11-4-2026 | 13:14
طه حافظ
لا تكتمل طقوس الاحتفال بالربيع فى وجداننا إلا بتلك الألحان الخالدة التى أصبحت «عطرا» مميزاً فى هذا الفصل؛ فمن ملحمة فريد الأطرش التى جسدت أصول الاحتفال، إلى شقاوة سعاد حسنى التى أعلنت «الدنيا ربيع»، وإبداع سيدة الغناء العربي أم كلثوم فى حضرة الطبيعة، ورقة ليلى مراد فى أغنياتها .. اجتمعت كل هذه القامات الغنائية لتشدو بأصواتها للربيع، فى هذا التقرير، تستعرض مجلة «الكواكب» «البانوراما» الفنية التى رسمها كبار النجوم احتفالا بهذا الفصل، لنكتشف كيف تحولت هذه الأغنيات إلى أيقونات عابرة للأجيال، تُعلن فى كل عام أن الفن هو الربيع الدائم فى قلوبنا.
فى البداية نبدأ من أغنية «الربيع» لفريد الأطرش هذه الملحمة الموسيقية الخالدة، التى كتب كلماتها الشاعر الكبير مأمون الشناوى عام 1949، هذه الأغنية التى أصبحت «نشيد الربيع الرسمى»، استطاع فيها فريد أن يمزج بين شجن العود وبهجة الإيقاع، ليرسم لوحة موسيقية ووصف فيها تفتح الزهور بعبقرية لحنية فريدة، الأغنية ليست مجرد وصف للطبيعة، بل هى قصة درامية كاملة تربط بين تفتح الزهور وذكريات الحب والفراق، حيث تبدأ بمقدمة موسيقية عبقرية تُحاكى أصوات العصافير ونسيم الجو.
قدمها فريد لأول مرة فى فيلم «عفريته هانم»، وباتت منذ ذلك الحين «أيقونة» حفلات عيد الربيع التى كان يحييها سنويًا.. تميزت الأغنية بتعدد المقامات الموسيقية والانتقالات الرشيقة بين البهجة والشجن، مما جعلها من أطول وأجمل ما غنى ولحن «ملك العود»، وما زالت حتى الآن مرتبطة باحتفالات شم النسيم.
كوكب الشرق تغنى للربيع بالفصحى
كما تعد أغنية «غنى الربيع» واحدة من أجمل روائع كوكب الشرق أم كلثوم التى احتفت فيها بجمال الطبيعة، وهى من كلمات الشاعر أحمد رامى وألحان الموسيقار رياض السنباطى، وقدمتها لأول مرة عام 1946.
تتميز هذه الأغنية بأسلوب «السنباطى» الراقي الذى دمج بين الكلاسيكية والبهجة، حيث يبدأها بمقدمة موسيقية تعبر عن تفتح الأزهار وعودة الحياة للكون.. يصف رامى فى كلماتها إشراق الدنيا مع قدوم الربيع، وكيف يبعث الأمل فى النفوس ويجدد مشاعر الحب، فتقول فى مطلعها: «غنى الربيع بلسان الطير.. رد النسيم والأرض حرير».. ظلت هذه الأغنية لسنوات طويلة ركيزة أساسية فى الإذاعة المصرية مع إشراقة شمس عيد الربيع.
العندليب الأسمر يشدو بروح الشباب
يبدو أن صوت العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ لم يترك أى نوع غنائى إلا وقام بغنائه وتعتبر أغنية «هلّ الربيع» من البدايات المشرقة للعندليب، وهى من كلمات الشاعر إبراهيم رجب وألحان عبد الحميد توفيق، قُدمت الأغنية فى مطلع الخمسينيات، وتعكس بوضوح نبرة التفاؤل والبهجة التى ميزت صوت حليم.
تتميز الأغنية بإيقاعها الخفيف والسريع الذى يواكب انطلاق الربيع، حيث يغرد فيها حليم للطبيعة والجمال، ورغم قصر مدتها مقارنة بكلاسيكيات الربيع إلا أنها نجحت فى تصوير حالة الانطلاق والمرح، وبقت وثيقة فنية تؤكد أن عبد الحليم كان من أوائل الأصوات التى نقلت «روح الشباب» للاحتفال بهذا الفصل.
«الدنيا ربيع» نشيد المصريين للبهجة
لا يمكن أن يمر فصل الربيع أو تشرق شمس «شم النسيم» دون أن تتردد فى الأفق تلك النغمات المفعمة بالحياة؛ فأغنية «الدنيا ربيع» للسندريلا سعاد حسنى لم تعد مجرد عمل غنائى عابر، بل تحولت إلى «أيقونة» فنية تتربع منفردة على عرش الأغنيات الاحتفالية فى الوجدان العربى والمصرى على حد سواء، حيث يكمن سر هذه الرائعة فى كلماتها التى أبدع فيها المبدع صلاح جاهين؛ حيث اعتمدت على اللغة العامية المصرية البسيطة والممتعة فى آن واحد.. حيث نجحت الأغنية فى ذكر المفردات الشعبية القريبة من الشارع، ودمجها فى قالب شعرى يلامس القلوب مباشرة، وتعكس روح التفاؤل التى يتميز بها الشعب المصرى، مما جعلها بمثابة نشيد للاحتفال بالربيع يردده الصغار والكبار فى كل عام.
منذ إنتاجها عام 1974 فى فيلم «أميرة حبى أنا»، أثرت أغنية «الدنيا ربيع» فى الثقافة المصرية، حيث أضفت جوًا من البهجة والفرح على الأجواء بأسلوبها الفريد والمميز، بداية من كلماتها المميزة تلخص جوهر الأغنية وتجسد روح الربيع والفرح الذى يملأ القلوب فى هذا الوقت من السنة.
يعود الفضل فى بقاء هذه الأغنية محفورة فى الذاكرة إلى ذلك التكامل الفريد بين ألحان الموسيقار كمال الطويل الرشيقة وبين أداء سعاد حسنى الذى اتسم بالعفوية والشقاوة المحببة، لقد منحت سعاد حسنى بصوتها وحضورها روحاً خاصة للعمل، جعلت منه مادة حية تعيد إحياء ذكريات الربيع الجميلة فى كل مرة تُبث فيها.
«الدنيا ربيع» ليست مجرد نغمات، بل هى حالة شعورية متكاملة، تظل برغم تعاقب الأجيال واختلاف الأذواق، العمل الذى يثبت يوماً بعد يوم أن الفن الصادق لا يشيخ أبداً، بل يزداد نضارة مع كل موسم تزهو فيه الأرض بألوانها.
سيد مكاوى و«الورد جميل»
بصوته الذى يشبه نسمات الصباح، خلد الفنان الكبير سيد مكاوى بهجة الربيع من خلال أغنية «الورد جميل»، التى باتت طقساً ثابتاً فى احتفالات المصريين بقدوم فصل النماء، الأغنية التى تتغنى ببساطة الجمال الفطرى فى الزهور، لامست القلوب بكلماتها السلسة: «الورد جميل.. وله أوراق عليها دليل من الأشواق»، لقد نجح مكاوى فى تحويل هذه الجملة الموسيقية إلى «أيقونة» لشم النسيم، حيث يمتزج فيها جمال الطبيعة بعمق المشاعر الإنسانية، لتبقى حية فى الذاكرة الجماعية كدليل حى على رقى الفن الذى يحتفى بالحياة.
أسمهان و«بدع الورد» فى الربيع
وبصوتها الرقيق، غنت الفنانة أسمهان «يا بدع الورد» وهى واحدة من أبدع أغنيات الورد والربيع، وهى من كلمات حلمى الحكيم وألحان فريد الأطرش، وجاء فيها: «يا بدع الورد يا جمال الورد من سحر الوصف قالوا عالخد»، هذا العمل ليس مجرد أغنية موسمية، بل هو «قصيدة بصرية» مسموعة، صاغ كلماتها الشاعر حلمى الحكيم بعناية فائقة، وصهرها الموسيقار فريد الأطرش فى قالب لحنى يجمع بين الفخامة الأوبرالية والروح الشرقية الساحرة.
ليلى مراد تعلن بداية الاحتفال
فى كل احتفال بـ «شم النسيم»، تبرز قصيدة «موكب الربيع» كعمل فنى مختلف فى أرشيف الأغنية المصرية، حيث قدمتها الفنانة ليلى مراد بصوتها المخملى الذى يمتلك رقة وعذوبة، هذا العمل ليس مجرد أغنية وصفية للطبيعة، بل هو «لوحة غنائية» متكاملة الأركان، كتب كلماتها الشاعر العوضى الوكيل بلغة أدبية رفيعة، ووضع ألحانها الموسيقار محمد سلطان برؤية فنية جمعت بين الأصالة والحداثة.
محمد فوزى والحب فى الربيع
محمد فوزى أيضا كان له نصيب من أغنيات الربيع بأغنيته الشهيرة الاستعراضية «الحب له أيام» كلمات أبو السعود الإبيارى التى شاركه فيها الفنانة شادية والفنان إسماعيل ياسين والتى تقول كلماتها «الحب له أيام وله فصول ومواسم بين صيف وشتا يا غرام ييجى الربيع الباسم».
موسيقار الأجيال وتصويره العبقرى للطبيعة
لم يكن احتفاء موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب بفصل الجمال مجرد شيء عابر، بل كان انحيازاً لكل ما هو مبهج ومتجدد فى الحياة، وهو ما تجلى بوضوح فى رائعته «هليت يا ربيع»، هذه الأغنية التى كتب كلماتها صديقه الشاعر الغنائى الكبير حسين السيد، لم تكن مجرد وصف لموسم بعينه، بل كانت دعوة صريحة للتفاؤل والاستمتاع بسحر الطبيعة، وعبر صوته الذى يجمع بين الوقار الطربى والرقة العذبة، استطاع عبد الوهاب أن يمنح «الربيع» هيبة فنية خاصة، عندما يشدو بمقطعه الشهير: «هليت يا ربيع وهل هلالك.. نبهت الورد وكان نايم»، نشعر بتلك الحيوية التى يبثها اللحن فى الطبيعة، وكأن الموسيقى هى التى توقظ الزهور من غفوتها، لقد نجح عبد الوهاب فى تطويع الجملة اللحنية لتعلن قدوم الفصل الربيعى واضعاً بصمته العبقرية التى جعلت من الأغنية طقساً سماعياً لا غنى عنه فى احتفالات شم النسيم.
فيروز.. نسمة ربيع قادمة من لبنان
وفى ختام هذا الاحتفال الغنائي المهيب للربيع، لا يمكن أن تكتمل بهجة الربيع دون صوت «فيروز»، التى أطلت برائعتها «الربيع زار هذى الديار»، هذه القصيدة التى أخرجها للنور الأخوان رحبانى بعناية فائقة، لم تكن مجرد أغنية بل كانت «لوحة خضراء» رسمتها فيروز بصوتها الساحر، حيث غنت: «الربيع زار هذى الديار، وكساها اخضرارا»، بأدائها الملائكى، أضفت فيروز لمسة لبنانية شاعرية فريدة على الأغنيات الموسمية، لتنقل المستمع من أجواء المدن إلى رحاب الطبيعة البكر والجبال المكسوة بالجمال.
ومع صوتها، يختتم الربيع حكايته الفنية، مؤكداً أن الفن الراقى هو اللغة المشتركة التى تحتفى بالحياة وتجدد الأمل فى النفوس مع كل إشراقة ربيع.