يتابع الملايين من عشاق السينما في العالم حفل توزيع جوائز الأوسكار في دورته رقم 98، والذي يُقام في منتصف مارس الجاري على مسرح دولبي في هوليوود بمدينة لوس أنجلوس، ويتنافس هذا العام عدد كبير من الأفلام الجيدة، منها الأمريكية والأوروبية وغيرها من دول العالم، ويحصل الفائز على تمثال الأوسكار الذهبي الذي يتم منحه في 24 فرعًا من فروع السينما، ويجري اختيار الفائزين بطريقة الانتخابات بين أعضاء أكاديمية علوم وفنون السينما وعددهم أكثر من 11 ألف عضو، ويتم الاختيار داخل كل شعبة.. فالمخرجون يختارون أفضل مخرج، والممثلون يختارون أفضل ممثل وممثلة، وهكذا.. ويُعتبر الأوسكار أقدم وأشهر مسابقة سينمائية في العالم بدأت تُمنح لأول مرة عام 1928، لذلك يحتفل الأوسكار بالمئوية الأولى بعد عامين.
حصل فيلم "سينرز" على 16 ترشيحًا، ولم يحصل فيلم من قبل على ذلك، وهو من إبداع مجموعة من الفنانين ذوي البشرة السمراء، على رأسهم المخرج ريان كوجلر والنجم مايكل جوردان.. وتدور الأحداث في إحدى قرى الجنوب الأمريكي في ثلاثينيات القرن العشرين، حيث تطبيق قوانين التفرقة العنصرية بين السود والبيض.. يعود إلى القرية شقيقان كانا يعملان في ولاية بعيدة ويجمعان بعض الأموال ويريدان استثمارها في إقامة "ملهى ليلي" يتم فيه تقديم أغاني البلوز التي ابتكرها وبرع في غنائها السود.. وتظل أحداث الفيلم بسيطة وجذابة، لكنه ينقلب في الثلث الأخير إلى واحد من أفلام مصاصي الدماء المرعبة.. ويكشف الفيلم شيئًا فشيئًا عن فكرته الأساسية التي يريد طرحها، وهي أن قوانين التفرقة العنصرية الظالمة جعلت من الرجل الأبيض ما يشبه شخصية مصاص الدماء في أفلام الرعب السائدة في تلك الفترة.
أما فيلم "معركة بعد أخرى" فقد حصل على 13 ترشيحًا، وهو من تأليف وإخراج بول توماس أندرسون وبطولة النجم ليوناردو دي كابريو وبينيسيو ديل تورو وشون بن في واحد من أقوى أدواره، وهو أبرز المرشحين للحصول على أوسكار أحسن ممثل مساعد.. ويتناول الفيلم العلاقة بين السلطات الأمريكية وجماعة من المتمردين أيام سنوات السبعينيات، وبعد ذلك بخمسة عشر عامًا يمتد الصراع إلى ابنة البطل الذي يستخدم العنف دفاعًا عن ابنته.. وينتمي الفيلم لنوعية أفلام الأكشن المثيرة، والفكرة الأساسية تتلخص في استمرار العداء والمطاردات بين السلطات وشباب المتمردين مهما طالت السنوات، فالسلطات المحلية تتعقبهم ولا تعترف بأنهم اتجهوا للسلم ونبذ العنف، في إشارة صريحة لطبيعة العلاقة بينهما.
وتتزين قائمة التنافس على الأوسكار بتسعة ترشيحات لفيلم "القيمة العاطفية"، إنتاج 7 دول أوروبية على رأسها فرنسا وألمانيا، ومن تأليف وإخراج النرويجي واكيم ترير، وقد حصل الفيلم على الجائزة الكبرى من مهرجان كان في مايو الماضي، وهو واحد من أرقى إنتاجات السينما الأوروبية في الخمس سنوات الأخيرة، ويناقش الفيلم بعمق معنى وجود ما يسمى بالعائلة في حياة الإنسان، وكيف أنه ليس من السهل أن تكون أحد أفراد عائلة وتقوم بدور الأب أو الأم أو الزوج أو الأخت، لأن كل دور لهؤلاء له قيمة كبيرة في التكوين النفسي للإنسان.. وبالتالي الأسرة تؤثر في مشاعر وسلوك الفرد تجاه الشخصيات الجديدة التي تدخل حياته، وقد تصل مشاكل البيئة العائلية إلى أن تكون عائقًا لإقامة علاقات سوية مع الآخرين، ويتألق في الفيلم أداء الممثل السويدي ستيلان سكارسجارد والنرويجية ريناتي رينسف والأمريكية الشابة إيلي فانينج.
نأتي إلى التحفة الخيالية العبقرية للمخرج المكسيكي "جاليرمو ديل تورو"، مخرج فيلم "فرانكنشتاين" الذي يحكي في إطار من الرعب والخيال العلمي عن العالم فيكتور فرانكنشتاين وقيامه بتجربة علمية خطيرة تنتهي بصناعة وحش غامض، وبمرور الوقت تتحول التجربة إلى طريق لهلاك صانعها.. والفيلم يشير إلى اندفاع العلماء لابتكار وسائل الدمار الشامل التي تجعل البشرية كلها مهددة بالفعل وتعيش في رعب حقيقي، وهي حالة أبعد ما تكون عن أحلام العلماء برخاء وسعادة البشر.
ويتنافس على 9 جوائز أوسكار أيضًا الفيلم الأمريكي الفنلندي "مارتي سوبريم"، إخراج جوش صفدي وبطولة الأمريكي الشاب تيموثي شالاميت نجم المستقبل، خاصة لو انتزع أوسكار أحسن ممثل.. تدور الأحداث في مدينة نيويورك في خمسينيات القرن الماضي، حيث يسعى لاعب تنس الطاولة "مارتي رايزمان" لتحقيق أحلامه، ويخوض رحلته الخاصة من القاع إلى تحقيق البطولات.. ويتعمد سيناريو الفيلم عدم إظهار البطل "مارتي" في صورة مثالية، بل شخصية واقعية براغماتية تسعى وراء مصالحها من أجل تحقيق الأحلام، وهي ليست مستحيلة، ولكن المنافسة دائمًا ما تكون قوية وتصل إلى حد الشراسة.. وتقدم النجمة البريطانية "غوينيث بالترو" دورًا صغيرًا داعمًا للفيلم وبطله الشاب، وبعد أن حصل شالاميت على الجولدن جلوب كأحسن ممثل فإن فرصة الفوز بالأوسكار لأول مرة أصبحت كبيرة جدًا.
ترشح فيلم "هامنت" لثماني جوائز أوسكار، وهو يعيد إلى الأذهان تجربة فيلم "شكسبير العاشق" للمخرج جون مادين الذي حقق نجاحًا كبيرًا وحصل على 7 جوائز أوسكار عام 1999، وفيه يستلهم المخرج مع كاتب السيناريو توم ستوبارد جانبًا من حياة المسرحي الإنجليزي الشهير وليم شكسبير قبل كتابة رواية "روميو وجولييت".. أما في "هامنت" فإن المخرجة الأمريكية من أصل صيني "كلوي تشاو" وكاتبة السيناريو ماجي أوفاريل عادتا إلى حادثة حقيقية وقعت لوليم شكسبير عندما فقد ابنه "هامنت" وهو طفل في الحادية عشرة من عمره، وعاش هو وزوجته تجربة مؤلمة لم يخرج شكسبير من عذابها إلا بعد إبداعه لمسرحية "هاملت"، وهي من المآسي الكبرى التي تخفف من صدمة الحزن على فقد الأعزاء.
قامت جيسي باكلي بدور زوجة شكسبير، وهي البطلة الحقيقية للفيلم، وحصلت على جائزة أفضل ممثلة من جوائز الجولدن جلوب، كما شارك ستيفن سبيلبرج وسام منديز في إنتاج الفيلم، وهو يقدم قصة خيالية تمامًا ولكن لها أساس حقيقي في الواقع كما ذكرنا، وقام بدور "هامنت" ابن شكسبير الطفل "جاكوبي جوب"، ومن المنتظر أن يكون ضيفًا لامعًا على حفل توزيع جوائز الأوسكار.
نأتي إلى أغرب الأفلام المرشحة للأوسكار هذا العام، وهو فيلم "بوجونيا" للمخرج اليوناني يورجوس لانتيموس، وتدور أحداثه في إطار من الجريمة والخيال العلمي، حيث يقوم شابان مهووسان بنظرية المؤامرة باختطاف الرئيسة التنفيذية لشركة إعلامية كبرى، حيث يقتنعان أنها كائن فضائي عازمة على تدمير كوكب الأرض.. وقامت بدور السيدة المتهمة النجمة إيما ستون في واحد من أصعب أدوارها، والطريف أن المخرج لانتيموس جعل المشاهد لا يقتنع في بداية الفيلم بأن البطلة قادمة من كوكب آخر، ولكن مع تصاعد الأحداث يصبح الخيال حقيقة أمام أعيننا.. والفيلم مرشح لخمس جوائز أوسكار.
فيلم من إنتاج نتفليكس ينافس على 4 جوائز أوسكار، وهو الفيلم الأمريكي "قطار الأحلام" للمخرج كلينت بنتلي الذي كتب السيناريو عن رواية الكاتب دينيس جونسون، وتدور أحداثها في إحدى غابات أمريكا في مطلع القرن العشرين، يعيش "روبرت جراينيير" عامل السكك الحديدية وقطع الأشجار حياة تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تمتلئ بالعديد من الأحداث والمواقف المؤثرة، خاصة بعد أن يفقد زوجته وابنه الطفل في حرائق الغابات، ويؤدي دور البطولة الممثل الكبير "جويل إدجرتون" في أداء يفوق الخيال إلى جانب الرقيقة فيليسيتي جونز.. وتكاد تكون السينما الأمريكية قد توقفت عن إنتاج هذه النوعية من الأفلام بسبب الصراع على الإيرادات، ولكن نتفليكس أعادت الحياة لهذه الأفلام، وهي خدمة عظيمة للجمهور من كبار السن العاشقين لهذه النوعية من الأفلام الدرامية التي تدفع الإنسان إلى لحظات من التأمل الفلسفي.
وأخيرًا نصل إلى مسابقة اختيار "أفضل فيلم عالمي ناطق بغير اللغة الإنجليزية"، وقد وصل إلى التصفية النهائية خمسة أفلام، على رأسها بالنسبة إلينا الفيلم التونسي "صوت هند رجب" للمخرجة كوثر بن هنية، الذي تدور أحداثه في غزة عام 2024.. حيث يتلقى متطوعو الهلال الأحمر اتصالًا طارئًا يفيد بأن الطفلة "هند رجب"، وهي في السادسة من عمرها، عالقة في سيارة تحت نيران الاحتلال في غزة تتوسل لإنقاذها.. وبينما يحاولون إبقاءها على الخط، يبذلون قصارى جهدهم لإحضار سيارة إسعاف إليها.. والفيلم من بطولة سجى الكيلاني ومعتز ملحيس.
الفيلم الثاني هو البرازيلي "العميل السري"، إخراج كليبر ميندوكا فيلهو، وتدور أحداثه في عام 1977 عندما يهرب خبير التكنولوجيا من ماضيه ويعود إلى مسقط رأسه "ريسيفي" في البرازيل بحثًا عن السلام، لكنه سرعان ما يدرك أن المدينة ليست ملاذه الآمن الذي يبحث عنه، ويجد نفسه أمام واقع لا يريد أن يتصالح مع أخطاء الماضي.. الفيلم بطولة فاجنر مورا، وهو مرشح لجائزة أفضل ممثل لأدائه البارع وملامحه التي تشبه المناضل الشهير تشي جيفارا.
وتشارك فرنسا في هذه المسابقة بفيلم المخرج الإيراني جعفر بناهي، والذي يحمل عنوان "كان مجرد حادث"، الناطق باللغة الفارسية، وتدور أحداثه في طهران.. وهو الفيلم الحاصل على السعفة الذهبية من مهرجان "كان" الأخير.. تحكي قصة الفيلم عن الميكانيكي "وحيد" الذي يلتقي بالصدفة برجل يدعى "إقبال" يشك بقوة أنه كان سجانه السادي السابق، فيقرر احتجازه وجمع السجناء السابقين في محاولة للانتقام منه.. وفي شوارع طهران يمر "وحيد" ورفقاؤه وأسيرهم، وتدور في رؤوسهم العديد من التساؤلات.. هل يستحق إقبال العقاب أم أنه هو الآخر ضحية للواقع في إيران؟
وتشارك إسبانيا في نفس المسابقة بفيلم "صراط"، إخراج أوليفر لاكس.. يتناول الفيلم قصة أب يصطحب ابنه في رحلة محفوفة بالمخاطر عبر جبال جنوب المغرب بحثًا عن ابنته المفقودة "مار" التي اختفت منذ أشهر، فيجد الأب نفسه في مهمة بالغة الصعوبة ويفقد ابنه الوحيد أيضًا، لأنه يواجه جماعات متطرفة شريرة تشبه الوحوش الأسطورية مثل النداهة التي تفتك بالضحايا كل ليلة.
وهكذا نجد أن الأفلام المتنافسة على جوائز الأوسكار تعبر عن صراع الأفكار في العالم المعاصر الذي نعيشه، وهي بذلك تحقق واحدًا من أهم أهداف السينما، أن تكون وسيلة للنقاش وطرح القضايا التي تؤثر في مصير الإنسان وتحدد مستقبله.