دخلت الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل يومها العشرين، في ظل تصاعد وتيرة المواجهات العسكرية بشكل غير مسبوق، ما يعكس تحوّل الصراع من ضربات محدودة إلى مواجهة إقليمية مفتوحة تحمل في طياتها مخاطر واسعة، حيث أكد خبراء أن استمرار العمليات العسكرية وتبادل الهجمات الصاروخية والجوية، يهددان بتوسيع رقعة النزاع لتشمل أطرافًا أخرى في المنطقة، الأمر الذي يضع الأمن الإقليمي أمام تحديات خطيرة ومعقدة.
ولا تقتصر خطورة هذا التصعيد على الجوانب العسكرية فحسب، بل تمتد لتشمل تهديد استقرار الممرات الحيوية، وارتفاع احتمالات انخراط قوى إقليمية إضافية، إلى جانب تداعيات اقتصادية وأمنية قد تطال العالم بأسره، وتهدد بأزمة طاقة عالمية، مع غلق مضيق هرمز الشريان الحيوي للطاقة في العالم.
3 سيناريوهات للحرب
قال الدكتور علاء السعيد، الخبير في الشؤون الإيرانية، إنه بعد مرور ما يقرب من عشرين يومًا على اندلاع المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل وأمريكا لم تعد الحرب مجرد تبادل للضربات بقدر ما أصبحت اختبارا مفتوحا لإرادة الاستمرار وحدود الاحتمال لدى جميع الأطراف، وهي في جوهرها ليست حربا تبحث عن نصر حاسم بقدر ما هي صراع لإعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة.
وأكد "السعيد"، في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أننا أمام ثلاث طبقات متداخلة من الصراع، الأولى عسكرية مباشرة تُدار بالصواريخ والطائرات المسيّرة والضربات النوعية، والثانية استخباراتية تقوم على استنزاف القيادات والبنية الداخلية، والثالثة وهي الأخطر سياسية طويلة المدى تسعى كل دولة من خلالها لتثبيت موقعها في معادلة القوة الجديدة في الشرق الأوسط.
وأضاف أن ما يحدث بعد عشرين يومًا من الحرب يعد انتقالًا من "صدمة الضربة الأولى” إلى "مرحلة إدارة الاستنزاف"، حيث لم يعد الهدف إسقاط النظام الإيراني كما لم يعد الهدف الإيراني تدمير إسرائيل، بل أصبح الهدف الحقيقي هو إضعاف الخصم إلى الحد الذي يجعله يقبل بشروط جديدة دون إعلان هزيمة صريحة.
وأضاف أن إسرائيل المدعومة بشكل مباشر وغير مباشر من الولايات المتحدة نجحت حتى الآن في تحقيق تفوق جوي واستخباراتي واضح مكّنها من تقليص القدرات الهجومية الإيرانية وضرب مراكز حساسة داخل العمق، لكنها في المقابل لم تنجح في إنهاء القدرة الإيرانية على الرد، وهو ما يجعل أي حديث عن حسم أقرب إلى الدعاية السياسية منه إلى الواقع العسكري.
ولفت إلى أن إيران، على الرغم من الضربات المؤلمة التي تلقتها لا تزال تحافظ على حد أدنى من القدرة على الرد، وهو الحد الذي يكفي لإبقاء الحرب مشتعلة دون أن يكون كافيًا لحسمها، وهو وضع يبدو مقصودًا أكثر منه اضطراريا، لأن طهران تدرك أن استمرار الحرب دون هزيمة كاملة يمنحها ورقة تفاوض أقوى من الانتصار المستحيل أو السقوط الكارثي.
وأضاف أن السيناريوهات المحتملة خلال المرحلة المقبلة يمكن تلخيصها في ثلاثة مسارات رئيسية، المسار الأول استمرار حرب الاستنزاف، وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا، حيث تستمر الضربات المتبادلة بوتيرة أقل حدة ولكن بشكل ممتد، مع توسيع رقعة الاشتباك عبر الأذرع الإقليمية، وهو ما يعني عمليًا تحويل المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح منخفض الكثافة لكنه طويل الأمد.
وأشار إلى أن المسار الثاني هو التصعيد الكبير، وهو سيناريو محفوف بالمخاطر يتمثل في انزلاق المواجهة إلى ضربات أوسع تشمل منشآت استراتيجية كالموانئ وحقول الطاقة والممرات البحرية، وهو ما قد يؤدي إلى أزمة اقتصادية عالمية حادة، خاصة مع تهديدات الملاحة في مضيق هرمز، وفي هذه الحالة لن تبقى الحرب إقليمية بل ستتحول إلى أزمة دولية كاملة.
وأضاف أن المسار الثالث التهدئة المشروطة، وهو أقل السيناريوهات احتمالًا في المدى القريب ويقوم على وقف غير معلن لإطلاق النار عبر تفاهمات غير مباشرة، بحيث يخرج كل طرف معلنًا نصره بينما يكون الهدف الحقيقي هو تجميد الصراع لا إنهاؤه.
وشدد على أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في مسار الحرب نفسها بل في انعكاساتها على الأمن القومي العربي، حيث أثبتت الأيام الماضية أن ساحات الاشتباك لم تعد محصورة بين إيران وإسرائيل، بل امتدت لتشمل مناطق عربية سواء عبر ضربات مباشرة أو عبر توظيف الأراضي العربية كساحات رسائل متبادلة.
وتابع أن هذا التطور يطرح إشكالية خطيرة تتعلق بتحول بعض الدول إلى مسارح عمليات دون أن تكون طرفًا في القرار، وهو ما يمثل تهديدًا مباشرًا لفكرة الدولة الوطنية وحدودها وسيادتها، ويجعل الأمن القومي العربي في حالة انكشاف غير مسبوقة.
ولفت إلى أن استمرار التصعيد بهذا الشكل يفتح الباب أمام احتمالات أكثر تعقيدًا، ليس فقط من حيث اتساع نطاق الحرب، بل من حيث إعادة تشكيل خريطة النفوذ في المنطقة على حساب استقرار الدول، وهو ما يتطلب قراءة واعية لا تنخدع بالشعارات المرفوعة من أي طرف، لأن ما يجري في حقيقته ليس دفاعًا عن قضايا كبرى بقدر ما هو صراع مصالح يُدار بأدوات عسكرية.
وأكد أنه قد تنتهي هذه الحرب كما انتهت حروب كثيرة قبلها، بإعلان الجميع النصر، بينما تكون الحقيقة الوحيدة التي لا يُعلنها أحد هي حجم الخسائر التي تحملتها المنطقة، وحجم التغيّر الذي طرأ على موازين القوى فيها، وهو التغير الذي سيبقى أثره ممتدًا لسنوات طويلة قادمة.
ساحة سجال متبادل بين الطرفين
قال الدكتور محمد صادق إسماعيل، أستاذ العلوم السياسية ومدير المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية، إنه من الواضح أن مسار الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية لا يمكن التنبؤ بنهاياته في الوقت الراهن، خاصة في ظل ما حدث خلال اليومين الماضيين من خسائر بشرية، إضافة إلى استهداف بعض قيادات الحرس الثوري الإيراني، ومن بينهم علي لاريجاني، رئيس المجلي القومي الإيراني، وهذا يشير إلى أن الصراع مرشح لأن يكون سجالًا متبادلًا بين الطرفين.
وأكد إسماعيل، في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أنه من جانبها، قد تسعى إيران إلى تنفيذ هجمات تستهدف المصالح الإسرائيلية، إلى جانب ضرب المصالح الأمريكية، فضلًا عن استمرار عرقلة الملاحة الدولية في مضيق هرمز.
وأشار إلى أنه أما فيما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، فيمكن الإشارة إلى عدة مسارات. السيناريو الأول هو استمرار الوضع القائم، حيث تتواصل المواجهات العسكرية الحالية بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، مع احتمال استهداف المصالح الأمريكية في دول مجلس التعاون الخليجي، وكذلك في العراق والأردن، بالإضافة إلى استخدام الأذرع الإيرانية مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن وجماعات أخرى.
وأضاف أن السيناريو الثاني هو السيناريو التفاؤلي، ويتمثل في إمكانية الوصول إلى مفاوضات، سواء عبر وساطات دولية أو من خلال قنوات اتصال مباشرة أو غير معلنة بين الطرفين، بما يمهد لتهدئة التوتر والتوصل إلى تسوية.
وأوضح أن السيناريو الثالث، وهو الأسوأ، فيتمثل في اتساع نطاق الحرب وانخراط أطراف ودول أخرى فيها، ما قد يؤدي إلى صراع إقليمي واسع في الشرق الأوسط، ولن يقتصر على دول بعينها، مؤكدا أنه ومن شأن ذلك أن يؤثر سلبًا على الاقتصاد العالمي، ويرفع أسعار الطاقة والنفط، وقد يفضي إلى أزمة عالمية جديدة في هذا القطاع.