الثلاثاء 10 مارس 2026

مقالات

المواطنة فلسفة الإسلام في التعايش والتسامح وقبول الآخر


  • 10-3-2026 | 14:59

د. جمال شفيق أحمد

طباعة
  • د. جمال شفيق أحمد

من المعروف أن التعريفات اللغوية والاصطلاحية لمفهوم المواطنة تتعدد وتتنوع، حيث إن بعضها يرجع اللفظ إلى أصله الثلاثي (وطن)، وبعضها الآخر يقف عند حد الفعل الرباعي المزيد (واطن)، بمعنى ساكن وعايش؛ أما المفهوم فيعني اصطلاحًا انتماء الإنسان إلى مكان، واستقراره فيه، والمواطنة تُعرَّف قانونيًا باكتساب (جنسية) دولة معينة، مع كل ما يستتبع ذلك من حقوق وواجبات، وبالتالي فإن مبادئ المواطنة تتحدد في العناصر الخمسة للحقوق والمسؤوليات والأدوار والموارد والعلاقات التي يقدمها المجتمع لأفراده من خلال المؤسسات العامة والاجتماعية.

وبناءً على ذلك: فإن الهدف الأساسي للمواطنة الصالحة يتحدد في تعزيز محبة الوطن في نفوس أفراد المجتمع، لا سيما الأبناء من الأطفال والمراهقين والشباب، ومحبة الوطن هي طبيعة جبل الله سبحانه وتعالى النفوس عليها، ومن الفطرة السليمة أن يسعى الإنسان إلى رفع شأن وطنه وتنميته وازدهاره، لأن الفطرة ارتبطت به، فهو الذي تربى فيه ونشأ وترعرع بين أحضانه، وأكل وشرب وتمتع بخيراته.

ثانيًا: فلسفة الإسلام في المواطنة

تقوم فلسفة الإسلام في المواطنة على أساس تعاقدي شامل يضمن الحقوق والواجبات بالتساوي بين جميع أفراد المجتمع تحت مظلة العدالة وحب الوطن. فالمواطنة كقيمة تستند بالأساس إلى مفهوم الوطن والقيام بمقتضياته، فلا مواطنة بدون وطن؛ وبالتالي فإن الوطن لا يمثل رقعة جغرافية ولا أرضًا جامدة وأنهارًا ووديانًا، فهذا فقط هو أساسه المادي، حيث إن الوطن بالأساس هو رحم وأهل ونسب، أي انتماء اجتماعي، فالوطن هو رأسمال وثروة ومقومات عيش طبيعية.

وهناك بعض المبادئ الأساسية التي تشكل فلسفة المواطنة في الإسلام، تظهر وتوضح كيف يمكن أن تتعايش مختلف الثقافات والديانات في مجتمع واحد، ذلك أن المواطنة في الإسلام تعتمد على مفهوم شامل يجمع ما بين الحقوق والواجبات لجميع المواطنين، بغض النظر عن دينهم أو خلفيتهم الثقافية. ولعله يمكن تحديد النقاط الأساسية فيما يلي:

1 – الحرية الدينية

حيث يدعو الإسلام إلى احترام الأديان الأخرى، وحرية الاعتقاد، كما جاء بنص القرآن الكريم: (لا إكراه في الدين) سورة البقرة: 256.

2 – الولاء والانتماء

المواطنة في الإسلام تعني بصفة أساسية الولاء للدولة والقوانين التي تنظم المجتمع، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الهوية الدينية والثقافية.

3 – العدل

فالعدل في الإسلام هو أساس التعامل بين الناس، ويجب بالتالي على الحاكم والمواطن الالتزام به، والعدل لا يعني المساواة المطلقة في كل شيء، بل يعني إعطاء كل ذي حق حقه.

4 – المساواة

يشدد الإسلام على المساواة بين جميع الناس، حيث إنه لا يكون هناك تمييز بينهم على أساس العرق أو النسب، بل على أساس التقوى والعمل الصالح.

5 – التكافل الاجتماعي

يحرص الإسلام ويؤكد على أهمية التكافل والتعاون بين جميع أفراد المجتمع من خلال الزكاة والصدقات وغيرها من أشكال العمل الخيري.

وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أهمية المواطنة في المجتمع من خلال دورها الجوهري والأساسي في تعزيز المشاركة الفعالة في الحياة السياسية والاجتماعية، مما يعزز الديمقراطية، ويضمن مشاركة جميع الأفراد في صنع القرار وتعزيز الانتماء والهوية الوطنية؛ كما تسعى المواطنة إلى بناء مجتمع متماسك ومتعاون وديمقراطي.

ثالثًا: فلسفة الإسلام في التعايش

التعايش بصفة عامة يعني قبول رأي وسلوك الآخر القائم على مبدأ الاختلاف، واحترام حرية الآخر وطرق تفكيره وسلوكه وآرائه السياسية والدينية، وقبول الخصوصيات الحضارية للأمم والشعوب المختلفة، من أجل تأسيس تعايش حضاري قائم على الاحترام المتبادل، وهو بذلك يتعارض مع مفهوم التسلط والأحادية والقهر والعنف.

ومن هنا فإنه يمكن تحديد الهدف الأساسي من التعايش، وهو جلب الأمن والاستقرار بين البشر من أجل الإبداع والتقدم الحضاري، فما من حضارة أقامها البشر إلا وكان أساسها الأمن والاستقرار، سواء كان ذلك على المستوى المادي أو الفكري أو الديني.

ولقد حدد الإسلام بصفة عامة أسس التعايش في ست نقاط أساسية؛ هي الإخاء والمساواة والتعارف والاحترام المتبادل والبر والعدل. وبطبيعة الحال فإنها في الحقيقة تعد أسسًا فطرية وضرورية ومنطقية، لا بد منها لإيجاد أرضية مشتركة للتقارب والتعاون بين الناس.

ومما لا شك فيه أن أهداف قيمة التعايش في الإسلام تساهم بقدر كبير في تخفيف التوترات والصراعات الاجتماعية والسياسية، وتعزز من التعاون والتضامن بين الشعوب، فعندما يتعلم الأفراد والجماعات الاحترام المتبادل، والقدرة على الاستمتاع والتواصل بفاعلية، يمكنهم بناء جسور الفهم والمصالحة بين بعضهم البعض.

رابعًا: فلسفة الإسلام في التسامح

التسامح بصفة عامة هو لغة السعادة وطوق النجاة من الغرق في طوفان المشكلات والأحقاد والعداوات، والتسامح هو صفة العظماء والأقوياء الذين يتملكون مشاعرهم ويضبطون أنفسهم في المواقف الصعبة التي تستوجب التحلي بالصبر والحكمة لاتخاذ القرار المناسب، وفي الاتجاه المناسب أيضًا. فإن التسامح يمثل في جوهره مبدأ وقيمة إنسانية عظيمة، تحمل في ثناياها معاني نبيلة وثمينة، كونها زينة الفضائل وتتربع على عرش القيم الأخرى، فهي تنقي القلب وتظهر الروح وترق لها النفس، وتقرب الأشخاص من بعضهم البعض، وتجعلهم مترابطين روحيًا ومعنويًا، وتعزز الشعور بالرحمة والمودة والتعاطف بين الناس، خصوصًا وأن الفطرة التي فطرنا الله عليها تدعو إلى ذلك.

وتقوم فلسفة الإسلام في التسامح على مبادئ العدل والكرامة الإنسانية والتعددية كأصل كوني، حيث يُنظر للاختلاف كسنة إلهية تستوجب التعارف وليس التناحر، كما يرتكز قبول الآخر على احترام الحقوق الإنسانية وحرية الاعتقاد، والتعامل بالحسنى والبر والقسط مع غير المسلمين، مع اعتماد الحوار بالتي هي أحسن.

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام: أن مفهوم التسامح يقوم في القرآن الكريم على أساس الإيمان بأن الخير أسمى من الشر، ولذلك يحث القرآن أتباعه على التسامح الدائم، لا سيما فيما يتعلق بأتباع الديانات الأخرى، وعلى التحلي بالصفات النبيلة واحترام حقوق الآخرين.

قال الله سبحانه وتعالى: (فاصفح الصفح الجميل) سورة الحجر: 85، وقال تعالى أيضًا: (فمن عفا وأصلح فأجره على الله) سورة الشورى: 40، وفي السنة النبوية الشريفة حثنا الرسول الكريم، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، على التمسك بفضيلة التسامح حيث قال، عليه الصلاة والسلام: (ارحموا تُرحموا، واغفروا يغفر لكم).

(لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).

(إن الله عفو يحب العفو، فأعفوا عن الناس).

وعمومًا فإن فضيلة التسامح ليست تنازلًا عن الحقوق بالذل والمهانة، بل هي نابعة من صفاء القلوب، وما غلب عليها من الحب والعطف والرحمة والتعاطف والحنان، وهي ليست تنازلًا عن ضعف أو خوف وقلة حيلة، بل هي صادرة عن قوة إرادة وعزيمة صادقة في الانتصار على النفس والذات بكل إيجابية، بعيدًا عن السلبيات وما يصاحبها من الغضب والقسوة والعدوانية على الغير.

خامسًا: فلسفة الإسلام في قبول الآخر

تقبل الآخر يعني احترام الآخر وتقديره وفهم ما لديه من مجموع المفاهيم التي تتحدد في أفكار وقيم وتقاليد الآخرين، كذلك فإن تقبل الآخر يرتبط بتقبل الذات بكل ما فيها من قوة وضعف، ذلك أن تقبل الآخر يقضي على العنصرية والتعصب، كما ينشر المحبة والألفة في المجتمع. وتقوم فلسفة الإسلام في قبول الآخر على أسس إنسانية وعقائدية راسخة، تعتبر الاختلاف والتنوع سنة كونية، وتكفل الكرامة الإنسانية لجميع البشر، بغض النظر عن عقائدهم، ويعتمد الإسلام في ذلك على مبادئ المساواة والعدل المطلق والتعايش السلمي والتعاون الإنساني، معتبرًا الحوار هو السبيل الأمثل.

وحيث إن الإسلام يركز على القيم الروحية والأخلاقية، ويؤكد على أهمية التعايش السلمي بين مختلف الثقافات والديانات، فإن هناك العديد من الآيات القرآنية التي تشير إلى قبول الآخر وتقدير التنوع. قال الله سبحانه وتعالى:

(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) سورة الحجرات: 13.

كما قال جل علاه:

(ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) سورة هود: 118-119.

ولعله اتضح من الآيات السابقة المفاهيم التي رسختها الشريعة الإسلامية من تعايش أبناء الأمة الإسلامية مع كل طوائف البشر، ومع كل الأيديولوجيات بعقلانية وتسامح واعتدال.

الاكثر قراءة