الجمعة 8 مايو 2026

تحقيقات

«المراهنات الإلكترونية» اضطرابات نفسية وعصبية تقودك للانتحار.. علم النفس: الثراء السريع وسيلة لطموح الشباب

  • 8-5-2026 | 19:56

صورة تعبيرة عن المراهنات الإلكترونية

طباعة
  • كريم عرفه

_ «المراهنات الإلكترونية».. تبلغ نحو5% بين عموم السكان ويظهر عبر مختلف الفئات الاقتصادية

_  تزداد المراهنات بين الرجال في عمر 40–50 سنة مع تزايد ملحوظ في فئة الشباب في السنوات الأخيرة
_ أستاذ علم النفس: بعض المنصات تستخدم  «أسلوب الإغراء» عبر منح المستخدم بعض المكاسب المحدودة، لزيادة المبلغ والمخاطرة أكثر، ليدخل تدريجيًا في دائرة الخسارة المتكررة

إدمان القمار هو اضطراب سلوكي قهري مستمر يؤدي إلى اختلالات وظيفية في الجوانب الشخصية والاجتماعية والمهنية، يسبب ضرراً كبيراً للفرد وأسرته ومحيطه بما في ذلك تبعات مالية شديدة قد تصل إلى تفكك الأسرة، بسبب تطور التكنولوجيا وانتشار المنصات الرقمية ارتفعت معدلات انتشار هذا الاضطراب، كما يُشار إلى أن إدمان القمار ليس ناتجاً عن ضعف أخلاقي أو إرادي، بل هو حالة تتطلب تدخلاً علاجياً متخصصاً.

البيانات تشير إلى أن نسبة الانتشار تبلغ نحو5% بين عموم السكان ويظهر عبر مختلف الفئات الاقتصادية، كما يعد أكثر شيوعاً بين الرجال في عمر 40–50 سنة مع تزايد ملحوظ في فئة الشباب في السنوات الأخيرة، لكن مع مرور الوقت شهد إدمان «القمار» تطورًا كبيرًا ، حيث كان في الماضي مرتبطًا بالمقامرة التقليدية التي تقتصر على أماكن محددة مثل الكازينوهات وصالات اللعب، وكان الوصول إليها يتطلب وقتًا وجهدًا، كما كانت مقيدة بساعات عمل معينة، مما كان يمنح الشخص فرصة للتراجع أو إعادة التفكير قبل الانخراط في اللعب.


لكن مع التطور التكنولوجي وانتشار الإنترنت والأجهزة الرقمية، ظهرت «المقامرة الإلكترونية» التي جعلت القمار أكثر سهولة وانتشارًا من أي وقت مضى، فلم يعد الشخص بحاجة إلى الذهاب إلى «الكازينوهات» أو أماكن اللعب، بل أصبح بإمكانه الوصول إلى المراهنات الرياضية والكازينوهات الافتراضية وألعاب الفيديو التي تحتوي على عناصر قمار من خلال الهاتف أو الحاسوب وفي أي وقت من اليوم، وقد ساهم هذا التوفر الدائم في زيادة خطورة الإدمان، حيث لا توجد أوقات إغلاق أو رقابة مباشرة، مما يسمح بممارسة القمار في الخفاء مع شعور زائف بالخصوصية والأمان.

وسائل الدفع الإلكتروني والمحافظ الرقمية ساعدت أيضًا على تسهيل عمليات المقامرة، إذ تبدو الخسائر في البداية بسيطة وغير مؤثرة، لكن مع الاستمرار تتراكم بسرعة وتتحول إلى أزمات مالية خطيرة. ولا تقتصر آثار إدمان القمار الإلكتروني على الجانب المالي فقط، بل تمتد إلى العلاقات الأسرية والاجتماعية والنفسية.


القمار يدمر الدماغ:
شكل إدمان «القمار» خطرًا كبيرًا على الجهاز العصبي، حيث يؤدي إلى اضطرابات عصبية ونفسية تؤثر على سلوك الفرد ووظائفه العقلية والانفعالية بشكل واضح. ومن أبرز هذه التأثيرات ارتفاع مستويات القلق والتوتر، إذ يعاني المدمن من قلق مستمر، خاصة عند عدم القدرة على المقامرة أو عند مواجهة خسائر مالية متكررة، مما يجعله في حالة نفسية غير مستقرة.


كما يؤدي إدمان القمار إلى ضعف التحكم بالنفس وزيادة الاندفاعية، نتيجة حدوث خلل في مناطق الدماغ المسؤولة عن اتخاذ القرار وضبط السلوك، وهو ما يدفع الفرد إلى تصرفات سريعة وغير مدروسة، دون التفكير في العواقب، بالإضافة إلى ذلك، يؤثر القمار على نظام المكافأة في الدماغ، حيث يحفز إفراز الدوبامين بشكل مؤقت عند اللعب، مما يخلق شعورًا زائفًا بالمتعة، لكن مع الوقت يقل تأثير المتعة بالمكافآت الطبيعية الأخرى، مثل النجاح في العمل أو العلاقات الاجتماعية.


ويؤدي أيضًا إلى اضطرابات في النوم، مثل الأرق، وصعوبة النوم، أو النوم المتقطع، بسبب التفكير المستمر في القمار والقلق الناتج عنه، وفي الحالات الشديدة، قد يصل الأمر إلى زيادة خطر السلوك الانتحاري، نتيجة شعور الفرد بالعجز واليأس بسبب الخسائر المتراكمة وعدم القدرة على السيطرة على الإدمان، مما يجعل تأثيره لا يقتصر على الجانب النفسي فقط، بل يمتد ليصبح تهديدًا خطيرًا على حياة الإنسان.

د. ولاء لبيب : وهم الثراء السريع
من جانبها قالت دكتورة ولاء لبيب، أستاذ علم النفس بجامعة المنوفية، إن «المراهنات الإلكترونية» تزداد خطورة في السنوات الأخيرة بسبب ارتباطها بفكرة الثراء السريع، وهي الفكرة التي أصبحت تجذب قطاعات واسعة من بعض الشباب في ظل تأثير نماذج الرفاهية التي تُعرض على منصات التواصل الاجتماعي.

وأضافت فى تصريحات خاصة لـ«بوابة دار الهلال»، أن الصور والفيديوهات التي يراها المراهقون والشباب تعكس نمطًا ظاهريًا من النجاح والثراء، بينما قد لا تكون هذه المظاهر حقيقية بالكامل، بل ربما تكون مُفبركة أو مؤقتة أو مُعدة فقط لأغراض التصوير والاستعراض، مضيفةً: «تكرار التعرض لهذه النماذج، يبدأ الشاب في مقارنة نفسه بها، ثم يتولد لديه شعور بالحاجة إلى المال السريع لتحقيق صورة مثالية من النجاح يعتقد أنها معيار للتفوق».
وأشارت أستاذ علم النفس إلى أن المراهنات تحولت إلى وسيلة وهمية لتحقيق هذا الطموح، إذ يشعر الشاب أنه قادر على الوصول إلى المال أو النجاح بطريقة مختصرة، بعيدًا عن الجهد التدريجي والعمل الحقيقي.


وحول خطورة المراهنات أوضحت دكتورة ولاء، أن هذه الممارسة تحمل سمات سلوكية قريبة من الإدمان، حيث يصبح التفكير في المراهنة هو المسيطر على الذهن، مع رغبة متزايدة في الحصول على مبالغ أكبر، على أمل تحقيق مكسب أكبرـ مشيرةً  إلى أن في بداية الأمر، قد تستخدم بعض المنصات أسلوب الإغراء عبر منح المستخدم بعض المكاسب المحدودة، ما يدفعه إلى زيادة المبلغ والمخاطرة أكثر، ثم يدخل تدريجيًا في دائرة الخسارة المتكررة.

وقالت الدكتورة ولاء، إن بعض الشباب، بحكم الحماس والاندفاع وقلة الخبرة، يكونون أكثر عرضة للوقوع في هذا السلوك، حتى مع وجود التحذيرات من الأسرة أو المحيطين بهم، فالرغبة في التجربة، وإثبات الذات، والشعور المؤقت بالتفوق بعد الفوز، كلها عوامل قد تدفع الشاب إلى الاستمرار، رغم أن هذه “النجاحات” تكون وهمية ولا تستند إلى إنجاز حقيقي.

ونوهت أستاذ علم النفس أن الأثر لا يقتصر على الجانب المالي فقط، بل يمتد إلى تغيير نمط التفكير والسلوك، ثم التأثير في القيم والمبادئ تدريجيًا، إذ يبدأ الشخص بتقديم تنازلات صغيرة تفتح الباب أمام تنازلات أكبر، حتى يجد نفسه قد خسر ماله وطمأنينته ومعه جزءًا من منظومته الأخلاقية.

واختتمت ولاء تصريحاتها بأن أهمية الرسالة التوعوية  إلى الشباب  تؤكد ضرورة الاستماع لخبرات الآباء والأمهات والكبار، وعدم الانسياق وراء الظواهر الجديدة قبل فهم آثارها الحقيقية، مؤكدةَ أن المراهنات ليست مجرد وسيلة ترفيه عابرة، بل قد تكون مدخلًا إلى خسائر نفسية ومادية وتعليمية وأخلاقية، إذا لم يُنظر إليها بوعي وحذر.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة