يشهد الاقتصاد العالمي حاليا حالة ارتباك أعادت إلى الأذهان أزمة سبعينيات القرن الماضي مع ارتفاع أسعار النفط ما أدى إلى زيادة تكلفة البنزين والديزل ووقود الطائرات، مهددة بعودة الركود التضخمي، وهو مزيج من ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو الذي جعل الحياة الاقتصادية بائسة قبل نصف قرن وفق تقرير وكالة "أسوشيتد برس" الأمريكية.
وذكرت الوكالة الأمريكية أنه رغم أن صدمة الطاقة الحالية المرتبطة بإيران كان يمكن أن تكون أسوأ، إلا أنها بالفعل تقلق السائقين خاصة الأمريكيين الذين يدفعون 4 دولارات أو أكثر لكل جالون من البنزين، بخلاف المزارعين الأوروبيين الذين يواجهون ارتفاعًا حادًا في أسعار الأسمدة، وبائعي الشوارع في الهند الذين لا يستطيعون الحصول على ما يكفي من الغاز لطهي أطباقهم.
وتابعت الوكالة أن ما زاد الأزمة تعقيدًا هو قرار إيران بالرد على الحرب التي بدأت في 28 فبراير الماضي من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، عن طريق إغلاق إيران مضيق هرمز فعليًا، الذي كان يمر عبره 20 مليون برميل من النفط يوميًا، أي ما يعادل خُمس الإنتاج العالمي.
وقدّر مدير مركز الطاقة والاقتصاد في بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس لوتس كيليان، أن نحو 5 ملايين برميل يوميًا يمكن إعادة توجيهها من الخليج إلى البحر الأحمر أو الاستمرار في المرور عبر مضيق هرمز، لكن هذا لا يزال يعني غياب نحو 15 مليون برميل يوميًا، أو 15% من الإنتاج العالمي.
على جانب آخر، تقول "أسوشيتد برس"، إن التغيرات التي أجرتها الولايات المتحدة ودول أخرى خلال العقود الخمسة الماضية ساهمت في الحد من التداعيات الاقتصادية للحرب الحالية، ففي 1973، كان النفط يمثل نحو 46% من إمدادات الطاقة العالمية، بينما تراجعت هذه النسبة إلى 30% بحلول 2023، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية.
وقالت أستاذة الأبحاث في مركز الشؤون العالمية بجامعة نيويورك إيمي مايرز جافي: "لدينا الآن عقود من الخبرة في التعامل مع مثل هذه الصدمات النفطية"، لكن لا يزال العالم يستهلك النفط أكثر من أي وقت مضى، حيث تجاوز الاستهلاك 100 مليون برميل يوميًا العام الماضي مقارنة بأقل من 60 مليون برميل يوميًا في 1973، إلا أن حصة أكبر من الطاقة العالمية تأتي الآن من مصادر أخرى مثل الغاز الطبيعي والطاقة النووية والطاقة الشمسية.
وقلّصت الولايات المتحدة بشكل خاص اعتمادها على النفط الأجنبي، بعد صدمة النفط في حرب 1973، حين كان إنتاج الطاقة المحلي الأمريكي في تراجع، وكانت البلاد تعتمد بشكل متزايد على الواردات، لكن ظهور تقنية التكسير الهيدروليكي، وهي ضخ المياه عالية الضغط في أعماق الأرض لاستخراج النفط أو الغاز، أعاد تنشيط الإنتاج في القرن 21، وبحلول 2019 أصبحت الولايات المتحدة مُصدرًا صافيا للنفط.
وترى "أسوشيتد برس" أن "الاقتصاد الأمريكي في وضع أفضل بكثير مما كان عليه في السبعينيات"، عندما كان "عرضة بشكل خاص لصدمة أسعار النفط"، حيث أن الولايات المتحدة كانت تحصل في أوائل السبعينيات على نحو 20% من الكهرباء من النفط، لكن قانونًا صدر في 1978 حظر استخدام النفط في محطات الكهرباء، وأصبحت البلاد لا تعتمد عليه اليوم تقريبًا في توليد الكهرباء.
وفي 25 نوفمبر 1973، خاطب الرئيس الأمريكي آنذاك ريتشارد نيكسون، داعيًا إلى اتخاذ إجراءات تقشفية، منها إغلاق محطات الوقود خلال عطلات نهاية الأسبوع لتقليل الاستهلاك، كما طلب من الكونجرس خفض الحد الأقصى للسرعة إلى 50 ميلًا في الساعة (ليتم تحديده لاحقًا عند 55)، وحظر الإضاءة غير الضرورية، بل وتعهد بتقليل إضاءة البيت الأبيض، ورغم تلك الذكريات، فإن تكرار مشهد طوابير البنزين أو تقنين الوقود في الولايات المتحدة اليوم "غير مرجح للغاية".
واتخذت دول أخرى إجراءات صارمة، حيث خفّضت المملكة المتحدة أسبوع العمل إلى 3 أيام، وطلبت فرنسا إطفاء الأنوار ليلًا، بينما أقرت اليابان قوانين لرفع كفاءة استخدام الطاقة في مختلف القطاعات، وشجعت اليابان أيضًا استخدام الغاز الطبيعي المسال والطاقة النووية، رغم أن هذا المسار تعرض لانتكاسة بعد كارثة فوكوشيما في 2011، وتحتل اليابان المرتبة 21 عالميًا في استهلاك الطاقة للفرد، بينما تحتل الولايات المتحدة المرتبة التاسعة.
وتشير "أسوشيتد برس" إلى أن الحكومة الأمريكية بدأت في فرض معايير كفاءة الوقود في 1975، حيث ارتفع متوسط الكفاءة من 13.1 ميل لكل جالون إلى 27.1 ميل في 2023، وفقًا لوكالة حماية البيئة، كما أدت صدمات السبعينيات إلى البحث عن النفط خارج الشرق الأوسط، مثل ألاسكا وبحر الشمال وكندا، ومع ازدهار التكسير الهيدروليكي، ارتفع إنتاج النفط الأمريكي من 5 ملايين برميل يوميًا في 2008 إلى 13.6 مليون برميل العام الماضي، كما تضاعف إنتاج الغاز الطبيعي.
كما بدأت الدول في تخزين النفط وإنشاء وكالة الطاقة الدولية في 1975 لتنسيق الاستجابة للأزمات، وخلال الشهر الماضي وافقت 32 دولة على ضخ 400 مليون برميل في الأسواق، منها 172 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي.
وتعلمت البنوك المركزية أيضًا دروسًا مهمة، ففي السبعينيات خفضت أسعار الفائدة لدعم الاقتصاد، لكنها تجاهلت أثر ارتفاع الطاقة، ما أدى إلى تفاقم التضخم.
ورغم كل هذه التغيرات، يحذر سام أوري، المدير التنفيذي لمعهد سياسة الطاقة بجامعة شيكاغو من أن "النفط لا يزال هو الوقود الأول في الاقتصاد الأمريكي"؛ إذ تعتمد السيارات والطائرات والشاحنات والسفن على النفط في نحو 90% من الطاقة المستخدمة في النقل، ما يجعل الاقتصاد عرضة لأي اضطراب في الأسعار عالميًا.
وأشار أوري إلى أن دونالد ترامب يعمل على إلغاء العديد من السياسات التي تهدف إلى تقليل الاعتماد على النفط وتعزيز استخدام السيارات الكهربائية، حيث أنهى مشروع قانون الضرائب العام الماضي الحوافز التي تصل إلى 7,500 دولار لشراء السيارات الكهربائية، كما اقترح تخفيف معايير كفاءة الوقود وإلغاء الغرامات على الشركات غير الملتزمة.
وقال أوري: "إذا جمعت كل ذلك معًا، فإن الولايات المتحدة تسير في الاتجاه المعاكس لتعزيز حماية اقتصادها من صدمات النفط وتقلبات أسعاره".