نحتفل في 21 مايو من كل عام، باليوم العالمي للتنوع الثقافي، لتعزيز قيم التعايش وقبول الآخر وترسيخ مفهوم الاختلاف باعتباره جزءا أصيلا من طبيعة المجتمعات الإنسانية وليس سببا للصراع أو الإقصاء، والتأكيد على أهمية التنوع في الثقافات والأفكار والهوية الإنسانية، باعتباره عنصرا يدعم التفاهم المشترك ويعزز الاستقرار الاجتماعي.
وفي ظل التغيرات السريعة التي يشهدها العالم اليوم، يبرز دور الإعلام كأحد أهم الأدوات المؤثرة في تشكيل وعي الأجيال الجديدة وتوجيه تصوراتهم تجاه الآخر، سواء داخل المجتمع أو خارجه، بما يجعله عنصرا محوريا في تعزيز ثقافة القبول أو ترسيخ الانقسام، ومن هنا تبرز أهمية تسليط الضوء على كيفية مساهمة الإعلام في بناء جيل أكثر انفتاحا وتقبلا للاختلاف.
ومن جهتها، أوضحت الدكتورة نجلاء محمد حسنين، مدرس الإعلام بكلية البنات بجامعة عين شمس، في تصريح خاص لبوابة "دار الهلال"، أن الإعلام يلعب دورا محوريا في تشكيل وعي الأجيال الجديدة وتوجيههم نحو ثقافة الاختلاف بدلا من ثقافة الإقصاء والتنمر والتعصب، الذي يؤدي إلى عواقب سلبية على العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع، حيث أن غياب تقبل الآخر يؤدي في أحيان كثيرة إلى مشكلات وصراعات اجتماعية، سواء كان الاختلاف دينيا أو فكريا أو رياضيا، والتعصب الكروي يعد أحد أبرز الأمثلة على ذلك، حيث قد تتطور الخلافات إلى مشادات ومشكلات بين مشجعي الفرق المختلفة.
وأشارت إلى أن الإعلام يمكن أن يسهم في معالجة هذه الظواهر من خلال عدة محاور، في مقدمتها العمل على تفكيك الصور الذهنية النمطية عن بعض الفئات، عبر تقديم نماذج لشخصيات من خلفيات عرقية أو دينية أو اجتماعية متنوعة تشارك في أدوار إيجابية وناجحة، وهو ما يساهم في تقليل الفجوة النفسية بين الفئات المختلفة، ترسيخ فكرة أن الاختلاف سنة كونية وطبيعة بشرية، وليس تهديدا، موضحة أن العالم يحتاج إلى تنوع الثقافات والأفكار لتتكامل فيما بينها وتخدم الإنسان والمجتمع، ولا يمكن لأي طرف أن يمتلك الحقيقة المطلقة، كما قال الله سبحانه وتعالى "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين"، ليعكس حكمة إلهية وسنة من سنن الحياة تقوم على التنوع في الأديان والمعتقدات والأفكار والطبائع، فالاختلاف بين الناس في أديانهم، ومعتقداتهم، وأفهامهم، وطبائعهم هو إرادة وحكمة من الله.
وأضافت أن نظرية المسؤولية الاجتماعية للإعلام تؤكد أن دوره لا يقتصر على نقل الأخبار فقط، بل يمتد ليكون حارسا للقيم المجتمعية، مع ضرورة مراعاة ثقافات وعادات وتقاليد مختلف فئات المجتمع، والمساهمة في تعزيز قبول الاختلاف، وإتاحة مساحات للتعبير عن الثقافات الفرعية والفنون الشعبية والتراثية، إلى جانب نشر ثقافة احترام الآخر في مختلف المجالات بما فيها الرياضة، مع ضرورة تجنب خطاب الكراهية والتنمر الإعلامي لما له من تأثيرات سلبية على المجتمع، بالإضافة الي أهمية التربية الإعلامية باعتبارها أداة لتعزيز المواطنة العالمية في عصر الانفتاح الرقمي، حيث تسهم في تنمية التفكير النقدي لدى الجمهور، وتمكينه من التمييز بين المعلومات المضللة التي تثير الفتن وبين الحقائق الموضوعية.
وأكدت إلى أن المنصات الرقمية أسهمت في إتاحة الفرصة للأفراد للتفاعل مع ثقافات متعددة حول العالم، ما جعل الاختلاف أكثر قربا وواقعية وأقل غموضا، وبالتالي أكثر قبولا لدى الأجيال الجديدة، وفيما يتعلق بدور الدراما والسينما، والتي تعد الان من أقوى أدوات التأثير الوجداني في الجمهور، لما تملكه من قدرة على الإقناع والتأثير العاطفي، ولذلك لابد من إنتاج المزيد من الأعمال الدرامية التي تعزز قيم التعايش وتتناول قضايا الهوية من منظور إنساني شامل يرسخ التعاطف مع الآخر.
واختتمت حديثها مؤكدة على أن ترسيخ فكرة أن التنوع الثقافي يمثل مصدر ثراء للمجتمع وليس عبئا عليه يعد أمرا بالغ الأهمية، خاصة في ظل تنوع المجتمعات وتعدد خلفياتها، وحثت على ضرورة البدء منذ الطفولة، من خلال دمج قيم التنوع والاختلاف في المحتوى الموجه للأطفال سواء في أفلام الكرتون أو البرامج التعليمية أو المناهج الدراسية، بما يساهم في بناء وعي مبكر قائم على تقبل الآخر، وإدراك أن الإعلام يمثل المرآة التي يرى فيها الجيل الجديد العالم، فإذا كانت هذه المرآة شاملة وعادلة ومتوازنة نشأ جيل يؤمن بأن العالم يتسع للجميع على اختلافهم.