على ضفاف النيل في أرض الجنوب أسوان، ومع دخول فصل الصيف، وفي يوم 28 يونيو 1889م تحديدًا، وُلد طفل لم تتجاوز دراسته النظامية المرحلة الابتدائية، لكنه سيصبح واحدًا من أعظم العقول التي أنجبتها مصر والعالم العربي في القرن العشرين، و لم تكن شهادة الابتدائية عائقًا أمام ذكاءهذا الطفل المتميز، و الحاد وإصراره الجبار على التعلم، لكنها كانت نقطة انطلاق لرحلة معرفية استثنائية صنعت موسوعة متحركة في الأدب والفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع إنه المفكر والأديب الكبير «صاحب العبقريات» عباس محمود العقاد.
الموظف الذي قال «لا» للعبودية
بدأ عباس العقاد حياته العملية موظفًا في مصلحة البرق، ثم السكك الحديدية، ثم ديوان الأوقاف، لكن روحه المتمردة كانت تختنق في قفص الروتين الحكومي تحت سطوة الاحتلال البريطاني. فكتب مقاله الشهير «الاستخدام رق القرن العشرين» عام 1907، معلنًا رفضه لأن يكون «مسمارًا في أداة الحكم» التي يستخدمها المحتل الأجنبي الغاصب.
ويقول الأديب المفكر والأديب عباس العقاد عن تلك الفترة: «من السوابق التي أغتبط بها أنني كنت فيما أرجح أول موظف مصري استقال من وظيفة حكومية بمحض اختياره، يوم كانت الاستقالة من الوظيفة والانتحار في طبقة واحدة من الغرابة». ويضيف: «إن نفوري من الوظيفة الحكومية في مثل ذلك العهد الذي يقدسها كان من السوابق التي أغتبط بها وأحمد الله عليها.. فلا أنسى حتى اليوم أنني تلقيت خبر قبولي في الوظيفة الأولى كأنني أتلقى خبر الحكم بالسجن أو الأسر والعبودية».
من أسوان إلى العالمية.. صناعة الذات
اقتصرت دراسة عباس العقاد على المرحلة الابتدائية بسبب عدم توافر المدارس الحديثة في أسوان وضيق حال أسرته، لكنه اعتمد على ذكائه الحاد وصبره على التعلم، و أتقن الإنجليزية من مخالطة السائحين الأجانب المتوافدين على الأقصر وأسوان، مما فتح أمامه أبواب الثقافة الغربية، وأنفق معظم نقوده على شراء الكتب حتى أصبح موسوعيًا يقرأ في التاريخ والفلسفة والأدب وعلم النفس والاجتماع.
مدرسة «الديوان».. ثورة على القديم
أسس عباس العقاد بالتعاون مع الأدباء الكبار وخاصة إبراهيم المازني وعبد الرحمن شكري «مدرسة الديوان»، وكانت من أنصار التجديد في الشعر والخروج به عن القالب التقليدي. وأصدر مع المازني كتاب «الديوان» الذي هاجم فيه أمير الشعراء أحمد شوقي، وأرسى قواعد مدرسته الخاصة في الشعر.
وكان يتردد على مجالس الشعر والأدب عند إسماعيل صبري «شيخ الشعراء»، حيث احتك بعمالقة عصره: أحمد شوقي، وخليل مطران، ومحمود سامي البارودي، والإمام محمد عبده، فصقلوا موهبته وشحذوا قريحته.
النائب الذي سُجن لأنه رفض الطاعة
انتُخب العقاد عضوًا بمجلس النواب، وأصبح من كبار المدافعين عن حقوق الوطن في الحرية والاستقلال. وحين أراد الملك فؤاد إسقاط عبارتين من الدستور، ارتفع صوت العقاد من تحت قبة البرلمان قائلًا: «إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس في البلاد يخون الدستور ولا يصونه»، فسُجن الأديب عباس العقاد عام 1930 ملمدة تسعة أشهر بتهمة العيب في الذات الملكية، لكنه لم ينكسر، بل خرج من السجن ليكتب كتابه «عالم السدود والقيود» عن حياة السجن.
ضد النازية.. حين وضع هتلر اسمه في القائمة السوداء
وقف عباس العقاد موقفًا معاديًا للنازية خلال الحرب العالمية الثانية، في الوقت الذي كانت فيه المظاهرات في مصر ترفع شعار «إلى الأمام يا روميل»، فكتب «هتلر في الميزان» و«النازية والأديان»، حتى وضعت أبواق الدعاية النازية اسمه بين المطلوبين للعقاب. ولما اقترب جنود إرفين روميل من مصر، هرب العقاد إلى السودان عام 1943م ولم يعد إلا بعد انتهاء الحرب بخسارة دول المحور.
المعارك الأدبية.. ساحات فكرية ملتهبة
خاض العقاد معارك أدبية وفكرية شرسة مع كبار عصره: مصطفى صادق الرافعي حول إعجاز القرآن الكريم، وطه حسين حول فلسفة أبي العلاء المعري، وأحمد شوقي في الشعر، وزكي مبارك، وعائشة عبد الرحمن «بنت الشاطئ»، وغيرهم. وكانت هذه المعارك تجعله نهمًا للقراءة والكتابة، فأثرت إنتاجه وعمقت فكره.
إنتاج موسوعي.. مئة كتاب و15 ألف مقال
أضاف العقاد للمكتبة العربية أكثر من مئة كتاب في مختلف المجالات، عدا نحو 15 ألف مقال تملأ مئات الكتب الأخرى
المؤلفات المبكرة
- أصدرت دار الهلال للعقاد أول كتبه خلاصة اليومية والشذور (1912)م.
- الإنسان الثاني (1913)م، ويناقش في هذا الكتاب المكانة والاحترام الذي أحرزته المرأة في الحضارة الحديثة.
- ساعات بين الكتب (1914) م، قراءة منوعة لكتب الفلسفة والتراث والشعر.
- خرج أول دواوينه يقظة الصباح (1916) م وقد احتوى الديوان على قصائد عديدة منها «فينوس على جثة أدونيس» وهي مترجمة عن شكسبير وقصيدة «الشاعر الأعمى» و«العقاب الهرم» و«خمارويه وحارسه» و«رثاء أخ» وترجمة لقصيدة «الوداع» للشاعر الإسكتلندي روبرت برنز.
- ديوان«وهج الظهيرة »(1917)م، وديوان أشباح الأصيل (1921)م
- الديوان في النقد والأدب، بالاشتراك مع إبراهيم عبد القادر المازني. وقد خصص لنقد أعلام الجيل الأدبي السابق عليهما مثل أحمد شوقي ولطفي المنفلوطي ومصطفى صادق الرافعي (1921)
- الحكم المطلق في القرن العشرين (1928)م.. و كانت مصر في ذلك الوقت تحت الاحتلال البريطاني، وكان موسوليني قد ظهر في إيطاليا، فألف عباس العقاد كتابه هذا وحمل فيه على الحكم الاستبدادي.
ويقول الكاتب والناقد رجاء النقاش عن الكتاب: «وهو كتاب صغير مجهول، أهداه العقاد إلى مصطفي النحاس باشا. وكان العقاد أيامها منتميا إلى حزب الوفد، وفي هذا الكتاب يدافع العقاد عن الديمقراطية دفاعا قويا ويؤكد أن الديمقراطية هي التي تحمي البلدان والشعوب من الاضطرابات، وأن البلدان الديمقراطية هي التي تنتصر في الحروب، بينما تنهزم الدول القائمة علي الديكتاتورية» ثم أصدر كتابه اليد القوية في مصر (1928)م، وموضوعه الأحداث السياسية الجارية في مصر وقتها.
- ديوان «أشجان الليل» (1928)م
- الفصول (1929) م.. وهو مجموعة من المقالات الأدبية والاجتماعية والخواطر، كانت تنشر في صحف ومجلات ما بين عامي 1913 و1922م وكتاب فلسفي هو «مجمع الأحياء» (1929)م.
وكتب عباس العقاد عشرة دواوين شعر، وسلسلة«العبقريات» «عبقرية محمد، عمر، عثمان، علي، خالد، الصديق، المسيح»، وكتبًا فلسفية ودينية مثل «الله» و«الفلسفة القرآنية» و«حقائق الإسلام وأباطيل خصومه»، وكتبًا أدبية مثل «سارة» و«هذه الشجرة»، وترجمات مثل «البؤساء» للأديب والروائي الفرنسي الأكثر شهرة في العالم فيكتور هوجو.
الشاعر الفيلسوف.. حين يتزوج العقل بالوجدان
يقول طه حسين عن شعر العقاد: «حين أسمع شعر العقاد أو حين أخلو إلى شعر العقاد فإنما أسمع نفسي وأخلو إلى نفسي.. ضعوا لواء الشعر في يد العقاد وقولوا للأدباء والشعراء أسرعوا واستظلوا بهذا اللواء».
ويقول زكي نجيب محمود: «شعر «العقاد» أقرب شيء إلى فن العمارة والنحت، فالقصيدة الكبرى من قصائده أقرب إلى هرم الجيزة أو معبد الكرنك منها إلى الزهرة أو جدول الماء، وتلك صفة الفن المصري الخالدة».
تكريم ورفض.. الجائزة نعم و الدكتوراه لا
ترجمت بعض كتب عباس العقاد إلى اللغات الأخرى، فتُرجم كتابه المعروف «الله» إلى الفارسية، ونُقلت عبقرية محمد وعبقرية الإمام علي، وأبو الشهداء إلى الفارسية، والأردية، والملاوية، كما تُرجمت بعض كتبه إلى الألمانية والفرنسية والروسية. وأطلقت كلية اللغة العربية بالأزهر اسم العقاد على إحدى قاعات محاضراتها، وسمي باسمه أحد أشهر شوارع القاهرة وهو شارع عباس العقاد الذي يقع في مدينة نصر.
تكريم ووجود درامي مميز
وأنتج مسلسل بعنوان «العملاق» يحكي قصة حياة العقاد وكان من بطولة الفنان القدير محمود مرسي.
منح عباس العقاد من قبل الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر جائزة الدولة التقديرية في الآداب وتسلمها «العقاد» ولم يرفضها كما يتردد، لكنه رفض الدكتوراه الفخرية من جامعة القاهرة، إيمانًا منه بأن المعرفة لا تُمنح بشهادة بل تُكتسب بالجهد والمثابرة.
رحيل «موسوعة القرن العشرين».. عباس العقاد
في مثل هذا اليوم 12 مارس 1964م، رحل الأديب والمفكر المصري الكبير أيقونة الأدب العربي في العصر الحدديث عباس محمود العقاد عن عالمنا، تاركًا إرثًا فكريًا هائلًا ومثالًا حيًا لما يمكن أن يصنعه الإصرار والعزيمة. رحل الموظف المتمرد الذي رفض أن يكون «مسمارًا»، وبقي العملاق الذي علّم الأجيال أن الحرية الحقيقية تبدأ من العقل، وأن العلم لا يُقاس بالشهادات بل بالمعرفة والإنتاج.