4-4-2026 | 12:30
ولاء الكومي
تعد قصة الفنان القدير عادل خيرى واحدة من أكثر القصص إثارة للشجن فى تاريخ الفن المصرى؛ فهى قصة تختزل معنى «الضاحك الباكى» فى أبهى وأقسى صورها.. هو الفنان الذى لم يمنحه القدر سوى 7 سنوات فقط من العطاء الفنى، لكنه استطاع خلالها أن يثبت أن العبرة ليست بطول المشوار، بل بعمق الأثر، عادل خيرى لم يكن مجرد ممثل كوميدى، بل كان «مشروعاً فنيًا» متكاملًا، ما جعل جيل الخمسينيات والستينيات يرى فيه الأمل المتجدد للمسرح المصرى.
ولد عادل بديع خيرى فى حى «روض الفرج» العريق بالقاهرة فى 25 ديسمبر 1931، لم تكن ولادته عادية فى أسرة عادية، بل ولد فى «محراب الفن»؛ فوالده هو الزجال والمؤلف المسرحى والسينمائى الأسطورى بديع خيرى، العقل المدبر ورفيق كفاح الفنان نجيب الريحانى، حيث نشأ عادل وهو يرى عمالقة الفن يترددون على منزله، وتشرب أصول الكوميديا الراقية منذ صغره.. ورغم هذا الشغف الفنى المتأصل، كان والده حريصاً على أن يتسلح ابنه بالعلم الأكاديمى، فسلك عادل طريقاً دراسياً شاقاً ومتميزاً وتخرج فى كلية الحقوق بجامعة القاهرة، حيث كان عضواً بارزاً فى فريق التمثيل الجامعى، وحصل على شهادة ليسانس الحقوق، لم يكتفِ بالليسانس بل تعمق فى الدراسة الأكاديمية وحصل على دبلوم الاقتصاد السياسى، كما حصل على دبلوم الشريعة الإسلامية، وهو ما منحه لغة عربية رصينة وثقافة واسعة ظهرت لاحقاً فى أدائه الإذاعى والمسرحى.
الصراع بين «روب المحاماة» و«خشبة المسرح»
بعد تخرجه، وبناءً على رغبة والده الذى كان يخشى عليه من تقلبات الفن، افتتح عادل خيرى مكتباً للمحاماة بالتعاون مع زوجته المحامية إيناس حقى، وهنا بدأت واحدة من أطرف المفارقات الكوميدية فى حياته.. كان عادل قد بدأ بالفعل يحقق شهرة واسعة فى المسرح، وعندما كان يذهب للمحاكم ليترافع فى القضايا، كان بمجرد دخوله القاعة تنقلب الهيبة إلى نوبات من الضحك الهستيرى من قبل الحاضرين وحتى الموظفين، الذين كانوا يستحضرون «إيفيهاته» المسرحية وشخصياته الهزلية.. شعر عادل أن وجوده فى المحكمة يضر بمصالح موكليه ويقلل من هيبة القضاء، فما كان منه إلا أن أغلق المكتب نهائياً، معلناً انحيازه التام للمسرح، قائلاً لزوجته: «الجمهور لا يرى فيّ محامياً، بل يرى سليمان الزعفرانى».
مدرسة الريحاني بروح «خيرى» الشابة
كانت نقطة التحول الكبرى حين شاهده الفنان نجيب الريحانى وهو يمثل فى الجامعة، فأعجب بموهبته الفطرية وضمه لفرقته، حيث اتفق الريحانى مع عادل على إرساله إلى إيطاليا لدراسة الإخراج المسرحى ليكون خليفته الفنى، وبالفعل سافر عادل، ولكن القدر كان أسرع؛ فقد توفى الريحانى وعاد عادل ، وبتشجيع من والده ومن الفنانة الكبيرة مارى منيب، تصدى عادل خيرى لمهمة إعادة تقديم تراث الريحانى.. لم يكن الأمر سهلاً، لأن الجمهور كان يقارنه بالعملاق الراحل، لكن عادل نجح فى الاختبار بامتياز.. تميز عادل بالتنوع المذهل من خلال قدرته على تجسيد الشخصيات المتناقضة ببراعة.
عائلة الأبطال الرياضية والفنية
كانت حياة عادل خيرى الشخصية لا تقل تميزاً عن حياته الفنية.. تزوج من إيناس حقى، وهى شخصية استثنائية؛ فهى محامية وبطلة عالم فى السباحة وعابرة للمانش عام 1955.
هذا التفوق الرياضى ورثته ابنتهما عبلة خيرى، التى حققت إعجازاً تاريخياً بعبورها المانش عام 1974، وهى فى سن الثالثة عشرة فقط لتصبح أصغر سباحة فى العالم تحقق هذا الإنجاز، أما ابنته عطية خيرى، فقد اختارت طريق الفن ولكن من خلف الكاميرا، حيث تخصصت فى الرسوم المتحركة والجرافيك، وأصبحت مخرجة متميزة.
الروائع الفنية والآثار الخالدة
رغم السنوات السبع، ترك عادل خيرى رصيداً ضخماً يتوزع بين المسرح والسينما والإذاعة ومن أبرزها: مسرحية «إلا خمسة» هى أشهر وأفضل مسرحياته الفنية، ومن خلالها قدم شخصية «سليمان الزعفرانى» أمام العملاقة مارى منيب (شماردار).. ومنها خرج الإيفيه التاريخى «عبده.. أنتى اشتغلى إيه؟ سواقة يا هانم سواقة».
كما قدم مسرحية «حسن ومرقص وكوهين»، جسد فيها دور «عباس» الذى يرث ثروة ويحاول أصحاب العمل استغلاله، وهى من كلاسيكيات الكوميديا الاجتماعية.
ومسرحية «30 يوم فى السجن» فى دور «أمشير»، التى أثبت فيها قدرة فائقة على الحركة المسرحية والتوقيت الكوميدى.
فى السينما قدم عدة أفلام رائعة منها:
فيلم «لقمة العيش» (1960) يعتبر من أهم أفلام الكوميديا العربية، حيث جسد دور «فتحى» الذى يضطر للتنكر فى زى امرأة «فتحية» ليساعد صديقه (صلاح ذو الفقار) فى الحصول على وظيفة.
فيلم «البنات والصيف» شارك مع المخرج عز الدين ذو الفقار، وقدم شخصية الزوج الساذج «عمر» صاحب الإيفيه الشهير «وماله يا فافى.. حاضر يا فافى».
الإبداع الإذاعى والتأليف
قدم للإذاعة مسلسلات مثل «على الزبيق» و«الأزواج الثلاثة»، كما أظهر براعة فى التأليف من خلال مسلسل «حلقات فكاهية» وفيلم «أنا وأنت» للنجم إسماعيل ياسين، مما يؤكد أنه كان يمتلك فكراً درامياً وليس مجرد موهبة تمثيلية.
الوجه الخفى والمأساة الصحية
كشفت ابنته عطية عن جوانب لم يعرفها الجمهور؛ فقد كان والدها يمتلك صوتاً رخِيماً فى ترتيل القرآن الكريم، وكان زجالاً موهوباً يكتب الأشعار والزجل الساخر كوالده، ولكنه تعرض لظروف صحية قاسية فى نهاية حياته، كان عادل يواجه الموت بالمسكنات القوية ليتمكن من الوقوف على المسرح وإضحاك الناس بينما هو يتمزق داخلياً.
مشهد الوداع الأخير على الخشبة المسرح
فى أواخر أيامه، اشتد عليه المرض ومنعه الأطباء من الحركة، وحل محله فى المسرح الفنان محمد عوض لكن عادل، الذى كان المسرح يجرى فى عروقه مجرى الدم، لم يتحمل البقاء فى المستشفى.
ذهب ذات ليلة إلى المسرح، واختبأ خلف الكواليس ليشاهد جمهوره.. وعندما انتهى العرض، علم الجمهور بوجوده، فصعد إلى خشبة المسرح بصعوبة بالغة، استقبله الجمهور بتصفيق حاد وزلزال من المحبة استمر لعدة دقائق فى تلك اللحظة، لم يتمكن «صانع البهجة» من تمالك نفسه، فانهمرت دموعه بغزارة وهو ينظر إلى القاعة وكأنه يودع كل كرسى وكل مشاهد كانت تلك هى المرة الأخيرة التى يلامس فيها عادل خيرى خشبة المسرح.
رحيل الجسد وبقاء الأثر
فى 12 مارس 1963، رحل عادل خيرى عن عالمنا وهو فى ريعان شبابه عن عمر يناهز 32 عاماً، رحل الشاب الذى ضحى بصحته من أجل فن يحبه، وترك وراءه فراغاً لم يستطع أحد ملأه بنفس الكاريزما والتلقائية، عادل خيرى لم يكن مجرد «ابن الوز»، بل كان «فنان» غرد خارج السرب وأثبت أن الموهبة الحقيقية لا تموت برحيل صاحبها، تظل أفلامه ومسرحياته حتى اليوم مادة للضحك الراقى، ويظل اسمه محفوراً فى ذاكرة الفن المصرى كأيقونة للكوميديا التى جمعت بين رقى الثقافة وبساطة الروح المصرية.