تتجدد حالة الجدل داخل سوق الذهب مع كل موجة ارتفاع أو انخفاض في الأسعار، حيث تتجه الانتقادات في كثير من الأحيان نحو قيمة "المصنعية" باعتبارها السبب الرئيسي وراء زيادة تكلفة شراء المشغولات الذهبية، إلا أن متخصصين في القطاع يؤكدون أن المصنعية ليست العامل الحاسم في تحركات الأسعار، وأن هناك عوامل أخرى أكثر تأثيرًا تقف وراء القفزات السعرية التي يشهدها السوق من وقت لآخر.
وقال محمود نجم الدين، المتخصص في تجارة الذهب والمعادن الثمينة، إن التركيز المستمر على المصنعية خلق حالة من الجدل لا تعكس الواقع الكامل لسوق الذهب، موضحًا أن الأزمة الحقيقية تكمن في آليات تسعير الذهب الخام والفجوة التي قد تنشأ أحيانًا بين الأسعار المحلية والأسعار العالمية.
فجوة التسعير تتجاوز المصنعية
وأوضح نجم الدين أن المصنعية تمثل تكلفة إنتاج حقيقية تشمل أجور العمالة والطاقة والصيانة والتكنولوجيا المستخدمة في التصنيع، وهي عناصر تتأثر بطبيعة الحال بارتفاع تكاليف التشغيل ومعدلات التضخم، ما يجعل أي تعديل فيها أمرًا طبيعيًا يرتبط بمتغيرات السوق.
وأشار إلى أن المشكلة الأكبر تتمثل في تسعير الذهب الخام داخل السوق المحلية، حيث قد تتحرك الأسعار أحيانًا بعيدًا عن المؤشرات العالمية نتيجة عوامل متعددة، من بينها المضاربات وزيادة الطلب بصورة مفاجئة، فضلًا عن احتساب أسعار صرف للعملات الأجنبية بمستويات تتجاوز قيمتها الفعلية في بعض الفترات.

الذهب المحلي بعيد عن البورصات العالمية
وأضاف أن أحد أبرز التحديات التي تواجه سوق الذهب يتمثل في عدم الارتباط الكامل بين الأسعار المحلية وشاشات التداول العالمية، وهو ما يؤدي في بعض الأحيان إلى ظهور فروق سعرية كبيرة لا ترتبط بقيمة المصنعية أو بتكلفة الإنتاج.
وأوضح أن هذه الفجوة تجعل المستهلك يحمّل المصنعية مسؤولية الارتفاعات السعرية، بينما تكون الزيادات الحقيقية ناتجة عن عوامل أخرى مرتبطة بتسعير الخام واختلالات العرض والطلب داخل السوق.
المضاربات ترفع الأسعار
وأكد نجم الدين أن المضاربات وحالات الشراء العشوائي التي تنتشر خلال فترات التوتر الاقتصادي تلعب دورًا كبيرًا في دفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة، مشيرًا إلى أن بعض المتعاملين يلجأون إلى رفع الأسعار استنادًا إلى توقعات مستقبلية أو مخاوف من نقص المعروض، وليس وفقًا للمتغيرات الفعلية في السوق العالمية.
وأضاف أن هذه الممارسات تؤدي إلى خلق ما يمكن وصفه بـ"العلاوة السعرية"، وهي فروق إضافية يتحملها المستهلك بعيدًا عن التكلفة الحقيقية للذهب أو قيمة المصنعية.
كما أكد نجم الدين أهمية تنظيم ملف المصنعيات من خلال الإعلان الواضح عن قيمتها وإصدار فواتير تفصيلية توضح سعر الذهب الخام وقيمة المصنعية والرسوم المختلفة، بما يمنح المستهلك صورة دقيقة عن مكونات السعر النهائي.
وأشار إلى ضرورة تكثيف الرقابة على أسواق الذهب ومنصات التسعير المختلفة، خاصة تلك التي تنشر أسعارًا لحظية غير خاضعة لآليات رقابية واضحة، وهو ما قد يسهم في زيادة المضاربات وخلق موجات شراء غير مبررة.
وشدد على أهمية مواجهة أي ممارسات احتكارية أو محاولات للتلاعب بالأسعار، بما يسهم في تحقيق التوازن بين مصالح المستهلكين والمنتجين على حد سواء.
وأكد أن تحميل المصنعية وحدها مسؤولية ارتفاع أسعار الذهب يمثل تبسيطًا لمشكلة أكثر تعقيدًا، موضحًا أن فوضى تسعير الخام والمضاربات والابتعاد عن المؤشرات العالمية تعد من أبرز العوامل المؤثرة في حركة السوق.
وأشار إلى أن تعزيز الشفافية والرقابة والالتزام بآليات تسعير واضحة تمثل الركائز الأساسية لبناء سوق ذهب أكثر استقرارًا وعدالة، بما يضمن حماية المستهلك والحفاظ على استدامة صناعة الذهب في الوقت نفسه.