الأحد 29 مارس 2026

مقالات

مقاربة مصرية للأزمة الإيرانية

  • 29-3-2026 | 16:38
طباعة

 

يأتي اجتماع باكستان حول خفض التصعيد في الشرق الأوسط في سياق أوسع من الجهود المصرية المتواصلة لاحتواء تداعيات الصراع المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران وما يرتبط به من توترات إقليمية تتداخل فيها أطراف عدة وهو صراع لا يقتصر أثره على بؤر الاشتباك المباشر بل يمتد ليشمل كامل الإقليم مهددا الاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة والعالم وفي هذا الإطار تتحرك السياسة المصرية وفق مقاربة شاملة تقوم على منع التصعيد وتفكيك مسارات التوتر قبل أن تتحول إلى مواجهة مفتوحة وتأتي اللقاءات الثنائية والمتعددة الأطراف كجزء من هذه المقاربة حيث يتم استثمارها لخلق قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف الفاعلين بما يتيح لمصر القيام بدور فاعل في تقريب وجهات النظر وطرح بدائل دبلوماسية قابلة للتطبيق، بعيدًا عن منطق المواجهة العسكرية.

من ناحية أخرى فإن التركيز على دعم التهدئة وخفض التصعيد لا يمكن فصله عن إدراك عميق لطبيعة الترابط بين أزمات المنطقة فالتوتر بين واشنطن وطهران على سبيل المثال ينعكس بشكل مباشر على الأمن في الخليج وعلى استقرار طرق الملاحة وعلى أمن الطاقة العالمي وهو ما يمتد بدوره إلى تداعيات تمس الأمن القومي للدول المحيطة بما فيها مصر. كما أن أي تصعيد يشمل إسرائيل ضمن دائرة التوترات الإقليمية يرفع من احتمالات اتساع رقعة الصراع ويزيد من تعقيد المشهد الأمني في الشرق الأوسط ومن هنا يظهر الدور المصري كدور توازني يسعى إلى كبح جماح التصعيد من خلال أدوات دبلوماسية متعددة تشمل الوساطة وبناء التفاهمات والتنسيق مع الشركاء الدوليين والإقليميين ويعتمد هذا الدور على الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف بما يتيح التحرك بمرونة داخل شبكة معقدة من المصالح المتشابكة ودون الانخراط في استقطابات حادة قد تحد من قدرة مصر على التأثير وفي الوقت نفسه يرتبط هذا التوجه السياسي ببعد اقتصادي واضح حيث تدرك مصر أن استمرار التوترات الإقليمية ينعكس سلبا على تدفقات الاستثمار وحركة التجارة واستقرار أسعار الطاقة وهي عوامل تؤثر مباشرة على خطط التنمية الوطنية لذلك فإن دعم الاستقرار الإقليمي لا ينظر إليه فقط كهدف سياسي بل كضرورة استراتيجية لضمان استمرارية النمو الاقتصادي كما أن الدعوة إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والتكامل الإقليمي تعكس إدراكا بأن بناء شبكات من المصالح المشتركة بين الدول يمكن أن يشكل عامل استقرار فعال حيث تسهم المصالح الاقتصادية المتبادلة في تقليل احتمالات التصعيد وتدفع نحو تبني حلول سلمية للنزاعات ومن هذا المنطلق يصبح الربط بين المراكز اللوجستية والصناعية وتعزيز سلاسل الإمداد الإقليمية أدوات غير مباشرة لدعم الاستقرار السياسي وهنا تبرز أهمية الموقع الجغرافي في هذا السياق كأحد عناصر القوة الأساسية حيث تسعى مصر إلى توظيف موقعها كممر عالمي للتجارة عبر قناة السويس وربطه بممرات تجارية أخرى بما يعزز من مكانتها كمركز لوجستي محوري وفي المقابل فإن التعاون مع موانئ استراتيجية مثل ميناء جوادر يعكس تصورا أوسع لربط الأقاليم المختلفة ضمن شبكة تجارية متكاملة تسهم في دعم الاستقرار من خلال تعميق الاعتماد المتبادل.

أما على مستوى إدارة الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران فيبرز التوجه المصري الداعم لمسار التفاوض باعتباره الخيار الأكثر واقعية لتفادي الانزلاق إلى صراع مفتوح فالتجارب السابقة تشير إلى أن المواجهات المباشرة في هذه المنطقة غالبا ما تؤدي إلى دوامات من التصعيد يصعب السيطرة عليها وهو ما يجعل الحلول السياسية والدبلوماسية الخيار الوحيد القابل للاستدامة وفي هذا السياق، يمكن فهم التحركات الدبلوماسية باعتبارها جزءا من استراتيجية متعددة الأبعاد لا تقتصر على التعامل مع الأزمة الراهنة بل تمتد إلى محاولة إعادة تشكيل البيئة الإقليمية على أسس أكثر استقرارا وتوازنا فاحتواء الصراع لا يعني فقط منع الحرب بل يشمل أيضا بناء إطار من التفاهمات الإقليمية والدولية يحد من فرص اندلاع أزمات مستقبلية وفي النهاية تعكس هذه المقاربة إدراكا بأن أمن المنطقة مترابط وأن أي انفجار في أحد أجزائها سواء بين الولايات المتحدة وإيران أو في سياق أوسع يشمل إسرائيل سينعكس على الجميع وهو ما يجعل من التهدئة والتنسيق والتكامل أدوات أساسية للحفاظ على استقرار إقليمي هش يتطلب إدارة دقيقة ومتوازنة من مختلف الأطراف الفاعلة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة