يقولون إن الحرب على إيران بداية ملحمة آخر الزمان، يؤكدونها بتغيرات الحاضر.. ونبؤات الكهان، وآخرون يرجعونها لأسباب سياسية، تفرض الهيمنة العسكرية والسيطرة الاقتصادية، فانهالت التحليلات شرقا وغربا لتزيد المتابعين حيرة وكربا، ولترفع مستوى التساؤلات دون وضوح الإجابات، وبين حاخام يهذي وشيخ يروي.. بين كلمات محلل يشرح وصدى انفجار يدوي، نربط الخيوط علنا ندري، عبر استيضاح بعض النقاط، وربط الحاضر بما فات، لنستنتج شيئا مما هو آت..
لإدراك اللعبة وأهدافها وأبعاد الشبكة واتساعها علينا أن نمسك الخيوط من نقطة التقاء غاية في الأهمية، هي سيطرة التعاليم الغنوصية على قادة هذه الحرب، والتشابه الفكري والعقائدي بين كل منهم والذي يصل أحيانا إلى حد التطابق، فكلا الجانبين.. إيران وأذرعها من جهة وإسرائيل والغرب من جهة أخرى، يؤمنون بضرورة ظهور مخلصهم المنتظر، ويسعون لتعجيل ظهوره بكل قوة، فملالي إيران يعتمدون على نبؤات كتابية وحسابات علوم الحروف والأرقام، كالجفر والبسط على سبيل المثال، أيضا إسرائيل وأعوانها يعتمدون على نبؤات التوراة والتلمود والزوهار وحسابات سحر الكابالا أو "القبالة" التي أصبحت ديانة مستقلة سنتناولها في مقال لاحق، هذا التطابق في الأحداث بل والتواريخ أيضا يجعلنا نتساءل عن المعين الذي خرجت منه لتشكل هذه القناعات، أما الاختلافات فيمكن تلخيصها عبر نقطتين، الأولى تكمن في مفهوم الغنوصية، حيث تعتبر عند الشيعة الاندماج والتناغم مع الذات الإلهية، وعند الغرب تتجاوز الحد إلى درجة التعالي والتساوي مع قدرات الذات الإلهية، الاختلاف الثاني هو المخلص نفسه، فهو "المشياه" المسيح المخلص عند الغرب، وهو المهدي المنتظر عند الشيعة، ولا يوجد لدى الطرفين سبيل لبلوغ غايته إلا بالدماء والدمار كي يظهر المخلص فينصر طائفته ويحكم الأرض بالعدل، لذا يسعى كلاهما لتوريط دول أخرى في هذا الصراع العبثي، فأمريكا وإسرائيل تحثان الدول الغربية على المشاركة العسكرية، وهو أمر قد بدأ بالفعل، فيما تضرب الصواريخ الإيرانية دول الخليج لاستفزازها، رغم أن حاملات الطائرات الأمريكية لم تمس، وإذا اجتمع ما سبق مع أحداث هذه الحرب، بدءا من أسبابها الوهمية، مرورا بالإعلانات المتضاربة، وانتهاء بالشروط التعجيزية لكل طرف، بالإضافة إلى أزمات الاقتصاد والطاقة المترتبة على هذه الحرب، يمكننا أن نطلق العنان للفكر المتزن المبني على المنطق لندرك حقيقة واحدة مؤكدة لا تقبل الشك، أن هناك جهة واحدة تسيطر على رقعة الشطرنج وتتحكم في تحركات الجميع لتحقيق مكاسب متنوعة، منها تحقيق التنبؤات المزعومة، لكن المكسب الأهم هو السيطرة العسكرية والمكاسب الاقتصادية، فبينما تتراشق الألسنة بحجج دينية، يحقق أفراد هذه الجهة أرباحا طائلة من صفقات السلاح وارتفاع أسعار المحروقات، هذا بخلاف القضاء على مشروع طريق الحرير وإضعاف قناة السويس، فالهدف ليس فقط تغيير شكل المنطقة سياسيا وعقائديا، بل تشكيل جديد لأسواق وطرق التجارة في منطقة تمثل نقطة التقاء الشرق بالغرب، الأمر الذي تدركه عدة دول فيما يمكن تسميته بمعسكر الوسط الذي تقوده مصر بحكمة ورؤية ثاقبة، لذا تتجنب الصراع وتسعى للتهدئة قدر المستطاع، فخسائر استمرار الحرب ستعصف بالجميع عدا الصين لحاجة الأسواق العالمية لمنتجاتها المختلفة خاصة الإلكترونية منها، بالإضافة إلى إسرائيل وفي القلب منها أمريكا التي تحتفظ فعليا باحتياطي الذهب العالمي الذي يزيد عن 8100 طن منها 45 ألف طن داخل خزائن قاعدة فورت نوكس العسكرية، ومع سيطرتهما على صندوق النقد الدولي والبنك الفيدرالي لن تتضررا كثيرا بطباعة المزيد من الدولارات وارتفاع حجم الدين الداخلي للولايات المتحدة، حتى وإن تأثر الأفراد بانخفاض قيمة العملة الخضراء إذا انخفضت، فما زال المال الحقيقي "الذهب" مكدسا ومؤمنا على أرض الأحلام.
ويخطئ من يظن أن أمريكا تعبأ برفاهية شعبها، فيكفيك جولة داخل الأزقة والأنفاق وتحت الجسور لترى الجانب القبيح من وجه سيدة الحريات الساعية لاستعادة سيطرة قطبها الذي لم يعد أوحد، ولأن العقيدة هي المحرك الرئيسي لمشاعر الإنسان والمحفز الأول لاستثارة همته، تم اختيار قادة جدد يعتنقون الصهيونية بامتياز، يهودية كانت أو مسيحية، أما في إيران، فلا يمكن إنكار حقيقة اختراقها عسكريا وسياسيا وعقائديا أيضا، ولا ننسى وجود ديانات متعددة داخل إيران منها الظاهر ومنها المستتر، حتى الديانة اليهودية، ما يمكن المعسكر الصهيوني من التأثير وتغيير الدفة وفقا لما يخدمه، لكن أكثر ما يدعو للدهشة، هو انجراف نسبة من الشعوب السنية وبعض شيوخها إلى فكرة معركة آخر الزمان والدعوة لها بقوة، لا بد من إعادة النظر في خلفية بعض الشيوخ بل وبعض الأحاديث أيضا، ليس تشكيكا وإنما تدقيقا وتصحيحا، فكيف يدعون لما يعتنقه الآخرون، رغم عدم وروده في القرآن الكريم وأحاديث السنة صراحة وبشكل مباشر، فلا وجود لكليهما إطلاقا إلا من خلال تأويلات تحتمل الصواب أقل مما تحتمل الخطأ، فحديث الجساسة على سبيل المثال لم يرو إلا عن فاطمة بنت قيس، وهو أمر يدعو للتساؤل، فوفقا للحديث نفسه قد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاة جامعة، أي إقامة مؤتمر صحفي بمقاييس اليوم، لماذا إذا لم يرو إلا عنها رغم خطورة الخبر وعظمته، كما أن الدكتور علي جمعة مفتي الديار الأسبق أكد سابقا عدم وجود المهدي المنتظر في شريعة السنة، أما عن تناول أحداث النهاية وأشراط الساعة وإن وقع بعضها وتحقق، فلا يجب التسليم بنهاية الحياة عملا بالحديث "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها"، ونطالب من يتناول هذا الأمر بالتمهل والتدبر في أيات لا تحتمل التأويل، كالآيتين ٣١ و ٤٤ منسصورة الأنعام والآية ٦٦ من سورة الزخرف، وآيات كثيرة يؤكد فيها الخالق عز وجل قيام الساعة بغتة وأن علمها عنده وحده دون أحد من خلقه، لماذا إذا يدعى البعض معرفته ببواطن الأمور! هي مجددا الباطنية الغنوصية التي يعتمد عليها بني صهيون في تسيير الأحداث وفقا لرؤيتهم وقناعتهم، ولأننا لا ندعي العلم والمعرفة ، ندعو فقط كما قلنا للتدقيق إذ وجب والتصحيح إن وجب، وفقا لرؤية شاملة ومعاصرة قد تختلف عما يقره أتباع الغنوصية، عملا بأمره تعالى، أفلا تعقلون، أفلا تتفكرون، أفلا تتقون.