مع تصاعد التهديدات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، وعودة الحديث عن احتمالات المواجهة العسكرية، بعد توقف مؤقت لإطلاق النار في أبريل الماضي، تبدو المنطقة أمام مرحلة شديدة التعقيد تتداخل فيها الحسابات السياسية والعسكرية والاقتصادية، في ظل ضغوط أمريكية متواصلة، وتمسك إيران بشروطها ومواقفها، إذ أكد سياسيون أن احتمالات العودة للقتال العسكري قائمة، وأن التهديدات الأمريكية لطهران هدفها الضغط السياسي وانتزاع أكبر قدر من المكاسب عبر المفاوضات.
قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن المحادثات مع طهران في مفترق طرق بين التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب واستئناف الضربات، موضحا في تصريحات له، إن قادة إيران يتوسلون للتوصل إلى اتفاق وأن هجوماً أمريكياً جديداً قد يحدث خلال الأيام المقبلة، إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.
وأضاف: "حسناً، أعني أنني أقول يومين أو ثلاثة أيام، ربما الجمعة أو السبت أو الأحد، شيء من هذا القبيل، ربما بداية الأسبوع المقبل، لفترة زمنية محدودة، لأننا لا يمكن أن نسمح لهم بامتلاك سلاح نووي".
وفي المقابل هدد الجيش الإيراني بما وصفه "فتح جبهات جديدة"، في حال استئناف العمليات العسكرية، إذ قال المتحدث باسم الجيش الإيراني، محمد أكرمي نيا، إنه "إذا كان العدو متهوراً بما يكفي للوقوع مجدداً في الفخ الصهيوني، وشن عدوان جديد على بلدنا العزيز، فسنفتح ضده جبهات جديدة، وسنستخدم معدات وأساليب جديدة".
فيما قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي: "تلقينا وجهات نظر الجانب الأمريكي وندرسها حالياً. حضور وزير الداخلية الباكستاني هو لتسهيل تبادل الرسائل مع الولايات المتحدة".
اندلاع الحرب احتمال قائم
ويقول الدكتور مختار الغباشي، الأمين العام لمركز الفارابي للدراسات، إن احتمالية اندلاع الحرب مجددًا بين الولايات المتحدة وإيران ما تزال قائمة، ومن المرجح أن تتجدد مرة أخرى، لأن الصراع بين الطرفين لم يعد مجرد خلاف سياسي، بل تحول إلى صراع دموي، باغتيال واشنطن المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، إلى جانب استهداف جزء كبير من أركان النظام الإيراني، وعدد من القادة والعلماء داخل إيران، يُعد مسألة بالغة الصعوبة، وليس من السهل على إيران تقبلها أو تجاوزها بسهولة، حتى في حال الوصول إلى هدنة أو تهدئة مؤقتة.
وأوضح "الغباشي"، في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أن الولايات المتحدة تسعى إلى فرض تسوية تتوافق مع مصالحها ورؤيتها، بينما ترى إيران أن أمريكا، رغم ما أحدثته من دمار خلال الحرب، لم تحقق أيًا من أهدافها الاستراتيجية الحقيقية، لذلك، لا ترغب طهران في منح واشنطن عبر التفاوض ما عجزت عن تحقيقه عسكريًا.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة تحاول الخروج من هذا الصراع الذي دخلته دون إدراك كامل لتداعياته، خصوصًا ما يتعلق بمضيق هرمز وغيره من الملفات الحساسة، وتسعى إلى تحقيق مكسب يحفظ ماء وجهها أمام الداخل والخارج، ومن هنا يظهر التوتر القائم بين الطرفين، حيث يقابَل التهديد الأمريكي بإصرار وصمود إيراني واضح.
وشدد على أن التهديدات التي يطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فهي تُفهم في إطار محاولات الضغط السياسي، إذ إن ترامب اعتاد استخدام لغة التهديد منذ اللحظة الأولى لوقف إطلاق النار، ومع ذلك، تدرك الولايات المتحدة، كما يدرك كثير من المراقبين، أن إنهاء هذا الصراع عبر جلسة أو جلستين من التفاوض أمر غير واقعي.
وأشار إلى أن التجارب التاريخية تؤكد ذلك؛ إذ فاوضت الولايات المتحدة الفيتناميين لمدة خمس سنوات من 1968 إلى عام 1973، وعقدت مئات الجلسات العلنية والسرية قبل الوصول إلى اتفاق، شملت 202 جلسة علنية و136 جلسة سرية، كما فاوضت حركة طالبان لثمانية سنوات، سرًا وعلنًا، من 2013 لـ2018 جلسات سرية، ومن 2018 لـ2020 جلسات علنية، قبل أن تنتهي بانسحاب وُصف بالمهين.
وأضاف أن الاعتقاد بإمكانية توصل واشنطن وطهران إلى اتفاق سريع خلال جولة أو جولتين من المفاوضات يبدو أمرًا مستبعدًا، ومن هذا المنطلق، طرح الجانب الباكستاني ما سُمي بـ«الورقة الواحدة»، وهي إطار عام مفتوح يقوم على التفاهم حول عدد من النقاط الأساسية، مثل ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وتخفيف الحصار الأمريكي، والإفراج عن جزء من الأرصدة الإيرانية، إضافة إلى اعتراف أمريكي ببعض التعويضات أو المطالب التي طرحتها إيران.
وشدد على أنه بعد الاتفاق على هذه المبادئ، يُترك المجال لمفاوضات طويلة قد تمتد لعام أو عامين أو أكثر، لكن المشكلة تكمن في أن الولايات المتحدة لا تريد تنفيذ هذه الخطوات دون تقديم تنازلات إيرانية، بينما ترى القيادة الإيرانية أن تقديم مثل هذه التنازلات يُعد استسلامًا، وهو ما ترفضه طهران بشكل قاطع، خاصة أنها تعتقد أن الضرر المحتمل لن يقتصر عليها، بل سيمتد إلى الولايات المتحدة نفسها وإلى المجتمعين الإقليمي والدولي.
ولفت إلى أن ترامب يواجه حسابات داخلية معقدة، فهو مقبل على انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، وأي خسارة للأغلبية داخل مجلسي الشيوخ والنواب ستضعفه سياسيًا بشكل كبير ويصبح كـ"البطة العرجاء"، خاصة بعد تمرير مشروع قانون تمهيدي داخل مجلس الشيوخ يقيّد قدرته على شن حرب جديدة ضد إيران.
وأكد الغباشي أنه في حال تجدد العمليات العسكرية، فإن المنطقة بأكملها ستكون معرضة لموجة واسعة من التدمير، فإيران تلوّح باستخدام أسلحة لم تستخدمها من قبل، إضافة إلى استهداف المصالح الأمريكية المنتشرة في عدد من دول الخليج، وبالتالي، فإن أي ضربة أمريكية للبنية التحتية الإيرانية أو لقطاع الطاقة والكهرباء قد تقابل برد إيراني واسع يستهدف المصالح الأمريكية وحلفاءها في المنطقة.
وقال إن الولايات المتحدة تبدو مترددة في الذهاب نحو مواجهة شاملة، لأنها تدرك أن الحسم العسكري الكامل مسألة شديدة الصعوبة، فلو كانت واشنطن واثقة من قدرتها على إنهاء الصراع عسكريًا بشكل سريع وحاسم، لكانت قد فعلت ذلك بالفعل، لكنها تدرك أن إنهاء هذا الملف بالقوة العسكرية وحدها ليس أمرًا سهلًا.
انتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب
ويقول الدكتور محمد عبد العظيم الشيمي، أستاذ العلوم السياسية، إن التهديدات المتكررة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن مهلة لإيران، يضع المنطقة أمام مجموعة من السيناريوهات المفتوحة والمعقدة، موضحا أن الهدف الأساسي منها استمرار الضغط على إيران من أجل انتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب لصالح الولايات المتحدة الأمريكية عبر المسار التفاوضي.
وأوضح "الشيمي"، في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أنه على مدار الأسابيع الستة للحرب التي بدأت في 28 فبراير الماضي، شهدت المنطقة تبادلًا للضربات العسكرية؛ سواء الضربات التي وجهتها إسرائيل والولايات المتحدة إلى إيران، أو الردود الإيرانية التي استهدفت بعض المناطق والمصالح المرتبطة بدول الخليج وإسرائيل، إلى جانب سلسلة من التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط.
وأضاف أنه مع مرور الوقت، أصبح واضحًا أن المسار العسكري وحده لن يؤدي إلى حلول حقيقية، وهو ما دفع الأطراف المختلفة إلى الاتجاه نحو آلية تفاوضية، لكن هذه الآلية التفاوضية لم تحقق نجاحًا ملموسًا حتى الآن، بسبب ارتفاع سقف المطالب والشروط لدى كل طرف، فضلًا عن غياب أرضية مشتركة يمكن البناء عليها في ظل انعدام الثقة المتبادلة.
وأكد أنه في الوقت الذي يواصل فيه ترامب إطلاق تهديداته، تتداول بعض الأنباء حول احتمال وجود خطوات لبناء الثقة وخطاب للنوايا بين واشنطن وطهران، قد تتضمن توقيع تفاهمات أو ترتيبات معينة بين الجانبين، وهو ما يُنظر إليه باعتباره أمرًا بالغ الأهمية، موضحا أنه لم تتأكد حتى الآن صحة هذه المعلومات أو وجود خطوات أمريكية فعلية لتنفيذ مثل هذه المبادرات، رغم أهميتها، خصوصًا في ظل تراجع الثقة في الالتزامات الأمريكية والإسرائيلية داخل الشرق الأوسط.
وأشار إلى أن أي حديث عن اتفاق جديد وتنفيذ كامل لبنوده ما يزال محل شكوك كبيرة، سواء من جانب إيران أو من جانب أطراف أخرى ترى أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تلتزمان دائمًا بما يتم الاتفاق عليه، موضحا أن لذلك تظل احتمالية استئناف العمليات العسكرية قائمة بالفعل، لكن من غير المرجح أن تكون الخيار الأول أو الأولوية القصوى بالنسبة للولايات المتحدة، نظرًا للكلفة العالية التي قد تترتب على أي تصعيد عسكري واسع.
وأضاف أنه خلال الأسبوع الماضي، جرى تداول تقارير تحدثت عن احتمال تنفيذ تدخل عسكري بري عبر إنزال أمريكي ـ إسرائيلي داخل إيران بهدف تسريع الحسم العسكري، إلا أن هذا السيناريو، رغم طرحه، ينطوي على مخاطر كبيرة وتكاليف مرتفعة للغاية، سواء من الناحية العسكرية أو السياسية، كما أن استمرار العمليات العسكرية لفترة طويلة قد يشكل عبئًا وضغطًا كبيرًا على إدارة ترامب، خصوصًا في ظل وجود ضغوط داخلية أمريكية مرتبطة بجدوى استمرار الحرب وتداعياتها السياسية والاقتصادية.
وأكد أستاذ العلوم السياسية أن هناك تيارات وشخصيات داخل الولايات المتحدة، خاصة بين بعض الساسة الجمهوريين المؤيدين لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق الرؤية الإسرائيلية، تمارس ضغوطًا مستمرة على الإدارة الأمريكية، معتبرة أن أي هدنة أو وقف للعمليات العسكرية في الوقت الحالي قد يسبب خسائر أكبر من الاستمرار في التصعيد، لهذا السبب، يبقى سيناريو استئناف العمليات العسكرية مطروحًا، لكنه ليس السيناريو الأكثر أولوية في الوقت الراهن.
ولفت إلى أنه قد تحدث تطورات مفاجئة تدفع إدارة ترامب إلى استئناف العمليات العسكرية بصورة سريعة وغير متوقعة، كما حدث عند بداية العمليات العسكرية في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، وقد يكون الهدف من أي تصعيد جديد هو مواصلة إضعاف القدرات الإيرانية، وإجبار طهران على التخلي عن بعض شروطها التفاوضية الحالية.
وأكد أنه إذا تم استئناف العمليات، فمن المرجح أن تكون أكثر تركيزًا وأقل اتساعًا من العمليات السابقة، سواء من حيث المدة الزمنية أو نطاق الأهداف، ومن المتوقع أن تركز هذه العمليات على استهداف البنية التحتية داخل إيران، إضافة إلى أهداف تمثل تكلفة مرتفعة على الاقتصاد الإيراني، بالتزامن مع استمرار الحصار البحري الذي تستخدمه إدارة ترامب باعتباره أحد أهم أدوات الضغط.
وشدد على أن الاستراتيجية الأمريكية الحالية تقوم على الجمع بين الضغط العسكري، والحصار الاقتصادي، والضغوط الداخلية داخل إيران، والتي ترى واشنطن وتل أبيب أنها قد تُسهم في انتزاع تنازلات إيرانية وتحقيق الأهداف الأمريكية والإسرائيلية من العملية التفاوضية، موضحا أن تهديد إيران بتوسيع جبهات القتال والرد بصورة أكثر عنفًا يُعد أمرًا متوقعًا وطبيعيًا في إطار سياسة الضغط المتبادل بين الطرفين، فمن المنطقي، وفق قواعد التفاوض والصراع، أن يقابل الضغط الأمريكي برد فعل إيراني مضاد.
ولفت إلى أنه خلال الساعات الماضية، صدرت تصريحات إيرانية تتحدث عن توسيع دائرة الأهداف ورفع كلفة المواجهة بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل خلال المرحلة المقبلة، وهي تصريحات تُفهم باعتبارها ردًا مباشرًا على الضغوط والتهديدات الأمريكية المتكررة، ومع ذلك، لا توجد حتى الآن مؤشرات واضحة حول طبيعة الأهداف التي يمكن أن تمثل تهديدًا استراتيجيًا كبيرًا للمصالح الأمريكية أو الإسرائيلية في المنطقة.
وأشار إلى أن الحرس الثوري الإيراني أكد في تصريحاته الأخيرة أنه ما يزال يمتلك قدرات عسكرية مؤثرة، وقادرًا على تنفيذ عمليات قد تكون أكثر تأثيرًا من السابق، لكن دون الكشف بشكل واضح عن طبيعة هذه القدرات أو كيفية استخدامها، ويتحدث بعض المراقبين أيضًا عن احتمال استمرار الدعم العسكري واللوجستي الذي تحصل عليه إيران من أطراف دولية مختلفة، خاصة الصين وروسيا، فاستمرار الدعم الذي تقدمه كل من الصين وروسيا لإيران، سواء على المستوى العسكري أو اللوجستي، ما يزال يمثل أحد أبرز العقبات أمام تحقيق الأهداف الأمريكية في المنطقة.
وأكد أن القيادة الإيرانية والحرس الثوري ترى أن طهران ما تزال تمتلك عددًا من أوراق القوة المهمة، حتى وإن لم تكشف عنها بصورة واضحة حتى الآن.