لم يكن شهر رمضان عبر التاريخ مجرد زمن للصيام والعبادة فحسب، بل كان موسمًا تتجدد فيه الروح وتتقارب فيه القلوب، فاحتل مكانة خاصة في وجدان المسلمين جيلاً بعد جيل. وقد ألهم هذا الشهر الفضيل الشعراء، فعبّروا عن أجوائه الإيمانية وبهجته الروحية بأبيات شعرية صادقة تنبض بالمحبة والخشوع.
وتناول الشعراء رمضان من زوايا متعددة؛ فمنهم من ركز على قيم الصبر والتقوى وصفاء النفس، ومنهم من عبّر عن فرحته بقدوم الشهر الكريم، فيما صوّر آخرون لحظات الوداع عند انقضائه بما تحمله من مشاعر الحنين. كما رسموا صورًا شاعرية للياليه المضيئة بنور الإيمان ونهاراته المفعمة بالعبادة، فصار رمضان حاضرًا بقوة في ديوان الشعر العربي عبر العصور.
وخلال شهر رمضان المبارك، تقدم بوابة «دار الهلال» مجموعة من القصائد التي تناولت هذا الشهر الفضيل، ومن بينها قصيدة «ونجم من الفانوس يشرق ضوؤه» للشاعر أبو الحجاج يوسف بن علي، وهي قصيدة ارتبطت بحكاية طريفة من التراث.
تعود قصة هذه الأبيات إلى زمن دخول الخليفة المعز لدين الله الفاطمي إلى مصر ليلًا قادمًا من المغرب عبر الجيزة، حيث احتشد الناس لاستقباله على الطريق الممتد من الجيزة حتى حي الجمالية. وكان الأطفال يحملون الشموع والفوانيس لينيروا الطريق للخليفة أثناء مروره، في مشهد احتفالي مبهج يعكس فرحة الناس.
وفي ذلك العصر كان الأطفال يحرصون على حمل الفوانيس ليلًا، خاصة في شهر رمضان، لإضاءة الطريق أثناء الذهاب إلى المساجد أو زيارة الأقارب والأصدقاء، حيث اعتاد الناس السهر حتى ساعات الفجر. وقد ألهم هذا المشهد الشعراء فحاولوا وصف الفانوس في أشعارهم.
ويذكر الأديب المصري علي بن ظافر، المتوفى سنة 613 هـ، أنهم اجتمعوا في إحدى ليالي رمضان بعد صلاة العشاء في جامع عمرو بن العاص بالفسطاط، وكان قد أُشعل فانوس استعدادًا لوقت السحور. فاقترح بعض الحاضرين على الشاعر أبو الحجاج يوسف بن علي أن ينظم أبياتًا تصف هذا الفانوس، فأنشد قائلًا:
ونجمٌ من الفانوس يشرقُ ضوؤهُ
ولكنه دونَ الكواكبِ لا يُرى
ولم أرَ نجمًا قطُّ قبلَ طلوعِهِ
إذا غابَ ينهى الصائمينَ عن الفِطر
وقال أيضًا:
هذا لواءُ سحورٍ يُستضاءُ به
ويَسكرُ الشهبَ في الظلماءِ جرّارُ
والصائمون جميعًا يهتدون به .. كأنه علمٌ في رأسه النار
وهكذا جسّد الشاعر في أبياته صورة الفانوس الرمضاني، الذي أصبح رمزًا من رموز الشهر الكريم، وارتبط في الذاكرة الشعبية بليالي رمضان المضيئة بالفرح والأنس.