الأحد 5 ابريل 2026

مقالات

في مومباي.. أطيافٌ من الطقوس الشعبية

  • 4-4-2026 | 11:01
طباعة

في رحلتي إلى مومباي في صيف 2005 شاهدتُ آلافًا من عربات الريكشا التي لم تكن قد وصلت مصر بعد، وسنعرفها لاحقًا في بلادنا باسم “توكتوك”. رأيت على كثيرٍ منها صورة مجسمة لرأس فيل وجسد طفل، فيما يُعدُّ أبلغَ تعبير عن أسطورة قربان جانيش.

تُعتبر شعيرة القربان أو الأضحية من أشهر الشعائر في الأديان بمختلف مواقعها ومواطنها. الذين يُداخلهم عدمُ ارتياح لقصّة قربان إسماعيل (عليه السلام) الذي أنقذته السماءُ في اللحظة الأخيرة من سكين أبيه إبراهيم (عليه السلام)؛ عليهم أن يعودوا إلى تاريخ الإنسانية البائس الذي كانت عديدٌ من دياناته تعتمد تقديم القَرابين البشرية.
بعض الآلهة الوثنية في أوروبا والشرق الأدنى لم تكن ترضى سوى بدماء الأطفال الصغار. ولولا هذه الشعائر الدموية والقَرابين البشرية في إسكندناوة وشرق أوروبا وفلسطين وغرب آسيا وروسيا؛ ما وجدت المسيحية والإسلام ترحيبًا كبيرًا لدى عديدٍ من شعوب العالم التي ارتاحت أخيرًا من تقديم الأبناء والأطفال الصغار أضاحي للأوثان.
من المنطقي أن ترتبط فكرة الأضحية بالبيئة التي تنتشر فيها الديانة. نحن هنا في الهند حيث الهندوسية ومعبودها المحبوب "جانيشا".
يتألف اسم هذا المعبود من مقطعين: "جانا" وتعني الجموع، و"إيشا" وتعني الملك أو الرب، ومن ثم فإن الاسم يعني "ربّ الجموع" أو "ملك الجميع".
يُعرف جانيش بأنه إله تذليل العقبات وتحقيق الإنجازات ودعم الطلاب في دروسهم.
دخلتُ معبدًا في مومباي ورأيت تماثيل عديدة للآلهة الهندوسية، ومن بينها جانيش. تتلقى الآلهة هنا النذور، خاصةً ممن ربحت تجارتهم، ويُعاد توزيع أموال هذه النذور على الفقراء المحتشدين أمام المعابد.
تعود أسطورة جانيش إلى المعبودين الكبيرين في الديانة الهندوسية: الزوجة بارڤاتي والزوج شيڤا:
"بارڤاتي" رمز الخصوبة والأنوثة والحب والأمومة، ولا عجب أن من أسماء هذه المعبودة في الهندوسية اسم Uma فضلًا عن دورها في الإنجاب.
الأب "شيڤا" رمز القوة والجبروت وخلق وتشكيل العالم، وهو أحد كبار الآلهة في الهندوسية.
تقول الأسطورة إن شيفا عاد ذات يوم من سفر في الغابة ليجد الأم بارفاتي قد وضعت الطفل جانيش.
ساور الشك نفس الأب شيفا في زوجته وأنكر أن يكون جانيش ابنًا له، فسارع وقطع رأسه. ما إن عادت بارفاتي حتى بيّنت للزوج المتسرع أن جانيش ابنه حقًا وقدمت له الدلائل على ذلك.
وحين اقتنعَ شيفا وندم على شكوكه أراد أن يُعيد الحياة إلى ابنه، فخرجَ إلى الجبال عازمًا أن يأخذ رأسَ أوَّل مخلوق يُقابله ويعوض به جانيش.
في الهند، لا توجد خِراف كما في عالم الشرق في بلادنا، فليس عندهم بيئة الرعي والتجوال في الصحراء، بل كان "كبش" الفداء هو "الفيل" الذي صار علامة على ثنائية علاقة الإنسان والحيوان وتخليد فداء الحيوان للإنسان.
حجي علي بابا
على ساحل المحيط الهندي، وفوق جزيرةٍ قزمية في جنوب مومباي، زرتُ مسجدًا وضريحًا إسلاميًّا شهيرًا لوَليٍّ صوفي يُدعى "حجي علي بابا"، صاحب الكرامات الأسطورية. دخلت إلى الضريح ووجدتُ هندوسًا مع مسلمين يطوفون حول المقام وكأنهم يطوفون حول الكعبة.
هذا تقليدٌ شَهير في جغرافية الإسلام الآسيوية. يُمثل ضريح حجي علي بابا نموذجًا لمئات الأضرحة الإسلامية.
وكان من حُسن حظي أن عثرت في دار نشر عتيقة في مومباي على واحدٍ من الكتب التي تُبيّن الأصول التاريخية للأضرحة الإسلامية في الهند، وقد لخَّصت منه الصفحات التالية.
يُعتبر القرن الثالث عشر الميلادي بداية تقديس الأضرحة في غربي الهند وشمالها، ويُعد شيوخ السلسلة الشيشتية أصحاب الأضرحة الأكثر شهرة في ربوع الهند.
وقد هاجر أغلب شيوخ هذه السلسلة من آسيا الوسطى بهدف نشر الدعوة الإسلامية، وفي مقدمتهم معين الدين الشيشتي صاحب أشهر ضريح يؤمه الملايين في آسيا الجنوبية، والواقع في مدينة أجمر فيما يُعرف اليوم بولاية راجستان في الهند الغربية.
وقد تمكن شيوخ الطريقة الشيشتية، بحياة الزهد وما رُوي عنهم من "كرامات"، من استقطاب الأتباع من الفقراء والمعدمين والزاهدين والمهمَّشين في المجتمع الهندي، وفي حالات قليلة كان مريدو هذه الأضرحة من القادة العسكريين والأمراء والملوك والسلاطين.
وتُعتبر الولايات الشمالية والشمالية الغربية من الهند المناطق الأكثر وفرة في أضرحة الصوفية، وإن كانت المناطق التي تمثلها اليوم ولايات مهراشترا وكوجرات وراجستان وأوتار براديش صاحبة العدد الأكبر من الأضرحة، وبصفة خاصة في مدن دلهي وأجمر ومومباي وأحمد آباد.
وتجتذب الأضرحة الملايين من النساء والرجال، وعند بوابتها تتزاحم خطى المسلمين مع الهندوس وبعض من السيخ وقليل من المسيحيين، الكل تدفعه الرغبة في "الشفاعة" والتوسل للشفاء من أمراض الدنيا ونكبات الزمان؛ بعضهم جاء ليُشفى من نزلة برد، وبعضهم حلَّ ليجد علاجًا لأورام السرطان.
والمئات من هؤلاء يجلسون في الضريح لشهور متتالية لا يأكلون ولا يشربون، قوتهم الوحيد أوراق النبات المبعثرة في الضريح علَّها تحمل في مسامها أمصال الشفاء.
عند أبواب الأضرحة وعلى عتبات القبور يُقابلنا المخبولون مكبلين بالسلاسل يطوفون حول القبر أملًا في الشفاء، كما نعثر في زوايا هذه الأضرحة على نساءٍ عاقرات منشغلات بالدعاء والتوسل، أو يأملن في إنجاب الذكور في مجتمع لم يتخلص بعد من عادة وأد الإناث.
هنا أيضًا يُقابلك التجار الأثرياء يقصدون الأضرحة أملًا في تجارة لا تبور وأموال لا تنقطع.
البعض يأتي ليفرق الطعام على الفقراء بعدما استُجيب دعاؤه، ونساء أخريات أتين لتقديم العطايا والشكر بعد أن تركت الجن أجسادهن، وآخرون يرجون في التمسح بالقبر شفاءً لأبنائهم من سطوة المخدرات.
يمضي بنا الكتاب بين هذه الصور المدهشة فينتقل بنا من غرب الهند إلى شمالها ليصل إلى ضريح الغازي مسعود في ولاية أوتار براديش ليطلعنا على مئات الالتماسات الورقية المعلقة في حوائط المقبرة تسأل الغازي تلبية الحاجات، ومن لم يستطع المجيء أرسل مسألته مع من تمكن من الوصول.
وفي أيام الاثنين والجمع يتم غسل قبر الغازي مسعود قبيل صلاة الفجر، ويتم دفع مياه الغسل عبر قناة تنتهي في مسبح عند شجرة صندل؛ الشجرة للتبرك والتمسح، والمياه ليغترف منها "الحجاج" فيغسلون أعينهم ومواطن آلامهم، كما يملؤون منها القوارير ويحملونها أميالًا بعيدة إلى ذويهم ومحبيهم.
عبر القرون السبعة الماضية مرَّت العلاقة بين شيوخ الصوفية وأضرحتهم والسلطة بمراحل متفاوتة، وإن ساد أغلبها التوافق والانسجام.
وقد بدأ هذا الانسجام منذ زمن السلطان محمود تغلق في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي حين حرص على زيارة ضريح الشيشتي في أجمر، وذلك بعدما أخمد تمردًا في الإقليم المحيط به.
وقد بدا جليًّا حينها أن الزيارات المتكررة للسلطان محمود تهدف إلى تعزيز شعبيته السياسية وليست لأهداف دينية كما كان يظن عوام الناس.
وقد ظهرت تلك العلاقة بوضوح خلال عهد جلال الدين أكبر (1556–1605) الإمبراطور المغولي الذي اعتبر ضريح الشيشتي حاميًا للأسرة المغولية؛ إذ لم يكن يداوم على زيارة الضريح لأسباب سياسية فحسب، وإنما لأن الرجل كان مؤمنًا — حسبما يرى الكتاب — بعظم تأثير الشيشتي النفسي، فخصص للضريح زيارتين أو ثلاثة كل عام، وذلك في كل مرة كان يخرج فيها للغزو، أو حين يتجه خصيصًا للتوسل لدى الضريح بأن يرزقه الله الذكور.
وبعد جلال الدين أكبر استمر السلاطين في إظهار احترامهم للأضرحة فأضافوا العديد من المباني الجديدة، وأهدوا القدور النحاسية الضخمة لطهي الطعام للفقراء، كما أقاموا المساجد في الأضرحة.
غير أن بعض حكام الهند المسلمين كان له موقف رافض لطقوس زيارة الأضرحة وما يجري خلالها من تجاوزات تمس أسس التوحيد، ومن ثم لم يكترثوا بأن يستمدوا شعبيتهم من ورائها.
وهكذا فعل إمبراطور الهند الشهير أورانزيب (1669–1707)، الذي غدت الأضرحة في عهده أخربة تسرح فيها الحيوانات البرية بعدما أمر بألّا تُقام فيها الصلوات، وأوقف التبرك بها، وحال دون مشتبهات الشرك والبدع التي جعلته يرى المسلمين متشبهين بالهندوس في عبادتهم للأصنام.
وفي العصر الحديث استمرت الأضرحة تُستغل سياسيًّا، فقد دعمها الاستعمار البريطاني في إقليم السند (باكستان) لضمان بقاء نفوذه في ذلك الإقليم، ثم جاء زعماء الانفصال الإسلامي الساعون لتشكيل باكستان، وتعاونوا مع رعاة الأضرحة (الخدم) لدعم حركتهم والاستفادة من نفوذهم على الجماهير.
كما غدت الأضرحة في السنوات الأخيرة نموذجًا للتعايش بين الهندوس والمسلمين، حتى إن الكتاب يكاد يقول إن الحفاظ على دورها سيشكل السور الخارجي الذي سيوقف تسلل الأفكار الوهابية من شبه الجزيرة العربية إلى شبه الجزيرة الهندية.
تتدفق على مئات الأضرحة عشرات الملايين من الروبيات كل عام، بعضها يُنفق على صيانة الأضرحة، وبعضها يعود على الفقراء في الوجبات المجانية، وكثير منها يصب في جيوب سدنة الأضرحة ممن يسمون أنفسهم خدام الشيخ والمحتكرين لهذه المهنة عبر القرون السبعة الماضية.
ويحتل خدم الضريح مكانة بالغة الأهمية ليس فقط لتحكمهم في الموارد المالية التي تأتي من العطايا والهبات والنذور، ولكن لأنهم يمثلون في ذات الوقت حلقة الوصل "الروحية" بين الزوار والضريح، ودونهم تقع طبقة الخدم الفعليين الذين يقومون على نظافة الأضرحة وسقاية المياه وعزف الموسيقى.
يجد الكتاب في الأضرحة عالمًا مصغرًا للترتيب الطبقي الذي يعرفه المجتمع الهندوسي، فهنا تناظر طبقة البراهمة الهندوسية طبقة الأشراف الإسلامية (الذين يمدون نسبهم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام) ويقومون على إدارة الضريح من سلالة الشيخ الولي.
أما طبقة الخدم الوسيطة بين الزوار والضريح فتناظر طبقة ملاك الأراضي الثرية في المجتمع الهندوسي. وفي أدنى الطبقات يأتي القائمون على نظافة الضريح وخدمة السقاية كمقابل لطبقة المنبوذين في المجتمع الهندوسي.
ولا يزال الكتاب يطوف بنا في ذلك العالم السري للأضرحة فيقدم لنا أمثلة عديدة على النزاع الدائر بين هيئات الوقف الإسلامية والقائمين على إدارة الأضرحة؛ فمجلس الأوقاف في أوتار براديش رغم ما يعلنه من تحفظ على ما يجري من طقوس غير توحيدية في الأضرحة، لا يتورع -يغمز الكتاب- عن منازعة القائمين على الأضرحة مواردهم باعتبار الأضرحة من الوقف الإسلامي.
ولا تشمل الموارد المالية فقط تبرعات الزائرين وأرباح بيع الزهور والأغطية الحريرية التي يضعها الزائرون على القبور ويعاد بيعها بعد انصراف الزوار؛ بل وآلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية التي أوقفت للأضرحة في عصور سابقة من الحكم الإسلامي للهند، وتدر دخلًا هائلًا من الإيجار السنوي.
على ضفاف بحيرة دال في مدينة سرينغار بكشمير يقع ضريح "حضرة بال" الذي يحوي شعرة يُدّعى أنها للنبي محمد صلى الله عليه وسلم اشتراها تاجر كشميري من حاج هندي جاء بها من المدينة المنورة عام 1699.
منذ ذلك التاريخ اعتُبرت الشعرة دليلًا على تحول كشمير إلى وطن جديد للرسول، بل ومدينة منورة ثانية. وهكذا لم يعد هناك مبرر للبعض في كشمير لتكبد مشقة السفر الطويل إلى المدينة الأولى في صحراء شبه الجزيرة العربية، فالحج هنا أقرب مكانًا وأقل مشقة وأدنى تكلفة.
في ديسمبر 1963 سُرقت الشعرة من الضريح، واشتعل وادي كشمير هياجًا، وشاركت في الاضطرابات كافة الأطياف الغاضبة على حادثة السرقة بما فيها جماعة أهل الحديث رغم تشكيكها سلفًا في أن الشعرة المذكورة تخص الرسول حقًّا، كما شارك شيعة الوادي بحماسة شديدة.
وحينما باتت المنطقة على شفا الانفجار توجه جواهر لال نهرو بخطاب إلى أهل كشمير سائلًا إياهم ضبط النفس، وناشد القوات الخاصة سرعة القبض على اللصوص وإحضار الشعرة، وهو ما تحقق بالفعل وأعادت القوات الخاصة الشعرة في ظروف غامضة في يناير 1964.
هناك جذور قديمة للتحفظ على الطقوس غير التوحيدية التي تجري في الأضرحة، لكن الموجة الحديثة من هذه الاعتراضات تعود إلى منتصف القرن الثامن عشر على يد الشيخ شاه ولي الدين (1703–1762) الذي أسس مدرسة فكرية تمكنت في نهاية القرن التاسع عشر من إخراج مطبوعة سميت "البلاغ المبين" تنتقد ما أسمته محاكاة المسلمين لعبادة الأصنام الهندوسية.
فتغطية قبور الأضرحة بالحرير والأقمشة المطرزة تقليد هندوسي قديم، كما أن التضرع وتقبيل العتبات ورفع الأعلام الملونة حين الزيارة لا يختلف عما يحدث من الهندوس حين يتضرعون لأصنامهم، كما انتقدت "البلاغ المبين" تقديم الزهور والحلوى في الأضرحة باعتباره تقليدًا حرفيًّا لما يجري في المعابد الهندوسية.
كما أن الاحتفال بمولد الإمام علي رضي الله عنه يناظر احتفال الهندوس بمولد الإله كريشنا، وكذلك فإن الهندوس حين ينادون على الإله راما بقولهم "العون يا راما" يأخذ منها بعض مسلمي الهند نداءهم "مدد يا علي".
وتكتمل صورة المحاكاة والتشابه مع الموروثات التعبدية بعزف الموسيقى في الأضرحة الذي يناظر ذات التقليد في المعابد الهندوسية.
أما انصياع الزوار للقائمين على الأضرحة -حتى إن الواحد منهم مستعد لتجرع كأس من السم قرير العين بحسب الكتاب- فما هو إلا نسخ لما يجري من امتثال زوار المعابد الهندوسية للوسطاء بينهم وبين أصنام الآلهة.
ولعل هذا ما جعل بعضًا من زوار الأضرحة -يدلل الكتاب- يساقون إلى تعاطي الحشيش كسبيل للوصول إلى لذة العشق وغاية التوحد والتخلص من الآلام.
ولا يتبقى في المحاكاة إلا تأكيد "البلاغ المبين" في الهند بأن الطواف حول الأضرحة يتم مع عقارب الساعة على طريقة المعابد الهندوسية وليس عكس عقارب الساعة كما هي الحالة الإسلامية حين يطوف المسلمون حول الكعبة مثلًا.
وفي النهاية فإن الكتاب الذي بين أيدينا يبدو محايدًا في رحلته المثيرة في عالم الأضرحة، وهو يعود بنا إلى التاريخ ليستلهم النماذج ويتتبع مسارات الأفكار، كما يستقي من الحاضر لقاءات ميدانية مع حجاج الأضرحة.
لكن يجب التنويه إلى أنه بين السطور يمتزج العلم بالخرافة، والأساطير بالطقوس، فيخرج القارئ وقد صار أكثر تعاطفًا مع ذلك العالم الكرنفالي الغارق في طقوس الأبخرة والتمائم، والمحاط من كل صوب بألوان من البشر مختلفي الديانة والأعراق.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة