لا تزال محاولات جماعة الإخوان الإرهابية مستمرة في استخدام منصات ووسائل التواصل الاجتماعي عبر نشر محتوى مضلل وأكاذيب والشائعات والأخبار المفبركة هدفها الأساسي التشكيك في الدولة المصرية وأدوارها المختلفة على المستوى الإقليمي، فلجأت إلى توظيف الفضاء الإلكتروني كأداة لنشر خطابها، حيث أكد خبراء أن حملات التضليل الرقمي ومحاولات التلاعب بالرأي العام مستمرة ومواجهتها تكون عبر الوعي المجتمعي وترسيخ ثقافة التحقق من المعلومات.
وفي هذا الصدد، قال الدكتور محمد عزام، خبير التكنولوجيا، إن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم ساحة واسعة للتأثير والتلاعب بالرأي العام، وهناك مفهوم متداول في هذا السياق يُعرف بـ"تفخيخ المعلومات" أو إعادة صياغتها وتقديمها بصورة مضللة، موضحا أنه تشير العديد من التقارير الدولية إلى أن ما يقرب من ثمانين دولة حول العالم تستخدم منصات التواصل الاجتماعي كأداة للتأثير في اتجاهات الرأي العام وتشكيل المواقف تجاه القضايا المختلفة.
وأضاف، في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أن هذه الجهات تعتمد على حسابات نشطة ومدارة باحترافية، كما تمتلك القدرة على استخدام أساليب متعددة لتشويه المعلومات، ونشر الأخبار الكاذبة، والتلاعب بالحقائق، وتقديم معلومات مضللة على أنها وقائع مؤكدة، ويتم ذلك وفق منهجيات مدروسة وأساليب علمية متطورة، مع وجود كثيف وفعّال على مختلف منصات التواصل الاجتماعي، سواء على تيك توك أو منصة إكس أو فيسبوك وغيرها من المنصات الرقمية.
وأكد "عزام"، أن تنظيم الإخوان الإرهابي ليس بعيدًا عن هذه الأدوات بهدف التأثير على الدولة المصرية أو زعزعة الاستقرار داخلها، فالجماعة تستخدم الأدوات ذاتها التي تستخدمها جهات أخرى تسعى إلى التأثير في الرأي العام، وتعتمد في ذلك على عدة وسائل، من بينها إنشاء حسابات مزيفة يتم تشغيل بعضها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى استخدام حسابات شخصية أو شبكات من الحسابات التي يتم توظيفها بهدف خلق حالة من انعدام الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
وأشار إلى أنه لا يقتصر نشاط هذه الحسابات على القضايا السياسية فقط، بل يمتد إلى مختلف المجالات، بدءًا من الرياضة، مرورًا بالزراعة والمواصلات، ووصولًا إلى مختلف القضايا اليومية التي تهم المواطنين، فهم ينشطون بصورة كبيرة في هذا المجال، ولديهم شركات وآليات متخصصة تساعد على تحويل المحتوى الذي ينتجونه إلى منشورات تحظى بتفاعل واسع وانتشار كبير، مستفيدين من تقنيات وأساليب متقدمة لزيادة الوصول والتأثير.
ولفت إلى أن الحل الأساسي لمواجهة هذه المشكلة يتمثل في رفع مستوى الوعي لدى المتلقي، مؤكدا أنه من الضروري أن يدرك المستخدم أن ليس كل ما يراه على مواقع التواصل الاجتماعي يمثل حقيقة مؤكدة، وحتى عندما يبدو الخبر صادقًا أو مقنعًا، يجب التحقق من مصدره الأصلي وعدم الاكتفاء برؤيته على صفحة فيسبوك أو حساب على منصة أخرى ثم تصديقه وإعادة نشره.
وأشار إلى أن الإحصاءات العالمية تؤكد أن نسبة كبيرة من انتشار الأخبار المضللة تعود إلى المستخدمين أنفسهم الذين يعيدون نشر المحتوى دون التحقق منه، فهناك ما يقرب من 70% من عمليات إعادة النشر تتم بشكل طوعي من قبل الأفراد، إما لأن المحتوى يتوافق مع آرائهم ومواقفهم المسبقة، أو لأنه ينسجم مع ما يرغبون في تصديقه، وذلك دون التأكد من صحته أو مصداقيته.
وشدد على أنه هنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ فالأمر لا يرتبط فقط بمن يتعمد التلاعب بالرأي العام، وإنما أيضًا بمدى وعي المتلقي وقدرته على التحقق من المعلومات قبل تداولها، مشيرا إلى أن هذه الظاهرة ظهرت بوضوح في العديد من الأحداث العالمية، مثل الانتخابات الأمريكية، والحرب الروسية الأوكرانية، والحرب في غزة، وغيرها من القضايا الكبرى التي شهدت محاولات مكثفة للتأثير في الرأي العام عبر المعلومات المضللة.
وأكد خبير التكنولوجيا أن الآلية الأكثر فاعلية للتعامل مع هذه الظاهرة تتمثل في التحقق من المعلومات وتعزيز الوعي الرقمي لدى المستخدمين، فلا ينبغي التعامل مع أي خبر على أنه حقيقة مؤكدة لمجرد أنه يحمل شعار مؤسسة إعلامية معروفة أو يبدو وكأنه صادر عن جهة رسمية، فقد يتم استغلال شعارات المؤسسات الصحفية والإعلامية الكبرى، أو تصميم صفحات ومواقع تشبه المواقع الرسمية بشكل كبير، بهدف إضفاء المصداقية على أخبار مفبركة أو مضللة، بينما تكون الحقيقة أن المحتوى قد تعرض للتلاعب بشكل كامل وتم تصميمه خصيصًا لخداع المتلقي ودفعه إلى إعادة النشر والتداول.
وشدد على أهمية الرجوع إلى المصادر الرسمية والمواقع المعتمدة والحسابات الموثقة قبل تصديق أي معلومة أو المساهمة في نشرها، لأن الوعي والتحقق يظلان خط الدفاع الأول في مواجهة حملات التضليل والتلاعب بالرأي العام.
الإرهاب الإلكتروني
ومن جانبه، قال منير أديب، باحث في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، إن هناك ما يُعرف بالإرهاب الإلكتروني أو الإرهاب الرقمي، وهو نمط من أنماط الإرهاب الذي تستخدمه جماعة الإخوان وغيرها من التنظيمات المتطرفة، موضحا أن الإرهاب لم يعد مقتصرًا على الأشكال التقليدية المعروفة، بل أصبح الفضاء الإلكتروني مجالًا واسعًا تُمارَس من خلاله أنشطة متعددة، تشمل التحريض على العنف، والتخطيط له، والتجنيد، والتأثير على الرأي العام.
وأكد في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أنه تُستخدم المنصات الإعلامية التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية أو تلك التي تديرها وتوظفها الجماعة في تحقيق هذه الأهداف، سواء من خلال نشر محتوى تحريضي، أو استقطاب عناصر جديدة، أو الترويج للشائعات والمعلومات المضللة، من أجل تقويض الثقة في مؤسسات الدولة وإضعاف مفهوم الدولة الوطنية، بما قد ينعكس في النهاية على الاستقرار المجتمعي ويؤدي إلى صور مختلفة من العنف أو الاضطراب.
وأضاف أن الجماعة الإرهابية تعتمد على عدد من المنصات الإعلامية التي يُنظر إليها باعتبارها أدوات رئيسية لنشر الشائعات وتداول المعلومات غير الموثقة، من أجل التشكيك في مؤسسات الدولة والتحريض ضدها، والسعي إلى إضعافها أو إسقاطها بمختلف الوسائل المتاحة، من خلال استغلال وسائل الإعلام التقليدية والرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي.
وأشار إلى أن مواجهة هذه التنظيمات لا تقتصر على الجوانب الأمنية فقط، وإنما تتطلب أيضًا مواجهة إعلامية وفكرية شاملة، يكون هدفها الأساسي تفكيك الخطاب الذي تروّجه هذه الجماعات وكشف ما يتضمنه من مغالطات أو معلومات مضللة، وتتم هذه المواجهة عبر وسائل الإعلام المختلفة، وكذلك من خلال متابعة المحتوى المنشور على الحسابات الشخصية والمنصات الرقمية مثل فيسبوك وإكس وإنستغرام وتليجرام وغيرها من وسائل النشر والتواصل.
وأكد أن نجاح تلك الجهود في كشف طبيعة هذا الخطاب وتوضيح أهدافه وأساليبه، يجعل الجماعات التي تعتمد عليه تفقد إحدى أهم أدوات التأثير التي تستند إليها، وهي القدرة على تزييف الواقع والتأثير في تصورات الجمهور، وعندئذٍ تتراجع فاعلية هذا الخطاب وتتقلص قدرته على تحقيق أهدافه.
ولفت إلى محاولات الجماعة استهداف الدولة المصرية، لا يقتصر على القضايا الداخلية فحسب، بل يمتد إلى مختلف الملفات الإقليمية والدولية المرتبطة بالدور المصري، عبر محاولات للتشكيك في مواقف الدولة المصرية وسياساتها تجاه عدد من القضايا المهمة في المنطقة، إلا أن تأثيرها يبدو محدودًا مقارنة بحجم الوعي المتزايد لدى المواطنين، وقدرتهم على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمعلومات المضللة.
وشدد على أن وعي المصريين وإدراكهم لطبيعة هذه الحملات يسهمان في الحد من تأثيرها ويعززان قدرتهم على مواجهة محاولات التضليل، كذلك تقوم الدولة بدور توعوي مهم يهدف إلى كشف أساليب التضليل وتوضيح الحقائق للرأي العام.
وأضاف أنه أسهمت هذه الجهود في تعزيز مستوى الوعي المجتمعي، الأمر الذي جعل قطاعات واسعة من المواطنين أكثر قدرة على تحليل الرسائل الإعلامية التي يتلقونها، والتمييز بين المعلومات الموثوقة وتلك التي تهدف إلى التضليل أو إثارة البلبلة، مؤكدا أن هذا الوعي المتنامي باعتباره عاملًا أساسيًا في الحد من تأثير الخطابات المتطرفة، حيث أصبحت قدرة هذه الخطابات على التأثير في الرأي العام أقل مما كانت عليه في السابق.
وأشار إلى أن تراجع التأثير لا يعني التوقف عن المواجهة أو التقليل من أهمية الاستمرار فيها، بل يقتضي مواصلة الجهود الإعلامية والتوعوية بصورة دائمة ومنتظمة، لذلك تبرز أهمية الاستمرار في تفكيك الخطابات المتطرفة وتحليل مضامينها وكشف أهدافها للرأي العام بشكل مستمر، لأن الحفاظ على الوعي المجتمعي وتعزيزه يُعد من أهم أدوات المواجهة.