الأحد 10 مايو 2026

مقالات

رحلةٌ إلى دلهي

  • 10-5-2026 | 14:28
طباعة


في رحلتي إلى دلهي في صيف 2005، كان أول ما زرتُ المعلم الأثري الشهير قطب منار؛ أي “منارة قطب”، والمنارة كما نعلم تعني مئذنة المسجد الممشوقة في السماء، وربما ارتبط معنى الإنارة بها لوجود مصدر ضوءٍ روحي في معناها الديني، وماديّ بوجود مصباحٍ منير في الليل على قمّتها، وهي بهذا تتشابه مع “الفنارة” التي تهدي السفن في البحر.


أما "قطب" فاسمه بالكامل قطب الدين أيبك، أحد حكام سلطنة إسلامية مملوكية في شمال الهند قبل 800 سنة (امتد حكمه لفترة قصيرة من 1206 إلى 1210).


قبل 8 قرون، لم تكن هناك في الهند وآسيا الوسطى فضائيات ولا صحف ولا إذاعة، وكانت الطريقة الشهيرة لإعلان انتصار نظام حكم جديد يتبنى عقيدة جديدة تتمثل في بناء صرح ضخم شاهق يعلن للجميع – بطريقة استعراضية لا تقبل الشك – تأسيس السلطة الجديدة وتمكين دينها الجديد.


تم الاعتماد على هذه الطريقة في نفس الفترة في بلاد ما وراء النهر، ولا سيما حينما تحوّل التتر عن الوثنية وعبادة الأرواح والاستعانة بالسحر والشياطين إلى عقيدة الإسلام، فشيّدوا عشرات من هذه المنارات في أقطار "القبيلة الذهبية"، ولقد تبقّى بعض منها إلى اليوم، كما في منارة "تيمور قطلوغ" في تركمنستان الحديثة.


أما منارة "قطب منار" التي تظهر معنا هنا، فتقع وسط زحام أثري مدهش، لا أذكر أنني استطعت أن أعطيها وقتًا غير زيارة سريعة، والسبب في ذلك أن دلهي نفسها – القديمة والحديثة – بها مئات المقاصد، فضلًا عن الرغبة في رؤية معالم تاريخية أخرى في بقية أقاليم الهند.


في السنوات الأخيرة ظهرت أهمية متجددة لدراسة هذه المنارات في الهند وآسيا الوسطى، لا سيما في فهم الوسائل التي كان يتبعها الحكام الذين اعتنقوا الإسلام حديثًا في تثبيت سلطانهم.


كما فُتح ذلك الباب واسعًا أمام النظر إلى منارات الهند وآسيا الوسطى كمفاتيح لدراسة تغيّرات خريطة العالم قبل 8 قرون ماضية.


فلسطين في دلهي


سافرتُ إلى الهند ومعي كتاب "وثائق فلسطين". هذا كتابٌ شهير لأحد أهم المفكرين في الهند؛ الباحث والمفكر والسياسي ظفر الإسلام خان. تعود قصة معرفتي بهذا الكتاب حين استعرته من أحد الأصدقاء في القاهرة في عام 2001، أي بعد صدور الكتاب بثلاثة أعوام. لا يمكنني أن أنسى تلك المجموعة الكبيرة من الخرائط التي عُرضت بطريقة مبسطة للفكرة، واستخدم المؤلف فيها لغة إنجليزية واضحة ومصطلحات بعيدة عن الصوت الزاعق.


أجمل ما في الكتاب صدق عنوانه؛ فهو مؤلف من نحو 900 صفحة لم يزعم فيها المؤلف تقديم حلول ولا أفكار ثورية. العنوان الذي اختاره المؤلف بكل أمانة يعكس هدفه، وهو "توثيق القضية الفلسطينية للمسلمين في الهند ولقراء اللغة الإنجليزية بشكل بحثي وبلغة مبسطة".


ها أنا في الهند، في منزل المؤلف؛ بيت بسيط نظيف في دلهي القديمة، حيث استقبلني الرجل وأكرمني بوجبة غذاء شهية وحلويات هندية أصيلة، وبعدها جلسنا لنحو 4 ساعات أطرح عليه عددًا من الأسئلة عن عالم الهند الكبير، وبصفة خاصة التوليفة الدينية والعرقية.


تلقّى "ظفر الإسلام خان" تعليمه في إنجلترا والأزهر، ويُعمل العقل النقدي بدلًا من الشعارات الرنانة، ويؤكد لك أن المسلمين في الهند أكثر فائدة ونفعًا من دولة كاملة مثل باكستان، التي أدى انفصالها إلى ضرر بليغ لملايين المسلمين الذين بقوا في العمق الهندي.


الرجل الذي يجيد الإنجليزية والأوردية والعربية له عشرات الكتب والمؤلفات والمقالات، يعرض نتائجها بنفس الهدوء الذي رأيته عليه أول مرة على شاشة قناة فضائية قبل لقائي به وجهًا لوجه.


هذا رجل يفند التفسيرات الحرفية للدين، ويعرف موقع بلاده ضمن بقية الأمم، ويؤكد لك أن الهنود بشكل عام تجمعهم وحدات إنسانية مشتركة، وكان يجب ألا تفرّق الأديان بينهم إلى هذا الحد الدموي الذي سبب كوارث إنسانية لكل الأطراف في شبه القارة الهندية.


أسّس "خان" ويرأس تحرير مجلة شهيرة تصدر بالإنجليزية اسمها "ميللي جازيت"، متخصصة في شؤون المسلمين في الداخل وربطهم بالعالم الخارجي وتفنيد الصور المشوهة التي تروجها عنهم صحافة الأحزاب الهندوسية.


في منتصف الحوار، توقف الرجل باسمًا، وأبدى دهشته وسألني: لماذا كل هذا الاهتمام بالهند وأنتم غارقون في قضية فلسطين، ولا وقت لديكم لتسألوا عنا هنا في هذه البلاد البعيدة؟


يرى "خان" أن المسلمين في الهند ليسوا معزولين عن قضايا العالم الإسلامي، ويتواجدون معها دومًا عبر تراث أممي اطّلع من خلاله المسلمون في الهند على وقائع العالم العربي، خاصة في رحلات الحج إلى مكة، التي كانت نافذة كبرى لهم للتعرف على العالم الإسلامي والمساهمة فيه، والاهتمام به على مستوى الفقه والفتوى.


ويذهب خان إلى أن الصورة المعروفة عن مسلمي الهند في العالم العربي ضعيفة وشحيحة، وربما تتحمل قضية فلسطين المركزية وزرًا من هذا التجاهل بسبب استقطابها الشديد للوعي العربي واستحواذها على كل شيء دون سواها.


ودّعت الرجل وشكرته على وجبتي العقل والبطن، وأخذت طريقي عائدًا إلى عنوان الفندق في دلهي الجديدة. في طريق العودة تعرّفت في الحافلة على شاب مسلم عشريني العمر، تشجعت وبادرته بالتحية الشهيرة "ناماستي"، مستعرضًا طريقة نطقي لها التي صرت أتقنها، مال الشاب عليّ ونصحني: "لا تقل هذا يا سيدي.. هذه تحية الهندوس لبعضهم البعض!"


قلت للشاب بنفس الصوت الهامس: لكنها تعني "أهلًا ومرحبًا"، وليس فيها أي شيء!


أجاب الشاب: بل تعني "أنا أصلّي إليك"، بل وتعني حرفيًّا "رأسي تحت قدميك".. ونحن كما تعلم لا نصلّي لأحد إلا الله!


لم يكن هناك من مشجع لاستكمال الحوار مع الشاب الطيب حرفي التفسير، ربما أقابله في سنوات لاحقة وتكون التجربة قد أثقلته وأصقلته. من منا لم يمر بتلك المراحل النزقة خلال مراحل عمره باختلاف الموضوعات الثقافية والدينية والقومية؟
وما بين نافذةِ الحافلة التي تُطلُّ على أمواجٍ من البشر لا تُفرِّق فيهم بين مسلمٍ وهندوسي، وبين صفحات النُّسخة الطازجة التي أهداني إيّاها ظفرُ الإسلام خان من كتاب "وثائق فلسطين"، أمضيتُ وقتَ العودة أُقلِّب في الخرائط.


في اليوم الثاني – ولا تزال تشغلني كلماتُ الشاب المسلم الذي قابلتُه في الحافلة – توجَّهتُ إلى واحدةٍ من دور النشر الهندية الكبيرة، واقتنيتُ بعضًا من الكتب الحديثة، وكان من بينها كتاب "نحيا معًا منفصلين".


نحيا معًا منفصلين


يحاول هذا الكتابُ الغوصَ في التقاليد المشتركة بين الديانتين، استنادًا إلى حقيقة أن الهند كانت الوطن الذي اخترع حكمة "عِشْ ودَع غيرَك يعيش" و"تحمَّل الآخر كي يَقبلك".


هكذا تبدو قضيةُ الكتاب الأولى: نقد حالة الانفصال التي يعيشها كلٌّ من المسلمين والهندوس عن بعضهم بعضًا، فالمشتركات الثقافية عميقة ومتنوعة، وهي تحتاج فقط لمن يفتِّش عنها.


يستهلُّ الكتاب أطروحته بالبحث عن الروافد التي غذَّت الخلافات الهندوسية-الإسلامية، ويرجعها إلى أربعة عوامل:


الأول: الاحتلال البريطاني الذي هزَّ استقرار التعايش بين الديانتين، وحوَّل التنافس المقبول بينهما إلى صدام وتناحر، انتفع منه واستفاد من فرقة المتخاصمين.


الثاني: تنامي المطالب الثورية ذات الغطاء الديني، التي تطوَّرت خلال النصف الأول من القرن العشرين، وتُرجمت في انفصال المسلمين عن الهند في دولة باكستان، التي انقسمت فيما بعد إلى باكستان وبنغلاديش، وفي سبيل ذلك الانفصال أُريقت دماء الأبرياء، وانتشرت مشاهد الدمار التي ما زال يحكيها الآباء للأبناء إلى اليوم.


الثالث: صعود الحركة القومية الهندوسية ومطالبها بأحادية الوجود والسيطرة، وقد تبدَّلت سريعًا لتصبح منذ ستينيات القرن العشرين ذات مشروع سياسي عدواني يهضم حقوق الأقليات.


الرابع: تفشِّي المفاهيم الطائفية في سبعينيات القرن العشرين، أمام بزوغٍ متواضعٍ للمفاهيم العلمانية التي تسعى لحماية حقوق الأقليات وسلام الأغلبية، ثم تحوَّلت المفاهيم والشعارات إلى ممارسات، فخرجت الجماعات المسلحة الطائفية بصورةٍ أسلمت معركة الأفكار لطلقات الرصاص.


وكانت هذه العوامل – كما يؤكد الكتاب – هي التي أوصلت الهند في مطلع التسعينيات إلى حالة "العار القومي"، حينما وقع الهجوم الدموي للهندوس على المسجد البابري في أيودهيا، وتدميره، في وقتٍ اكتفت فيه الأمة الهندوسية بمتابعة ما يجري في خزيٍ وذهول.


إنَّ ما جرى ليس أقل من صفعة لمفهوم التحمُّل والتسامح الذي افتخرت به الهند عبر التاريخ، والبطل هنا كان حزب الشعب الهندوسي بأفكاره القومية المتطرفة.


عبرَ عقودٍ مُتتالية منذ الاستقلال وتقسيم الهند وانفصال المسلمين في دولتي باكستان وبنغلاديش؛ وضعَ قادةُ حزب الشعب الهندوسي أعينَهم على عقول وقلوب الناشئة، وتمكَّن الحزبُ من إنشاء آلافِ المدارس التي تُغذَّى فيها عقولُ الطلاب بأحاديةِ الرؤية والتعصّب للقومية الهندوسية.


وأصرَّ الحزبُ على اعتبار كلِّ شيءٍ هنديٍّ بمثابة مُعلَمٍ هندوسيّ الأصل والديانة، وروَّج لأتباعه أن الأقلياتِ الدينيةَ الدخيلة على لُحمة الأمة الهندية «المسلمين والمسيحيين» غرباءُ متطفلون استغلاليون، دفعتهم الأطماعُ السياسية ومغرياتُ الهند الاقتصادية.


وهكذا أنجبت تلك المدارسُ اليومَ ملايينَ الأطفال واليافعين المملوئين كراهيةً تجاه الأقليات غير الهندوسية.


ويُقرُّ الكتابُ أنَّ جهودًا موازيةً لكتّابٍ هنودٍ لا تزال تكافحُ لتفنيد أكاذيب الأحادية الثقافية، وتقف في طريق المتطرفين والغلاة، معتبرًا أنَّ 4000 مجموعةٍ أنثروبولوجيةٍ غير هندوسية لها من الثقافة والتاريخ ما جعلها تتعايش في هذا الوطن وتنتمي إليه دون مزايدة.


وبعد أن وقعت مذابح «غوجارات» بين الهندوس والمسلمين في عام 2002، بدا أن القوميةَ الهندوسية في أشدِّ عافيتها، وأنَّ البناءَ العلماني الذي يحكم الهند يتعرض لضربةٍ قاصمة.


هكذا تدخل الهندُ الألفيةَ الثالثة في حالةٍ من الاضطراب والقلق، تخضع لاختبارٍ صعبٍ يقيس درجةَ تعايش ثقافاتها المختلفة، بل ويُقرِّر مدى بقائها كبناءٍ ديمقراطيٍّ فيدرالي.


*
في محاولةٍ للبحث في الجذور الثقافية لفكر التعايش بين الديانتين، يُنقِّب الكتابُ عن مظاهر التواصل بين الطقوس العبادية للإسلام والهندوسية، فيستعين بأحدث مسحٍ أنثروبولوجي في الهند، تقول نتائجه إنَّ الهندوس والمسلمين يشتركون معًا في 95 بالمائة من الملامح الثقافية، وهو ما لا يجعل هناك دليلًا لمن يحاول التمييز بينهما باعتبار هذا أصيلًا وذاك دخيلًا.


ويتفق الكتابُ مع ذلك التمييز الذي يُجريه الباحثون العلمانيون في الشؤون الإسلامية، فيفرّقون بين إسلام النخبة وإسلام الجماهير، ليس فقط للتفريق بين تفاصيل المعتقدات، وإنما من حيث تباين الممارسات والطقوس، وهو تمييزٌ يمضي على خطٍّ موازٍ لتفرقة الكتاب بين ما يقرؤه المسلمون في «النص المقدس» وما يمارسونه في حياتهم بالفعل.


هكذا يحاول الكتابُ أن يتلمّس طريقًا يصل به إلى أن هناك مساحةً واسعةً من المشترك الثقافي بين الهندوسية والإسلام، وهو لا يرى في الديانتين طقوسًا براغماتية فحسب، بل يعتبر أن الإسلام الشعبي محاولةٌ حوّر بها ذلك الدين نفسه ليَتعايش ويقبل الآخر الذي وفد إليه، بعد أن اضطر لأن يتحرر من الأفكار الرصينة التي تركها خلفه في شبه الجزيرة العربية.


لم يكن ينقص الإسلام الشعبي في الهند ليصبح مشابهًا للهندوسية الشعبية سوى قلة الأعياد والاحتفالات الدينية، بل إن الأعياد الإسلامية – مقارنةً بنظيرتها الهندوسية – تبدو وقورة أكثر مما ينبغي إن لم تكن كئيبةً بالفعل!


ومرةً ثانية يعود الكتابُ ليقرر أن هناك طقوسًا وثنيةً تسللت إلى الإسلام نتيجة عملية التحول غير الناضجة من الهندوسية إلى الإسلام لدى عديدٍ من الهنود الذين اعتنقوا الإسلام إبّان الحكم الإسلامي للهند، وخاصة في العصور الوسطى.
فعندما قبل الهندوس الإسلام لم يقبلوه وهم يحملون أوعيةً عقدية فارغة، بل قبلوا من الإسلام بعضًا وأبقوا على بعضٍ من الهندوسية، وكانت النتيجةُ إسلامًا نصفَ هندوسي!


وقد لعب هؤلاء «أنصاف المسلمين» دور المبشرين في المجتمع الإسلامي بالهند على مدى القرون الثلاثة الماضية، وأثروا على المسلمين «كاملي الديانة»، وأسهموا في تحوير سلوكياتهم لتصل إلى مرحلة «مهجَّنة» تُسمى بالإسلام الشعبي.


المشكلة في قراءة المعلومات السابقة أنها لا تصلح سوى لقارئٍ يتابع أخبار الهند الثقافية عبر المحيط، فحينما نختبر المعلومات التي يقدمها هذا الكتاب خلال زيارتنا للمساجد والمزارات والمعابد في الهند – على الأقل في كلٍّ من مومباي ودلهي وأغرا كمُعاينة شخصية – نكتشف أن ما يقوله الكتاب ينطبق على حالةٍ بعينها؛ وهي مزارات الصوفية.


فهنا عند أضرحة «الأولياء» لا نكاد نشعر بفرقٍ ملموس في الطقوس والممارسات عما نجده على سبيل المثال في معابد الهندوسية. غير أن ذلك لا ينسحب على باقي الممارسات الإسلامية، وبصفة خاصة لدى تيارها السني.


إن الخبرة المباشرة بالحياة في الهند تضع ما يطرحه الكتاب عن مفهوم الإسلام «الشعبي أو الجماهيري» موضع نقدٍ وتحفّظ، خاصة حينما يختزل الكتاب مساحاتٍ واسعةً من التيارات الإسلامية ويضمّها معًا إلى الإسلام الشعبي، وهي تياراتٌ لا تتشابه طقوس ممارستها التعبدية مع أطروحات الكتاب حول مشتركات الطقوس بين الهندوسية والإسلام، وفي ظني أنها موجَّهة لقارئ يعيش خارج الهند، وليس لذلك الذي يعيش بين زحام مدنها وأزقّة قراها.


*
في تنويعٍ درامي، ينتقل بنا الكتابُ من تعايش الهندوسية الشعبية والإسلام الجماهيري إلى جذور العداء بين المسلمين والهندوس. ويرى الكتابُ أن القضاء على ذلك العداء رهنٌ بالقضاء على الموروثات التالية:


- ترويج المتشددين الهندوس لمزاعم انتشار الإسلام تاريخيًا في الهند بالسيف، وإحلال المساجد محل المعابد، وإغراء الهندوس بمطامع مالية وإدارية إذا ما اعتنقوا الإسلام.


- العامل الخارجي الذي يهمّه انشغال الهند والمتمثل في التدخل الباكستاني، ليس فقط في كشمير أو المناطق الحدودية، بل وفي قلب المدن الهندية.


- الحوادث المتكررة لتعاطف الشرطة الهندية مع الهندوس في صداماتهم مع المسلمين، مما يعطي قوة دفع وعامل تأمين للهندوس، ويفتّت في ذات الوقت الوحدة الوطنية للشعب الهندي.


- اللعبة السياسية التي تجعل بعض الأحزاب الهندوسية تستغل الاحتكاك الهندوسي–الإسلامي لصالحها، هذا إذا لم تكن بعض الأطراف السياسية تُشعل الفتيل لتحقيق الشهرة والانتشار؛ بل إن الكتاب يقرر أن بعضًا من هذه الأحزاب لديها مجموعات إجرامية منظمة «تحت الطلب» جاهزة لإشعال الاضطرابات.


- مزايدة بعض الأحزاب السياسية على قيم العلمانية واتّهام النظام الحاكم بتدليل الأقلية الإسلامية.


- النفاق الإعلامي، بتغطية أحداث العنف بين المسلمين والهندوس بتعاطفٍ واضح مع الأغلبية الهندوسية التي تشتري الصحف وتشاهد التلفاز وتوجّه إليها إعلانات التسوق والاستهلاك.
*
مرةً أخرى يصعد بنا الكتابُ إلى قمة التل، فيصور لنا الفردوس المفقود في التعايش بين الديانتين في قبور الأولياء وأضرحة الصوفية.


صحيحٌ أنه يعطي بعض الأسطر التي يُثبت فيها رفض التيار السني لطقوس الأضرحة المشتبهة مع الطقوس الهندوسية، بل ورفض بعض فرق الصوفية لما يجري في الأضرحة وعلى عتباتها، لكنه يغمرنا بقصص ونماذج يستجدي منها منابع التوافق بين الديانتين.


ويجد الكتاب ضالته في مدينة أجمر Ajmer في قلب ولاية راجستان في غربي الهند، ففي هذه المدينة مساجد ومعابد ومزارات لكافة الملل: إسلامية وهندوسية، مسيحية وسيخية، زرادشتية وبوذية.


ورغم كل هذا التنوع فإن المدينة لم تشهد عبر الألف سنة الماضية أي صدامات بين الأديان، ويبدو أن ذلك التنوع هو سر التعايش، فالمدينة تعرف مزيجًا من الأديان أكثر مما تعرف ثنائية هندوسية–إسلامية.


مدينة أجمر هي موطن لأشهر قبر لشيخ مسلم في كل آسيا الجنوبية، وفيها يرقد منذ أواخر القرن السادس عشر رفات الخواجة معين الدين الششتي الفارسي الأصل، الذي يأتي لزيارته مئات الألوف من كافة أنحاء العالم ومن كافة الأديان طمعًا في كراماته، حاملين معهم مؤونة الأسابيع الطويلة من الخبز الجاف، أملًا في الخلاص من شقاء الدنيا عند قبره المقدس، بل إن نسبة الهندوس تفوق 60 بالمائة من إجمالي الزائرين أو «الحجاج» حسب التعبير المحلي.


وفي أجمر يصدمنا الكتابُ بمعلومات ميدانية، ربما دعمًا لفكرة التزاوج بين الأديان، عن مزارات نصف إسلامية ونصف هندوسية تُمارس فيها طقوس شاذة ليس آخرها الجنس الجماعي!


ومرة أخرى يعود ليضرب لنا أمثلة على تشابه التقاليد والمعتقدات بين الهندوس والمسلمين في هذه المدينة التي يكاد يُسميها «مدينة الأديان»، من خلال تشابه الأساطير والأغنيات التي تجمع بين الفلاحين والفقراء في ريف المدينة، وكذلك عديد من مشتركات طقوس الزواج والميلاد وبناء البيوت الجديدة، أو الاشتراك في حِرف وصناعات مشتركة لا تميز بين دين وآخر.


مثالٌ آخر للتعايش يضربه الكتابُ بقبر الشيخ مسعود في مدينة أوده في ولاية أوتار براديش.


وحكاية الشيخ مسعود الأسطورية تعود إلى القرن الحادي عشر الميلادي. البطل فيها شاب مسلم يُقتل يوم زفافه بعد أن قاد معركةً للدفاع عن أبقار القرية التي حاول الحاكم المسلم أن ينتزعها ليذبحها.


يصوّر الكتابُ مقتل مسعود – الذي أنقذ الأبقار المقدسة من الذبح – بمقتل الحسين الذي يبقى في ذاكرة الناس قرنًا بعد قرن رمزًا للفداء والتضحية، وإلهامًا لروح المقاومة، ومنبعًا – هذه المرة – لضرورة التلاحم الهندوسي–الإسلامي في مواجهة الظلم.


عشرات الأمثلة التي يمكن أن نجدها بين دفتي الكتاب عن قادة ورموز التعايش، سواء في الوعي المبكر للمشروع الفكري لأبي الكلام آزاد، وضرورة استحضاره في الهند اليوم، أو في الثقافة الإسلامية المستنيرة لمحمد إقبال التي تعوز الشعب الهندي اليوم مسلمًا كان أو هندوسيًّا.


لكن تلك الأمثلة على روعتها قد لا تكون بالضرورة كفيلة لمواجهة ثقافة التشدد التي تُغذّيها عوامل اقتصادية وعقائدية واجتماعية، وهي عوامل أقوى من أن تصمد أمامها أساطير وحكايات، أو حتى نفحات قبور الأولياء.


إن كتاب «نحيا معًا منفصلين» محاولة لرسم مسارٍ جديد في الثقافة المطبوعة في الهند اليوم؛ ثقافة ترجع إلى القرون الماضية فتأتي بنماذج التعايش والإخاء أملًا في حقن الدماء وطمعًا في أن تقف أمام طوفان التشدد والغلو أيًّا كان مصدره. وهو كتابٌ قد لا توافق على حججه، أو تُعجبك نظرته المتفائلة لواقعٍ قلق متوتر، لكنه في كل حال جدير بالتأمل والمراجعة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة