16-5-2026 | 13:35
محمد علوش
شهدت الدورة الثانية عشرة من مهرجان الإسكندرية الدولى للفيلم القصير، التى أقيمت بالإسكندرية مؤخراً، حالة فنية وثقافية خاصة تجاوزت فكرة عروض الأفلام القصيرة التقليدية، لتتحول إلى مساحة واسعة للحوار والتجريب والتعلم وتبادل الخبرات بين أجيال مختلفة من صناع السينما والمواهب الجديدة.. هذا المهرجان لم يكتف هذا العام بتقديم برنامج سينمائى متنوع، بل حرص على توسيع دائرة التأثير من خلال عدد كبير من الندوات والماستر كلاس والورش الفنية، التى شكلت واحدة من أبرز ملامح الدورة الحالية.
ومنذ انطلاق الفعاليات، بدا واضحًا أن إدارة المهرجان تسعى إلى صنع حالة من التفاعل الحقيقى بين السينما والمجتمع، وهو ما انعكس على طبيعة الموضوعات المطروحة للنقاش، والقضايا الإنسانية والاجتماعية التى تناولتها الندوات، إلى جانب التركيز على الجانب العملى والتطبيقى عبر الورش الفنية واللقاءات المفتوحة مع كبار المخرجين والكتاب وصناع الصورة.
البداية تأتى من واحدة من أبرز فعاليات المهرجان التى جاءت عقب عرض فيلم «32B مشاكل داخلية» فى حفل الافتتاح، حيث أقيمت حلقة نقاشية حملت عنوان: هل يمكن لفيلم سينمائى أن يغير طريقة النقاشات والحوارات داخل الأسرة؟ الجلسة تحولت إلى مساحة حوار إنسانى ناقشت قدرة السينما على الاقتراب من المناطق الهامة والقضايا الفارقة داخل الأسرة المصرية، خاصة ما يتعلق بعلاقة الآباء بالأبناء خلال مراحل النمو المختلفة، شارك فى النقاش الفنان محمد ممدوح، والسيناريست هيثم دبور، والمخرج محمد طاهر، والفنانة جيسكا حسام الدين، وأدارت الجلسة الفنانة هنا شيحة.
وأكد محمد ممدوح أن الفيلم يتناول أزمة إنسانية مرتبطة بصعوبة التواصل بين الأب وابنته فى بعض المراحل العمرية، مشيرًا إلى أن الشخصية التى قدمها تعيش حالة من الحرج والارتباك النفسى نتيجة عدم القدرة على كسر الحاجز العاطفى مع ابنته.
وأوضح أن اختيار زمن مختلف لأحداث الفيلم جاء متعمدًا، حتى لا يعتمد البطل على التكنولوجيا الحديثة فى الوصول إلى إجابات جاهزة، وإنما يواجه مشاعره وأسئلته بشكل مباشر.
أما هيثم دبور، فتحدث عن الفجوة العاطفية التى قد تنشأ داخل الأسرة رغم وجود الحب، موضحًا أن الأب فى الفيلم كان يظن أنه قريب من ابنته، قبل أن يكتشف تدريجيًا حجم المسافة النفسية بينهما، مؤكدا أن السينما أصبحت مطالبة اليوم بالتطرق للمزيد من القضايا الأسرية فى ظل التحولات الاجتماعية الحالية.
إشادات بمعالجة إنسانية رقيقة
وشهدت الجلسة مداخلات لافتة من عدد من الشخصيات الفنية، كان أبرزها المخرج يسرى نصر الله، الذى أشاد بقدرة الفيلم على طرح المشكلة دون إصدار أحكام مباشرة، معتبرًا أن قوته الحقيقية تكمن فى ترك مساحة للتفكير أمام الجمهور.
فيما رأى الفنان صبرى فواز أن الفيلم نجح فى تناول قضية هامة بلغة إنسانية شديدة الرقة، وهو ما منح العمل تأثيرًا كبيرًا رغم قصر مدته.
خيرى بشارة وعمر الزهيرى.. لقاء بين جيلين
ومن أبرز محطات المهرجان، الماستر كلاس الذى جمع بين المخرج الكبير خيرى بشارة والمخرج الشاب عمر الزهيرى وخلال الجلسة، تحدث خيرى بشارة عن بداية تعارفه على عمر الزهيرى.
كما تطرق خيرى بشارة إلى تجربته مع فيلم «كابوريا»، موضحًا أنه جاء بعد مرحلة طويلة انشغل فيها بأفلام الواقعية، قبل أن يشعر برغبة فى تقديم تجربة أكثر انطلاقة تعتمد على الارتجال داخل موقع التصوير.
وكشف أن الفيلم تعرض لانتقادات وقت عرضه، بسبب اتهامه بالاتجاه نحو السينما التجارية، إلا أن المخرج الراحل عاطف الطيب كان من أوائل من توقعوا نجاحه، كما استعاد بشارة ذكرياته مع الفنانة فاتن حمامة أثناء تصوير فيلم «يوم مر يوم حلو»، مؤكدًا أنها كانت تؤمن بموهبته وتدعمه باستمرار.
أما عمر الزهيرى، فكشف أن فيلم «كابوريا» كان نقطة التحول الأساسية فى نظرته للسينما، لأنه اكتشف من خلاله إمكانية الجمع بين العمق الفنى وخفة الظل دون تعقيد.
يسرى نصر الله.. السينما عمل جماعى
ومن الفعاليات المهمة أيضًا، الماستر كلاس الذى جمع بين يسرى نصر الله والمخرج عمرو موسى، وأداره الفنان صبرى فواز.
الجلسة ناقشت آليات اختيار فريق العمل أمام الكاميرا وخلفها، حيث أكد يسرى نصر الله أن السينما عمل جماعى، وأن المخرج ليس مركز الكون داخل موقع التصوير، مشيرا إلى أهمية الانسجام بين عناصر الفريق، موضحًا أنه يرفض أى سلوك يؤدى إلى «غياب الطاقة» داخل موقع التصوير، لأن الإبداع الحقيقى يتحقق فى بيئة قائمة على التعاون والثقة، كما تحدث عن أهمية انتظار اللحظة المناسبة التي يصل فيها الممثل إلى الجاهزية النفسية الكاملة قبل تصوير المشهد.
عمرو موسى: أحب البعد الصورة النمطية للممثل
من جانبه، شدد المخرج عمرو موسى على أن مدير التصوير شريك أساسى فى صناعة الفيلم وليس مجرد منفذ بصرى، موضحًا أن اختياره يعتمد على الموهبة والاحترافية والقدرة على العمل الجماعى، كما تحدث عن شغفه بكسر الصورة النمطية للممثلين وإعادة اكتشافهم بصورة مختلفة، معتبرًا أن متعة الإخراج الحقيقية تكمن أحيانًا فى تقديم الفنان بشكل جديد يدهش الجمهور.
وأكد يسرى نصر الله أنه يفضل الشخصيات التى تمنح العمل عمقًا أكبر، بينما أوضح عمرو موسى أنه يميل إلى الشخصيات الرمادية التى تترك للمشاهد حرية إصدار الأحكام.
وتطرقت الجلسة أيضًا إلى دور مساعد المخرج، حيث وصفه نصر الله بأنه من أكثر المهن ظلمًا داخل الصناعة رغم أهميته الكبيرة.
كريم الشناوى ومريم نعوم.. أسرار الشراكة الناجحة
كما شهد المهرجان ماستر كلاس جمع بين المخرج كريم الشناوى والسيناريست مريم نعوم، وأداره الناقد أحمد شوقى تحت عنوان «علاقة السيناريست والمخرج والحفاظ على استمرارية التعاون».
وأكد كريم الشناوى أن بناء فريق مستقر يسهم فى صنع «ذاكرة مؤسسية» تنعكس على جودة الأعمال الفنية، مشيرًا إلى أنه يفضل البناء على الخبرات السابقة وتطويرها.
أما مريم نعوم، فتحدثت عن تعاملها مع كل مشروع وكأنه التجربة الأولى، مؤكدة أن هذا الإحساس يمنحها الدافع للاستمرار في تطوير نفسها وعدم الوقوع فى فخ الثقة الزائدة.
كما كشفت أن التواصل المستمر بينها وبين كريم الشناوى صنع حالة من التفاهم الفنى والإنسانى انعكست على طبيعة الأعمال التى يقدمانها معًا.
«التروكاج».. ورشة تفتح أبواب الخيال
ولم تقتصر فعاليات المهرجان على الندوات فقط، بل شهدت أيضًا عددًا من الورش الفنية، كان أبرزها ورشة «التروكاج» التي قدمها الفنان أحمد عرابى.
الورشة أتاحت للمشاركين فرصة تنفيذ نماذج تحاكى الواقع باستخدام تقنيات الخدع البصرية، من خلال تصميم مجسمات دقيقة لأشياء يومية مثل الخضراوات وقطع الطعام، وشهدت الورشة تفاعلاً كبيرًا من الشباب، كما لفتت الأنظار زيارة الفنان سامى كريتا، الذى أشاد بالحالة الإبداعية التى تشهدها الفعاليات.
الأطفال يصنعون أفلامهم الأولى
وعلى مستوى دعم المواهب الصغيرة، جاءت ورشة الأطفال كواحدة من أكثر فعاليات المهرجان حيوية، حيث خاض المشاركون تجربة متكاملة فى صناعة الفيلم، بدأت بالتصوير وانتهت بالمونتاج تحت إشراف المدربة ملك حسن، وخلال أيام الورشة، تمكن الأطفال من تحويل أفكارهم البسيطة إلى مشروعات مصورة تعكس خيالهم وشغفهم المبكر بالسينما، فى تجربة هدفت إلى فتح الباب أمام جيل جديد من المبدعين.
منصة للحوار وصناعة الوعى
بشكل عام، عكست الدورة الثانية عشرة من مهرجان الإسكندرية الدولى للفيلم القصير توجهًا واضحًا نحو تحويل المهرجان إلى منصة حقيقية للحوار والتعلم وتبادل الخبرات، وليس مجرد مناسبة لعرض الأفلام، وقد نجحت الندوات والورش والماستر كلاس فى فتح نقاشات عميقة حول علاقة السينما بالمجتمع، ومنحت الشباب فرصة نادرة للاحتكاك المباشر بتجارب كبار المخرجين والكتاب وصناع الصورة.
كما أكدت هذه الدورة أن الفيلم القصير لم يعد مجرد مساحة للتجريب الفنى، بل أصبح وسيلة فعالة لطرح الأسئلة الإنسانية والاجتماعية وصناعة الوعى وبناء جسور التواصل بين الأجيال المختلفة.