لم تكن علاقة الفنان إسماعيل ياسين بالفنان رياض القصبجي مجرد تعاون فني عابر، بل واحدة من أشهر الثنائيات الكوميدية في تاريخ السينما المصرية، حيث شكّلا معًا حالة فنية استثنائية اعتمدت على التناقض بين شخصيتين صنعتا معًا الضحك وارتبطتا بذاكرة الجمهور لعقود طويلة.
ولد الفنان إسماعيل ياسين في 15 سبتمبر عام 1912 بمحافظة السويس، مسقط رأسه، وهو الابن الوحيد لصائغ ميسور الحال في شارع عباس، قبل أن تتبدل أحوال أسرته بعد وفاة والدته وهو طفل صغير، وما تبع ذلك من أزمات مالية قاسية انتهت بدخول والده السجن، ليجد نفسه مضطرًا لتحمل مسؤولية حياته في سن مبكرة.
لم يُكمل إسماعيل ياسين تعليمه، إذ توقف عند الصف الرابع الابتدائي، وبدأ حياته العملية مناديًا للسيارات في أحد المواقف بمدينة السويس، قبل أن ينتقل إلى القاهرة بحثًا عن فرصة جديدة في عالم الفن.
بدأ مشواره الفني كمطرب، إلا أن ملامحه وخفة ظله لم تساعداه على الاستمرار في الغناء، ليتجه سريعًا إلى فن “المونولوجست”، الذي تألق فيه لسنوات بين عامي 1935 و1945، حتى أصبح يقدم مونولوجاته في الإذاعة مقابل أجر بسيط، وكان يكتب له ويشاركه الإبداع صديقه أبو السعود الإبياري.
وانطلقت مسيرته السينمائية من خلال فيلم “خلف الحبايب”، لتتوالى بعده الأعمال حتى قدّم أكثر من 166 فيلمًا خلال مشواره الفني.
وفي قلب هذه المسيرة، جاءت ثنائيته الأشهر مع الفنان رياض القصبجي، حيث ظهرا معًا في أكثر من 35 فيلمًا خلال الفترة من منتصف الأربعينيات وحتى أوائل الستينيات، وقدّما نموذجًا فريدًا للكوميديا القائمة على الموقف، إذ يجسد إسماعيل شخصية الرجل البسيط خفيف الظل، بينما يؤدي القصبجي دور الرجل الصارم صاحب الملامح الجادة والصوت الحاد، وهو ما صنع حالة كوميدية طبيعية دون تكلف.
ومن أبرز أعمالهما المشتركة: “إسماعيل ياسين في الجيش”، و“إسماعيل ياسين في البحرية”، و“إسماعيل ياسين في البوليس”، و“ابن حميدو”، و“الآنسة حنفي”، وهي أعمال تحولت إلى علامات بارزة في تاريخ السينما المصرية وما زالت تحظى بجماهيرية حتى اليوم.
هذا النجاح لم يكن وليد الصدفة، بل اعتمد على انسجام واضح بين الطرفين داخل الشاشة، حيث كان القصبجي يجسد شخصية “الشاويش عطية” بكل جدية، بينما يرد عليه إسماعيل ياسين بخفة دم وتلقائية، لتتحول المواقف إلى كوميديا طبيعية صادقة.
ورغم أن علاقتهما على الشاشة كانت تقوم على الصدام المستمر، فإن خلف الكواليس جمعتهما علاقة احترام وتقدير متبادل، حيث كان إسماعيل ياسين حريصًا على وجود رياض القصبجي في أعماله، معتبرًا إياه عنصرًا أساسيًا في نجاحه الفني، وهو ما أكده القصبجي في أكثر من مناسبة.
وتحول هذا الثنائي إلى مدرسة كوميدية قائمة بذاتها، أثّرت في أجيال لاحقة من صُنّاع الكوميديا في السينما والمسرح، وأصبح مثالًا يُحتذى به في “كوميديا الموقف” التي تعتمد على الشخصية لا الإفيه المباشر، لتظل أعمالهما حاضرة في وجدان الجمهور حتى اليوم.