راقني كثيرا هذا العنوان؛ على الرغم من أنه ليس من بنات أفكاري، ولكن الفضل فيه يرجع لرئيس تحرير الهلال الذي اقترحه؛ لما لاحظه من علاقة وطيدة بين كلتا المؤسستين العظيمتين: مؤسسة دار الهلال بعراقتها وشموخها، ومؤسسة العقاد ببذخها الفكري وثرائها النادر؛ إذ هو بحق عملاق الأدب والفكر العربيين. وإذا كان لكل مسمى من اسمه نصيب، فلعل “ألف المد” التي تسبق الحرف الأخير من اسمي “العقاد” و”الهلال” تشي بهذه العملقة وذلك الشموخ!!
ارتبط اسم العقاد بعدة مؤسسات ثقافية في مصر، كان في الصدارة منها مؤسسة "دار الهلال" التي حظيت بنشر مؤلفاته على نطاق واسع، سواء من خلال سلاسلها أو مجلاتها المختلفة، لا سيما مجلة "الهلال" على نحو خاص.
دار الهلال تنقذ العقاد وتضمن له الخلود:
كان العقاد ـ شأنه ككل إنسان، بل ككل مخلوق من الناحية البيولوجية على الأقل ـ يسعى للبقاء، ويحلم بالخلود، وكان العقاد ينشده عن طريق الأدب وتأليف الكتب. وقد كان له ما أراد بلا جدال. فقد اتفق أن أصيب بمرض صدري أثر عليه طيلة حياته، مما جعله يرتدي الكوفية التي صاحبته منذ ذلك الحين إلى أواخر عمره، يتلفع بها صيفا وشتاء. وقد كانت الأمراض الصدرية حينذاك من الأمراض الفتاكة القاتلة التي نادرا ما ينجو منها ضحاياها. قفل العقاد أدراجه إلى مسقط رأسه بأسوان استعدادا للرحيل. ولما كان العقاد عزبا لم يتزوج وينجب ويترك ذرية تحفظ له ذكره بعد وفاته، فقد ذهب بفكره إلى ناحية أخرى تحفظ اسمه وتدرجه في قائمة الخلود، وكان هذا الشيء هو نشره لما تكوَّن لديه حينذاك من مجموعة الملاحظات التي سجلها على عجل في دفتر تعليقا على قراءاته المتعددة، أو بوحي منها في المناحي الثقافية والفكرية والنقدية المختلفة، والتي وضع لها عنوانا جامعا مناسبا لهذا الضرب من التأليف، وهو "خلاصة اليومية والشذور"، وقد وضع الرجل أسس نقده وفهمه للشعر وطبيعته ومعاييره في هذه المُدَوَّنة الصغيرة. وقد طبعت له دار الهلال هذا الكتاب سنة 1911م، وكان أول ما ظهر له من كتب.
ومن حسن الطالع أن تنفد طبعة هذا الكتاب "البكر" في غضون ستة أشهر من ظهوره؛ لترتفع معنويات العقاد، وتنعكس هذه الحالة من التفاؤل والاغتباط؛ لتساعد في شفائه وإنقاذه من براثن ذلك المرض اللعين!!
ومن الجدير بالذكر أن هذا الكتاب الصغير المختصر قد حمَّله العقاد ببذور أفكاره الأساسية التي تطورت ونمت وأثمرت بعد ذلك طيلة حياته الثرية التي امتدت نحوا من خمسة وسبعين عاما، ذاخرة بالعطاء الأدبي والفكري والسياسي؛ ليصبح اسمه ـ كما شاء ـ يتردد على كل لسان، حتى وإن ظل عزبا لم يتزوج أو يعقب نسلا!
“الهلال” تكتب عن العقاد قبل أن يكتب فيها:
من الأمور العجيبة في دنيا الأدب أن تكتب مجلة عريقة كالهلال عن كاتب لم يخط فيها كلمة بعد. فقد نشرت الهلال مقالا ضافيا عن العقاد بقلم الأستاذ سلامة موسى المثقف الكبير والكاتب المعروف آنذاك بعنوان: "صور موجزة لأدباء مصر: عباس محمود العقاد" الذي ظهر في الجزء الثالث من السنة الثانية والثلاثين، الصادر في الأول من ديسمبر سنة 1923م، بالصفحات: 291 إلى 295.
ومما أورده موسى حول العقاد في هذا المقال، بعد سرده الموجز لحياته حتى ذلك الوقت: "وأكثر ما يقرأ العقاد مختارات الآداب الإنجليزية الحديثة والعربية القديمة، فترى في يده أحيانا كتابا في درس الديمقراطية الجديدة، وأحيانا أخرى ترى كتابا أصفر الورق كبير الصفحات، تعرف من عنوانه أنه يبحث في النحو أو التاريخ العربي أو غير ذلك من فروع الثقافة العربية".
ثم يقول: "ومن العجيب أن يُعَد العقاد من أكتب كتاب مصر المعدودين، وهو مع ذلك لم يحصل على تربية مدرسية تُذْكَر. أليس في هذا دليل على أن نظام التعليم في مصر يحول دون تكشف العبقرية، فتموت في أكمامها، كأن هذا التعليم يخنق أنفاسها ويمنعها من الظهور؟".
ويقول أيضا: "وشعر العقاد يعد من الطبقة الأولى بين شعرائنا المحدثين، ولكنه مع ذلك دون شعر شوقي في رقة المعنى وحلاوة المغزى، ودون شعر حافظ في رصانة المبنى وتآلف اللفظ. ولكنه يمتاز عليهما وعلى كثير من الشعراء في ذلك الشمم الذي يرفعه عن المديح الجزاف، وفي أنه يطرق الموضوعات التي تعين على التقدم والإصلاح".
ثم يورد الكاتب سلامة موسى أبياتًا أعجبته للعقاد يرى فيها تأثره بقراءاته الفلسفية للكاتب الألماني فردريك نيتشه (1844 – 1900م)، وهي قوله:
إن حياة الأمن في شرعنا مشنوءة مثل حياة السجين
كلاهما يحفزه حــارس مسدد النظرة في كل حين
أيتها الأخطار علمتنا بأننا الأحـــرار لو تعلمين
كما اهتمت مجلة "الهلال" ونوهت بإنتاجه وعرفت به شعرا ونثرا ونقدا، وعرضت لبعضه قبل أن يكتب فيها أيضا، وذلك منذ العقد الثاني من القرن العشرين، وقد بلغ عدد ما قرظته وعرضت له من كتب حوالي 27 كتابا، ويؤثر أنه حينما صدر أول دواوين العقاد بعنوان "يقظة الصباح" سنة 1916م، فقد بادرت الهلال في عددها الصادر في يوليو من العام نفسه بالتنويه عنه والكتابة حول أغراضه، مع عرض لنماذج من شعره في هذا الديوان.
وعلى امتداد مسيرة الهلال الطويلة، فقد دأبت على نشر مقالات كثيرة عنه وعن أدبه ومؤلفاته بأقلام كثير من الكتاب، كسلامة موسى، ونقولا حداد، وإبراهيم المازني، والدكتور عثمان أمين، وعلي أدهم، والدكتور إبراهيم مدكور، وطاهر الطناحي، وعبد الرحمن صدقي، وكمال النجمي، وصالح جودت، ومحمد سيد كيلاني، والدكتور عبد الفتاح الديدي، والحساني حسن عبد الله، والدكتورة سهير القلماوي، والدكتورة نعمات أحمد فؤاد، وصلاح عبد الصبور، والدكتور عبد الحميد يونس، ومحمود تيمور، والدكتور عبد اللطيف عبد الحليم (أبو همام)، وأحمد حسين الطماوي، وغيرهم. ويُذكر أن كاتب هذه السطور قد نشر عدة دراسات عنه في أعداد متفرقة من الهلال.
هذا، عدا ما اختصته به الهلال ـ أكثر من غيره ـ بإصدار أعداد خاصة حوله، جندت لها أفضل الكتاب والنقاد والشعراء، بدءا من عدد الهلال الصادر في أبريل 1967م، وما جاء بعده من عدة أعداد حملت أغلفتها صوره.
تشكلت معظم سيرته الذاتية في “الهلال”:
يروي الكاتب الصحفي والشاعر الأستاذ طاهر الطناحي في مقدمته الضافية التي تصدرت كتاب "أنا" للعقاد قصة ولادة هذا الكتاب حول سيرته الذاتية، بقوله: لما أصدر العقاد ديوانه "وحي الأربعين" ـ وكان حينئذ في الرابعة والأربعين من عمره ـ اقترحت عليه "مجلة الهلال" أن يكتب فصلا نثريا في هذا الموضوع، فكتب لها فصلا بعنوان "بعد الأربعين"، وصف فيه حياته النفسية، وحالته الفكرية في هذه السن، وتحدث عن فلسفته بين الشباب والكهولة، وعن تجاربه الشخصية بين العشرين والأربعين، وقد ظهر بالهلال في أول يونيو 1933م؛ فكان هذا المقال باكورة ما كتبه عن نفسه بأسلوبه العلمي التحليلي. وبعد عشر سنوات أخرى اقترح عليه الطناحي ـ وقد تولى عندئذ تحرير المجلة ـ أن يكتب مقالا بعنوان: "وحي الخمسين"، وقد نشرته الهلال في الأول من مايو سنة 1943م، وقد تراوح المقال بين الموضوعية والذاتية؛ إذ تناول فيه العقاد حياته وحياة أمثاله ممن بلغوا الخمسين، وما يواكب أصحابها من حالات نفسية، مع نظرات جديدة إلى الحياة تختلف عن نظرات أبناء العشرين أو الثلاثين أو الأربعين، حيث وصفها بأنها سن اغتناء لا سن افتقار.
ويخلص الطناحي إلى نتيجة مؤداها أن كتابة العقاد عن نفسه كتابة فريدة في باب السيرة الذاتية، فقد دأب الذين يكتبون في هذا المضمار على تسجيل شريط حياتهم بشكل تاريخي، وبعضهم على هيئة مذكرات أو ذكريات، والبعض الثالث قد عرضوا لحياتهم على هيئة الاعترافات مع إبراز لدورهم فيها.
أما العقاد فقد نحا نحوا جديدا لم يتطرق إليه غيره حينما كتب عن نفسه؛ إنها كتابة ذات طابع جديد، فهي كتابة ليست شخصية خالصة، وليست سردا لأحداث مرت به، أو عاش فيها أو عايشها وكان له دور فيها فحسب، وإنما هي كتابة باحث عالم، وفنان نابغ تمرس على النظر في مسائل العلم، وقضايا الفكر والفن، وصال وجال في شؤون الفلسفة وعلم النفس والأدب والاجتماع والتربية، وخبر تجارب الحياة، ومارس حلوها ومرها، وخرج منها بالعبرة والخبرة والحكمة.
ولا عجب في هذا، فإن الأسلوب الذي توخاه في الكتابة عن نفسه يذكرني بمنهجه في الكتابة عن الشخصيات الإسلامية تحت ما عُرِفَ بالعبقريات.
مؤلفات العقاد في كتاب الهلال:
سأحاول هنا في عُجالة أن أتذكر بعض عناوين كتب العقاد التي تصدرت سلسلة "كتاب الهلال"، محاولا تتبع مؤلفاته وتواريخ صدورها في هذه السلسلة القيمة.
فحينما قررت دار الهلال الشروع في إصدار سلسلة كتاب الهلال ـ التي كان يصفها العقاد بالسلسلة الشعبية الأنيقة ـ فقد بدأتها بكتاب العقاد "عبقرية محمد"، صلى الله عليه وسلم، على الرغم من أنها لم تكن الطبعة الأولى من الكتاب، فقد سبقته ثلاث طبعات نفدت كلها، فاستبشرت دار الهلال خيرا بأن تبدأ سلسلة كتابها بهذا الكتاب القيم موضوعا وتأليفا ومؤلفا، ليظهر مع هلال رمضان من عام 1370هـ الموافق 5 يونيو من عام 1951م، وينفد الكتاب لتظهر طبعته الثانية في السلسلة ذاتها مع بزوغ هلال رمضان في العام التالي مباشرة. وفي التوقيت ذاته (أي في رمضان من عام 1371هـ الموافق 5 يونيو 1952م) تصدر له السلسلة نفسها كتابا ثالثا بعنوان "عبقرية خالد"، بعد كتابيه "عبقرية محمد" و"الحسين أبو الشهداء". وفي أبريل من عام 1953م تصدر الهلال، ضمن سلسلتها الذهبية سالفة الذكر، طبعة جديدة من كتابه الرائع "عبقرية عمر"، حيث وافق ذلك رجب عام 1372هـ، وبعد ذلك بشهر واحد، أي في رمضان، تصدر له السلسلة ذاتها كتابه التالي: "فاطمة الزهراء والفاطميون" في طبعته الأولى، وذلك في يونيو من عام 1953م، وليس عام 1954م، كما ذكر الدكتور حمدي السكوت، في كتابه "أعلام الأدب المعاصر في مصر..
سلسلة بيوجرافية نقدية ببليوجرافية: عباس محمود العقاد”.
وفي أواخر شعبان، ومع اقتراب شهر رمضان، من عام 1373هـ الموافق لأبريل عام 1954م، تصدر دار الهلال، في سلسلة كتابها الشهري، الطبعة الأولى من كتاب العقاد: "ذو النورين عثمان بن عفان". ومع نسمات رمضان الحانية وأجوائه الروحية للعام التالي مباشرة، الموافق لمايو من عام 1955م، تنشر سلسلة كتاب الهلال لأستاذنا العقاد كتابه التالي، في طبعته الأولى أيضا بعنوان: "مطلع النور أو طوالع البعثة المحمدية".
وفي سلسلة "كتاب الهلال" أيضا ظهرت للعقاد مجموعة أخرى من الكتب على فترات متقاربة، ومنها كتاب "الله"، وكتابه المُشتق من كتابه الكبير "سعد زغلول: سيرة وتحية" بعنوان "سعد زغلول"، وكتاب "الفلسفة القرآنية"، وكتاب "المرأة في القرآن الكريم"، و"الإنسان في القرآن الكريم"، وكتاب "الشيوعية والإنسانية"، وكتاب "عبقرية الإمام"، وكتاب "الصديقة بنت الصديق"، وكتابه "حياة المسيح"، وكتابه عن "إبليس"، وروايته الوحيدة "سارة"، وكتاب "معاوية بن أبي سفيان في الميزان"، و"رجال عرفتهم"، و"شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي"، و"القائد الأعظم محمد علي جناح"، وغير ذلك من كتب ومؤلفات أعادت مؤسسة دار الهلال إخراجها في طبعات خاصة في "قطع كبير" خارج سلسلة "كتاب الهلال".
أول وآخر مقالين له في “الهلال” عن المرأة:
من الترهات والأباطيل الكثيرة التي شاعت وذاعت وراجت حول أستاذنا العقاد عداوته للمرأة، ونفوره منها، وهذا ـ وأيم الله ـ من الشائعات التي لا تستقيم مع الأمر الواقع، ولا تنهض له حجة مما أُثِرَ عنه من إنتاجه الثري وأحاديثه الكثيرة. وإنما الواقع الذي لا شبهة فيه أنه، بمنطق المفكر المعتدل، يضعها في مكانها الصحيح، حتى لو لم يُرْضِ ذلك الآخرين. عرف العقاد المرأة وأدرك من أمرها ما لم يدركه كثيرون غيره، فهو لم يُسْقِط المرأة من اهتماماته أو حساباته، فقد اختصها في مطلع حياته بكتاب، حيث كان ثاني كتاب يصدر له سنة 1912م بعنوان "الإنسان الثاني أو المرأة"، وقد صدر ـ كما قلت ـ عن دار الهلال، ثم كتب عنها كتابه الثاني سنة 1945م بعنوان "هذه الشجرة: دراسة شاملة عن المرأة"، وفي أواخر حياته كتب عنها مؤلفا آخر "المرأة في القرآن الكريم" نشره في العام 1960م، ودارت حوله معركة حامية الوطيس بينه وبين الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، أما رابع كتبه عنها فقد نشر بعد رحيله، حيث جُمعت مجموعة من مقالاته وكتاباته عنها ونشرت في بيروت بعنوان "المرأة ذلك اللغز" سنة 1970م. هذا، بخلاف عشرات المقالات المتناثرة في بطون المجلات والصحف.
ومن اللافت للنظر ـ ونحن نكتب هنا عن علاقته بالهلال ـ أن أول مقال ظهر له في مجلة الهلال كان حول المرأة، بعنوان "المرأة الشرقية"، وقد نُشِر بالعدد الصادر في الأول من نوفمبر سنة 1924م، كما كان آخر مقال له فيها قبيل وفاته ـ رحمه الله ـ أيضا حول المرأة، بعنوان "أربع كاتبات" ـ ممن فزن بجوائز نوبل ـ الذي نُشِر في الأول من مارس سنة 1964م، قبل رحيله باثني عشر يوما.
العقاد أكثر من كتب في مجلات دار الهلال:
كتب العقاد في معظم مجلات دار الهلال، فكتب في مجلة "الهلال"، ومجلة "كل شيء"، وفي مجلة "الدنيا المصورة"، وفي مجلة "الإثنين والدنيا"، ومجلة "المصور"، ومجلة "الكواكب"، وغيرها. إلا أنه قد اختص مجلة الهلال بمعظم إنتاجه، فقد رصد الدكتور حمدي السكوت ما بين أول مقال للعقاد سنة 1924م وآخر مقال له سنة 1964م ـ أي على امتداد 40 عاما ـ حوالي 230 مقالا، إضافة إلى حوالي 4 قصائد، تركز القسم الأكبر منها بعد عام 1935م. وقد كونت مجموعة كبيرة من هذه المقالات أجزاء حيوية من كتبه التي أصدرها في حياته أو الكتب التي أصدرها تلاميذه ومريدوه بعد وفاته، ومن هذه الكتب: "مراجعات في الآداب والفنون"، و"ساعات بين الكتب"، و"خواطر في الفن والقصة"، و"دراسات في المذاهب الأدبية والاجتماعية"، و"عيد القلم"، و"المرأة ذلك اللغز"، و"أنا"، و"حياة قلم"، وغيرها.
من أغراض كتابة العقاد في الهلال:
المعروف أن العقاد كاتب موسوعي، يكتب في جميع الأغراض التي تصلح للكتابة، وكل الأغراض في نظره تصلح لأن تكون محل اهتمام للكتابة إذا ما اتسعت وتنوعت ثقافة الكاتب، بحيث تظهر شخصيته وأسلوبه وإضافته فيما تدبجه يراعته.
وقد تمرس العقاد على الكتابة في شتى المجالات، وكان صاحب أسلوب مميز، وهو كاتب لا تقرأ إنتاجه قبل النوم أو لتزجية أوقات الفراغ، وإنما ينبغي لمن يقرأ له أن يعبئ كل طاقاته الفكرية ليستطيع أن يتتبع أفكاره ويفيد منها، وربما توحي له بمزيد من الأفكار والسوانح. كان العقاد ـ بحق ـ كاتب مقال من الطراز الأول. رصد له الدكتور السكوت 5873 مقالا، عدا مقدمات الكتب التي أفرد لها الكاتب السعودي الدكتور عبد الرحمن حسن قائد كتابا ضخما في 715 صفحة (2020م).
وكل مقال كان يدبجه يمكن أن يكون بذرة قابلة للنمو، لدرجة أن تصبح كتابا أو مؤلفا قائما بذاته، ولا أدل على ذلك إلا النتف التي سجلها على عجل وضمَّنها أول كتاب له "خلاصة اليومية والشذور"، والتي أثمرت الكثير من نتاجه الأدبي والنقدي طيلة حياته بعد ذلك ـ كما قدمنا آنفا.
ومن الأغراض التي تناولها على صفحات الهلال خلال قرابة 40 عاما تناوله لبعض الأحداث الجارية، ومنها الموضوعات السياسية، والموضوعات الاجتماعية والأدبية، وحول الشخصيات والتراجم، وبعض الموضوعات حول الطبيعة، كمقالاته حول الفصول المختلفة: الربيع والصيف والشتاء، وانطباعاته حولها، كمقاله "أكره الصيف".
فبعد أول مقال له عن "المرأة الشرقية"، تستكتبه الهلال عقب وفاة الزعيم سعد زغلول سنة 1927م، فيكتب لها مقالا طويلا بعنوان "سعد الصميم" في إحدى عشرة صفحة، ويجري معه طاهر الطناحي حوارا تحت عنوان "نظرات للأستاذ عباس العقاد في نهضة الأدب" (1931م)، ثم يتبعه بمقال بعنوان "هل يصبح لنا أدب عالمي؟" (نوفمبر 1933م)، يتبعه في الشهر التالي بمقال بعنوان "هل الخيال آفة الشرق؟"، ثم يتعرض لنقد ثلاثة كتب في مقال ظهر في عدد يناير 1934م. ثم يكتب عن "النقاد والجمهور" في عدد ديسمبر 1934م، يتبعه بمقال طريف حول الدكتور طه حسين في عدد يوليو 1935م، يعقبه في الشهر التالي بمقال بعنوان: "شخصية المتنبي في شعره".
والظاهرة الجديرة بالتسجيل هنا أن أسلوب العقاد في مقالاته قد ساير وتوافق مع المراحل المختلفة التي كتب فيها على مدى الزمن الممتد، فبدأ بأسلوب جزل رصين، قد يقتضي القارئ ـ في أحيان كثيرة ـ اللجوء إلى قواميس اللغة حتى يتبين معاني بعض الألفاظ والتعبيرات التي يستعملها؛ ولكنه تدرج في أسلوبه ليختار الألفاظ السهلة السلسة الشائعة، دون خروج على مقتضيات الفصحى وقواعدها السليمة. فصارت جملته ـ خاصة في أواخر حياته ـ جملة صحفية بسيطة، تصل إلى فهم القارئ وإدراكه من أقصر طريق. ولهذا لا أشك في أنه لو عاش عصرنا وشهد منصات التواصل الاجتماعي المنتشرة هذه الأيام، لكان فارسها ذا القدح المعلى بلا منازع. فهو العقاد الذي لا يرضى لنفسه إلا بموقع الصدارة والتميز والابتكار!