الأحد 5 ابريل 2026

مقالات

أحاديث الهوية والعُمران

  • 4-4-2026 | 10:52
طباعة

تتجلى القاهرة التاريخية بطائفةٍ من العمائر الجليلة التي تعكس تطور العمارة خلال هذا الزمن الطويل، ويشبه هذا التطور البنائي متحفًا للعمارة، عُرضت فيه عمائر كل مرحلة من مراحل التقدم. فإنَّ القاهرة تتميز وحدها بين مدن العالم القديم بهذه الميزة، لنشاهد في أحيائها القديمة حلقةً متصلةً من الأساليب المعمارية التي تتجلى في عمائرها العتيقة.

سحر القاهرة
لعمارة القاهرة التاريخية سحرها الخاص، فقد تداخلت عدة عناصر لتشكل معًا تكوين تلك المدينة المبهرة. والتركيز على فن العمارة القاهري يستدعي تاريخًا متراكمًا على مدى الزمن السحيق ليكون ركيزة لعبقرية المكان وشرح شخصية المدينة الكبرى. فقد نشأت العمارة المصرية كحرفة بسيطة من حرف البناء في أبسط أشكالها، ثم تطورت حتى نشأت عنها مجموعة من الفنون المعمارية المختلفة، لتعد عمارتها من أهم مظاهرها الحضارية. فالعمارة هي المرآة التي تعكس آمال الشعوب وأمانيها وقدراتها العلمية وذوقها الرفيع، بل وفلسفتها أيضًا.
لقد كانت العمارة المصرية الإسلامية هي إحدى التجليات التي ميَّزت القاهرة، ولا تزال هذه العمارة حتى الآن شاهدة على عظمة الحضارة المصرية وإنسانيتها. ولم تقتصر تلك العمارة على المساجد فقط، بل امتدت لتشمل المدارس والأسبلة والبيمارستانات والمنازل والقصور والقلاع والحصون والأسوار والأبواب وغيرها من أشكال هذا الفن البديع، مما يدل على اهتمام الحضارة الإسلامية بكافة مناحي النشاط الاقتصادي والاجتماعي وأيضًا الحربي، حتى جمعت العمارة المصرية الإسلامية بين مختلف أشكال الفنون.
والعمارة عامة هي شكل من أشكال البناء الحضاري للشعوب، وفي الواقع أن الحضارة هي أسمى وأبقى ما للأمة من تراث. فلقد كان للعرب الذين دخلوا الإسلام تراث ومشاركة وإبداع قديم، ولكنه لم يصبح عميقًا شاملاً مضيئًا وهاجًا إلا بالتداخل الذي تم مع الفنون الإسلامية على مختلف أشكالها.
عمارة القاهرة والفن التشكيلي
في الواقع، لا يمكن الفصل بين عمارة القاهرة والفن التشكيلي. فالمؤرخون يعتبرون العمارة المصرية عملًا إنشائيًا تم تكوينه لكي يبرز صور الفنون المختلفة. واعتبر قدماء اليونان العمارة أنها أم الفنون، حيث كانت العمارة تهتم بالنحت والرسم حسب البيئة المحيطة، ثم تنوعت بعد ذلك الفنون والأشكال والخامات فاستخدمت الزخارف المتنوعة والنحت بأنواعه كالنحت على الخشب والجبس. واستغل الفنان المصري قدراته وابتكاراته استغلالًا صحيحًا فظهرت القباب والقبوات وغيرها.
أما الحضارة المادية، وهي آثارها الباقية، فهي أصدق دليلاً من الحضارة المروية أو المكتوبة أو المأخوذة بالفهم والاستنتاج. إذ لو ظفر علماء الحضارات بأعيانها وبواعثها لوجدوا فيها أدلة قائمة وموارد عامرة. فالبحث عن الحضارات المصرية من أقدمها إلى أحدثها، وإن كان علماء تاريخ الحضارة يعتمدون في دراساتهم على مخلفات الأمم من التحف المنقولة والأمتعة والأدوات وما إليها، ليتعرفوا بها على أحوالها وعاداتها، ويقيسوا بها درجاتها من التقدم والتخلف، أو من الأصالة والتقليد، ومدى اتصال هذا كله بالقدرة على تجويد الصناعة، وتنويع حاجة المعيشة، وحسن الفطنة والذوق والمهارة الفنية.
ومن الثابت أن الفن المعماري المصري الإسلامي قام على أسس جمع من الفنون بما يوافق مزاج المصريين الخاص، ثم صهره في بوتقة بعد طبعه بالطابع المصري الخاص وصوغه في أماكن مختلفة كان للفن فيها قوة وحياة. فكان لعمارة المصريين القدر الأكبر في استنباط الحقائق الثابتة التي لا تهاب ولا تحابى، ومن ثم فقد أصبحت عمائرنا وما يماثلها من آثار قائمة في مقدمة ما يحرص علماء تاريخ الحضارات على استنطاقها والاستماع إليها والوقوف على ما تخفى وما تعلن من تراث المصريين.
بنيان مرصوص
المساجد الأثرية القاهرية هي عنصر من العناصر الكبرى المهمة في تاريخ مصر بصفة عامة، والقاهرة بصفة خاصة. فالقاهرة هي أكبر المدن العربية والمركز الرئيس للحضارة العربية الإسلامية. تلك المدينة المتفردة في العالم الإسلامي بآثارها ونقوشها الأثرية والتاريخية، فلا توجد بقعة على الأرض بها هذا الكم وهذا التنوع من الآثار الدينية والمدنية والحربية التي تتيح لنا طرزها المعمارية دراسة وفهم تطور العمارة الإسلامية.
وقد اكتشفت أثناء العمل في تأليف كتاب "بنيان مرصوص" أنه بالرغم من أن القاهرة تمتلك الوثائق والمصادر المخطوطة وتحتوي كذلك على آثار تفوق ما يملكه العالم الإسلامي، إلا أن الدراسات التفصيلية لتاريخها ينقصها الكثير. فقد كُتبت مجلدات عديدة حول تاريخ عاصمة مصر الإسلامية، تناولت جميعها بصور مختلفة عصورها التاريخية، إلا أن التطور العمراني للمدينة وامتدادها وخططها يحتاج إلى مزيد من القراءة والفهم والتدبر.
أظن أن التأمل في العمارة الإسلامية، لاسيما المساجد التاريخية، هو أمر حتمي. فالعمارة هي السجل الذي يُستقى منه تاريخ الأقدمين، بما فيه من تقدم وازدهار، أو تراجع وتهافت. ومن ثم فقد سجلت لنا العمارة الإسلامية، وخاصة الدينية منها، تاريخ الدول المتعاقبة، وأعطتنا صورة صادقة عن منشئها. ذلك أن العقيدة الإسلامية التي تغلغلت في نفوس معتنقيها لسماحتها ولأنها تناسب طبيعة النفس البشرية، ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بعمارة المساجد.
وتدل عمارة المساجد التاريخية المصرية البديعة على الاهتمام البالغ بالعمارة والفنون. فالمساجد لها وقعها في المجتمع المصري، فهي صومعة الناسك ومدرسة الدارس، ودرك للعزة. يعمرها الزاهدون والمتصوفون والذاكرون والعارفون، وتعمها حلقات الدرس من فقه وحديث ومنطق وكلام، ومجالس الأدب من نحو وبلاغة ونقد، وندوات الاجتماع التي تتعرض لسائر العلوم. ويعمرها العلماء والفقهاء والأئمة والأدباء، ويقوى بها الضعيف والغريب، ويأنس إليها ابن السبيل والمسكين، ويرتفع صوته فيها الداعي إلى الخير.
وقد اشتهر عن العمارة المصرية أنها فن يهتم بتطبيق مجموعة من التصاميم الهندسية التي تعتمد على رسم الهيكل التخطيطي لبناء المباني والمعالم الحضارية الخاصة بمكان أو بمدينة معينة. عادة ما يهتم فن العمارة بعكس طبيعة الثقافة العامة والتراث السائد في المنطقة. وقد يحتوي على مجموعة من الرموز أو المنحوتات الفنية التي تظل من الشواهد على طبيعة فن العمارة في كل حقبة من الحقب الزمنية.
فن العمارة
تم تقسيم فن العمارة من قبل المؤرخين إلى حقب لها علاقة بالزمن. حيث وُجد أن لكل حقبة أو مرحلة زمنية طرازًا معينًا يطغى على الفن المعماري، فعُرفت العمارة العامية، وأيضًا العمارة القديمة، وهنالك العمارة الإسلامية، وفن العمارة الآسيوية، إضافة إلى العمارة خلال فترة العصور الوسطى، ولا ننسى فن العمارة خلال عصر النهضة، إضافة إلى وجود عمارة الحداثة، وأيضًا ما قبل الحداثة، وما إلى هنالك من عمارة بيزنطية ورومانية وأندلسية وغيرها الكثير، لتأتي العمارة المعاصرة أخيرًا.
وبرغم التنوع المعماري والفني في مساجد القاهرة وعمارتها، لكننا بالقطع نستطيع أن نقول إن مصر قد عاشت في عصر المماليك البحرية والمماليك الجراكسة أزهى عصورها في فن العمارة. فقد اهتم المماليك بحركة البناء أكثر من غيرهم من الحكام، فما من ملك أو سلطان أو أمير مملوكي إلا وشيّد جامعًا أو مدرسة أو خانقاه أو سبيلاً، هذا بخلاف الأربطة والحمامات وغيرها من العمائر والأبنية.
فلسفة العمارة في القاهرة المملوكية
لم يقتصر اهتمام المماليك على كثرة البناء فقط، بل اهتموا كذلك بتطوير أساليب البناء وتطوير فنونه. فتطور فن الزخرفة وعناصر المعمار، فكان من أبرز سمات المعمار المملوكي الاهتمام بواجهات الجوامع والمدارس واستخدام القباب الضرحية وفتحات النوافذ المزينة بالزجاج المعشق، كذلك استخدام المقرنصات التي تتوج أعلى الواجهات والشرفات المسننة التي شكلت على هيئة أوراق نباتية ثلاثية أو خماسية الأطراف.
وقد رصدت تنوع عمائر مصر زمن المماليك في كتابي "التحفة الزكية في أخبار القاهرة المعزية" بين العمائر الدينية كالجوامع والمدارس والخانقوات، وبين العمائر المدنية مثل الوكلات والخانات والفنادق. إلا أن الاهتمام بالمساجد خاصة في القاهرة كان لافتًا للنظر. كما استخدم المماليك نظمًا جديدة في تخطيط عمائرهم إلى جانب النظام التقليدي الذي يعتمد على صحن أوسط مكشوف وأربع ظلات أكبرها القبلة. كما استخدمت العقود المحمولة على أعمدة في رفع السقف والقبة الرئيسية.
ومن المبهر ما أُضيف للتخطيط السابق، حيث أضاف المعمار المصري ثلاثة تخطيطات أخرى هي: النظام الأيوني، الذي يتكون من صحن أوسط مكشوف تحيط بأضلاعه أربعة إيوانات، أكبرها عمقًا إيوان القبلة وجميع الإيوانات متقابلة ومعقودة. وانتشر هذا التخطيط انتشارًا واسعًا في العمائر المملوكية. والتخطيط الثاني الذي أضافه الطراز المملوكي فكان يعتمد على التخطيط الأيوني، لكن بنسب أصغر، فبدأ في تقليل مساحة الصحن ثم تغطيته بسقف خشبي على هيئة الفانوس يسمى الشخشيخة. أما التخطيط الثالث فهو ظهور المجمع، أي منشأة واحدة دينية تؤدي أكثر من وظيفة، حيث بدأ المعمار إضافة وحدات معمارية جديدة بالإضافة إلى المدرسة والجامع. ومن أمثلة ذلك تخطيط مجمع السلطان قلاوون الذي يضم مسجدًا وضريحًا وبيمارستانًا وسبيلاً وميضأة، وهي أمور شكلت ريادة للمدرسة المعمارية المصرية في العالم أجمع.
العمارة المصرية الحديثة
يمكن القول إن العمارة المصرية الحديثة تمثل مزيجًا طموحًا من الأصالة والمعاصرة، وتسعى إلى إنشاء مدن ذكية ومستدامة بمعالم معمارية بارزة. فعلى سبيل المثال في العاصمة الإدارية الجديدة، فهي تعكس دقة التصميم والتنفيذ لشكل العمارة المصرية الحديثة. فهي تقدم مزيجًا من الأصالة والمعاصرة حيث يظهر في بعض التصميمات استلهام من رموز العمارة المصرية القديمة، مثل المسلة في تصميم البرج الأيقوني، أو في بعض البوابات ذات الطابع الفرعوني الحديث. في المقابل، تعتمد أغلب المباني على خطوط تصميمية حديثة وبسيطة، تعكس التوجهات العالمية في العمارة، وهي عمارة تعبر عن توازن فريد حيث يهدف المصممون إلى تحقيق توازن بين الحفاظ على الهوية المصرية وتقديم مدينة عصرية تلبي احتياجات المستقبل.
أما عن ضخامة المشاريع والطموح، فتشمل العاصمة الإدارية الجديدة مشاريع ضخمة مثل مسجد الفتاح العليم، وكاتدرائية ميلاد المسيح، والحي الحكومي، والحي الدبلوماسي، والبرلمان، والقصر الرئاسي، مما يعكس حجم طموح مصر نحو بناء عاصمة حديثة ومستدامة، قادرة على استيعاب النمو السكاني وتخفيف الضغط على القاهرة.
ومن الملاحظ أنه تم تخطيط العاصمة حول محور مركزي ضخم، مع تخصيص مناطق محددة للأنشطة المختلفة (سكنية، حكومية، تجارية، ثقافية)، كذلك وجود مساحات خضراء واسعة، فيبرز مشروع "النهر الأخضر" كأحد أهم عناصر الاستدامة، وهو عبارة عن سلسلة من الحدائق والمنتزهات التي تمتد عبر المدينة، بالإضافة إلى بنية تحتية متطورة تهدف إلى الاعتماد على قواعد ذكية ومستدامة، وتشمل شبكات نقل متطورة، وإدارة ذكية للموارد، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
ومن ملامح العمارة المصرية الحديثة في العاصمة الجديدة تلك التصميمات أيقونية والمعالم بارزة، فيعتبر البرج الأيقوني علامة معمارية فارقة في سماء العاصمة الإدارية، ويعكس التوجه نحو إنشاء مبانٍ ذات تصميم مميز، كذلك المسجد الكبير والكاتدرائية، وهما يتميزان بتصميم معماري فريد يعكس الطراز الإسلامي والمسيحي الحديث، ويمثلان رموزًا دينية وثقافية مهمة في المدينة، بالإضافة إلى مبانٍ حكومية مميزة تم تصميمها بأسلوب عصري يعكس أهمية هذه المؤسسات.
وتشير العمارة المصرية الحديثة المنفذة بالعاصمة الإدارية الجديدة إلى أهمية التركيز على الجودة والتفاصيل، حيث يتم استخدام مواد بناء حديثة وعالية الجودة لضمان متانة واستدامة المباني، كذلك يظهر الاهتمام بالتفاصيل في التصميمات الداخلية والخارجية للمباني، مما يضفي عليها طابعًا جماليًا ووظيفيًا. 
إن دراسة العمارة قديمًا وحديثًا والتبحر في دراسة علوم البناء أمر بالغ الأهمية، وهي تكمن في الاهتمام بتحليل ودراسة جميع الأصول المادية للحضارة التي تمتد للإنسان القديم، وذلك من خلال الاستقراء والشواهد الفكرية على مر العصور، كما أنه من خلال دراسة تطور العمارة المصرية عبر العصور يمكننا استخلاص القيم العميقة للحضارة والثقافة المصرية.

الاكثر قراءة