14-3-2026 | 06:59
نانيس جنيدي
فى تمام الثامنة مساءً عقب انطلاق أذان المغرب فى رمضان، كانت الشوارع تخلو من المارة، ويتوقف سير الحياة، وتصمت المقاهى إلا من صوت «تتر» المسلسل الذى يسبح فى البيوت كطقسٍ رمضانى يضاهى أهمية الإفطار والسحور، أو أغانى واستعراضات الفوازير التي كانت الإيقونة التي تجمل المائدة الفنية الرمضانية، لم تكن الشاشات مجرد شاشات مضيئة، بل كانت تنبع منها «حياة مختلفة» قد نفتقدها اليوم فى بعض أعمال العصر السريع.
فى هذا العدد نعيش مع مرحلة جديدة فى فوازير رمضان من خلال ليالي«ألف ليلة وليلة» وفوازير «المناسبات وجيران الهنا» ونكشف عن كواليس هذه الفوازير التي عشقها الجمهور.
رحلة «ألف ليلة وليلة» من الراديو إلى الشاشة
«بلغني أيها الملك السعيد».. عبارة لم تكن مجرد استهلال لقصة، بل كانت إيذاناً بانطلاق سحر رمضانى عابر للأجيال، بدأت الحكاية من أثير الإذاعة فى الخمسينيات بصوت العملاقة زوزو نبيل (شهرزاد) وعبد الرحيم الزرقانى (شهريار)، لتمتد على مدار 26 عاماً و800 حلقة صاغها المبدع طاهر أبو فاشا.
فى عام 1984، تجسدت الأسطورة بصرياً لأول مرة بملامح نجلاء فتحى ووسامة حسين فهمى، فى معالجة كتبها أحمد بهجت وأخرجها عبد العزيز السكرى، لتبدأ معها طقوس الانتظار اليومى لقصص شهرزاد التى تفتدى بها عنقها من سيف شهريار، ليأتى عام 1985، ليحدث المخرج العبقرى فهمى عبد الحميد ثورة بصرية بتقديم «عروس البحور» والتي لم تكن مجرد دراما، بل مزيج من الخيال والفوازير فى عمل رصدت له ميزانيات ضخمة لتقديم استعراضات لا تزال تسكن الذاكرة.
وتوالت النسخ وتعددت الوجوه التى صاغت وجداننا الرمضانى وجاءت كالتالى:
- رغدة ومدحت صالح في عام (1988) من خلال «بدر باسم وجوهرة»، وهى النسخة التى شهدت رحيل المخرج فهمى عبد الحميد أثناء تصويرها.
- ليلى علوي (1989).. التى جسدت رقة الأميرة فى مواجهة «الأشكيف» (صلاح رشوان).
- بوسى ومحمد رياض.. فى حكاية «ذات المال» التى غلب عليها طابع المغامرة.
- وفى عام 1995، وبقلم يسرى الجندى وإخراج جمال عبد الحميد، قدم الفخرانى ودلال عبد العزيز معالجة مختلفة لـ «على بابا والأربعين حرامى»، تلتها حكاية «فضل الله ووردانة» مع أحمد عبد العزيز.
- وبعد غياب طويل، عادت الأسطورة مرة أخرى عام 2015 برؤية عصرية للمخرج رءوف عبد العزيز والمؤلف محمد ناير، حيث جسد شريف منير دور شهريار المنتقم أمام دلال نيكول سابا، بمشاركة عدة نجوم منهم أمير كرارة، ليعلنوا أن سحر «ألف ليلة وليلة» باقٍ ما بقى «صياح الديك».
خوف الفخراني مع رقة هالة فؤاد وشقاوة صابرين فى «المناسبات» (1988)
فى تاريخ الفوازير، لم تكن هناك مغامرة تقنية وفنية توازى ما فعله العبقرى فهمى عبد الحميد عندما جمع ثلاثى غير متوقع أولهم صاحب الموهبة الدرامية الفذة يحيى الفخرانى، ونعومة هالة فؤاد، والحيوية المتفجرة لصابرين، كانت خلطة أشبه بالمستحيل»، لكنها صنعت أسطورة لا تُنسى، لكن يبدو أن خلف تلك الحركات الرشيقة والابتسامة العريضة، كان يحيى الفخرانى يعيش حالة من «الرعب» الحقيقى حول مدي تقبل الجمهور له في هذا الدور الذي يعد بعيد إلي حد ما عن إبداعاته الدرامية علي الشاشة.
لكن المفاجأة كانت فى الكواليس؛ الفخرانى «الدحيح» كان يحفظ الاستعراضات أسرع من صابرين وهالة! وبمجرد أن تدور الكاميرا، يتحول إلى فنان يقدم الفوازير بقلبه وروحه لدرجة جعلت صابرين تعترف لاحقاً: «يحيى كان الأسرع والأخف ظلاً بيننا».
صدام «الباليرينا والشقاوة» فى «جيران الهنا» (1997)
فى أواخر التسعينيات، كانت فوازير رمضان على موعد مع تجربة جديدة ومختلفة قليلا، عندما قرر التليفزيون المصرى كسر القواعد ودمج رصانة الأوبرا بـ «تكنيك» الدراما، فكان اللقاء الاستثنائى بين فراشة الباليه «نادين»، والراحل المشاغب وائل نور.. لم تكن نادين مجرد وجه جديد، بل كانت «باليرينا حديدية» تنقل تقاليد المسرح الصارمة إلى صخب الاستوديوهات.. كانت تحضر فى السادسة صباحاً، فى وقتٍ ربما لم ينم فيه بقية الطاقم بعد، لتبدأ ساعتين من تمارين «الإحماء» الشاقة.. وكانت تفرض ما يقرب من «حظر التجوال» الصوتى، وتصر على أن يكون الاستوديو صامتاً تماماً كدار الأوبرا، وهو ما كان يمثل تحدياً كبيراً لعمال الاستوديو المعتادين على الحركة.
وعلى النقيض تماماً، كان وائل نور هو «دينامو» البهجة.. وفى أحد المشاهد الجادة التى تطلبت تركيزاً عالياً من نادين، قرر وائل «الخروج عن النص» بـ «إيفيه» مباغت لم تتوقعه الباليرينا، مما فجر نوبة ضحك هستيرية حقيقية منها.. هذا «الصدق العفوى» هو ما التقطه المخرج بذكاء وقرر الإبقاء عليه، ليصنع كيمياء فريدة جعلت الجمهور يشعر أن نادين ووائل ليسا مجرد ممثلين، بل هما «جيران العمر» الذين يسكنون فى البيت المجاور.
حققت فوازير «جيران الهنا» نجاحاً كبيراً لأنها لم تحاول تقليد الماضى، فنادين قدمت «فن الباليه» الأكاديمى، بينما كان وائل نور يمثل «خفة الظل».
ومن الكواليس الصعبة عندما اضطر النجوم لارتداء أزياء مصنوعة من البلاستيك والمعادن الحادة لساعات طويلة، مما تسبب في إصابات لبعضهم لم تكن تظهر للمشاهد.
نيللى كريم فى «حلم ولا علم»
تدور الفوازير حول القيم والمبادئ والدعوة لإحيائها، حيث تكون البداية من خلال طلب الدكتور (نور) النجدة من أهل كواكب (بكرانوس) لإنقاذ كوكب الأرض من عملاء كوكب (إمبارحنا)، والذين يحاولون قتل القيم والمبادئ، وتتوالى الأحداث.
بطولة نيللي كريم وصلاح عبدالله.
أسرار «الطبخة» فى ماسبيرو
كانت القصور الضخمة التى نراها فى فوازير «ألف ليلة وليلة» مجرد «ماكيتات» خشبية صغيرة لا يتعدى طولها المتر الواحد، حيث كان المخرج فهمى عبد الحميد يستخدم عدسات «المنظور القريب»؛ ويضع الماكيت أمام الكاميرا مباشرة ويجعل الممثل يقف بعيداً بمسافة 10 أمتار، فيظهر الممثل وكأنه داخل القصر، هذه التقنية كانت تتطلب دقة متناهية فى الإضاءة لكى لا يظهر الفرق بين «الخشب» وبين «الواقع».
في ختام رحلتنا خلف ستار «فوازير رمضان»، ندرك أن السر لم يكن يوماً فى شفرة تكنولوجية أو «جرافيك» يدار بضغطة زر، بل كان فى «حب» يحرق تحت كشافات الإضاءة لِينير شاشاتنا.