يظهر في الشعراء الذين نشأوا في ظل الدولة الإسلامية من يفوق جرير والفرزدق والأخطل فصاحةً وشعرًا، غير أن الخلاف ظل قائمًا حول أيّهم كان الأجود شعرًا بين الثلاثة.

امتاز أسلوب جرير بوضوح الألفاظ وسهولتها، وهي سمة بارزة في معظم شعره، الأمر الذي يميّزه عن منافسيه الفرزدق والأخطل، إذ كانت لغتهما تميل إلى الغرابة والوعورة والخشونة. وقد حظي جرير بموهبة شعرية خصبة وحس موسيقي رفيع، انعكس في العذوبة الموسيقية التي تسري في شعره كله. كما ساعده طبعه السلس على صياغة تراكيب سهلة خالية من التعقيد والالتواء، حتى يبدو شعره أحيانًا قريبًا من النثر في بساطته.

وكان لنشأة جرير البدوية أثر واضح في شعره وفي شخصيته؛ إذ انعكس ذلك في جزالة ألفاظه ورقتها وسهولة تعبيره. كما تأثر بالقرآن الكريم، فخفف هذا التأثر من حدة الطابع البدوي في شعره، وأضفى على لغته مزيدًا من اللطف واليسر، وظهر أثره كذلك في معانيه وأفكاره. ومن الملاحظ أيضًا أن جرير لا يكثر من الصور البلاغية في قصائده، بل يغلب على شعره الأسلوب البدوي القريب من الفهم، الجميل في التعبير.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة