الجمعة 19 يونيو 2026

عرب وعالم

خبير لبناني: الاتفاق الأمريكي الإيراني قد يعيد رسم توازنات المنطقة ويخفف التوتر في لبنان

  • 18-6-2026 | 14:07

العميد منير شحادة، المنسق السابق للحكومة اللبنانية لدى قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان

طباعة
  • أ ش أ

قال العميد منير شحادة، المنسق السابق للحكومة اللبنانية لدى قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، إن أهمية الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران تأتي بعد مرحلة بلغت فيها المنطقة مستوى غير مسبوق من التوتر السياسي والعسكري، حيث ارتفعت احتمالات الانزلاق إلى مواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران بصورة تهدد أمن الخليج وشرق المتوسط والعراق وسوريا ولبنان.

وأوضح شحادة، في تصريحات خاصة لوكالة أنباء الشرق الأوسط، أن الأزمات الإقليمية تراكمت خلال السنوات الماضية إلى درجة بات معها أي خطأ في الحسابات أو حادث أمني قادراً على إشعال مواجهة واسعة تتجاوز حدود دولة واحدة، مشيراً إلى أنه حتى بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران، لا يمكن النظر إلى الاتفاق باعتباره مجرد تفاهم ثنائي بين واشنطن وطهران، بل باعتباره محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة بأكملها.

وأضاف أن الأهمية الحقيقية للاتفاق تكمن في نقله العلاقة بين الطرفين من منطق الضغوط المتبادلة والعقوبات والتهديدات العسكرية إلى منطق إدارة الخلافات عبر التفاوض والحوار السياسي، معتبراً أنه يبعث برسالة واضحة إلى القوى الإقليمية بأن المرحلة المقبلة قد تكون أقرب إلى التسويات والتفاهمات منها إلى الحروب المفتوحة ومحاولات كسر الإرادات.

ورأى أن نجاح هذا المسار واستمراره قد يفتح الباب أمام إعادة ترتيب العديد من الملفات الإقليمية العالقة ويؤسس لمعادلات أكثر استقراراً بعد سنوات طويلة من المواجهات والاستنزاف.

وحول انعكاسات الاتفاق على لبنان، أكد شحادة أن لبنان كان دائماً من أكثر الساحات تأثراً بطبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، موضحاً أنه عندما ترتفع حدة التوتر بين الطرفين يتحول لبنان إلى إحدى ساحات الضغط المتبادل، فيما تنعكس أجواء التهدئة تلقائياً على الوضع اللبناني عندما تتراجع حدة المواجهة.

وأشار إلى أن الاتفاق قد يؤدي سياسياً إلى تخفيف مستوى الاستقطاب الداخلي المرتبط بالمحاور الإقليمية، ويفتح المجال أمام مقاربات أكثر واقعية في إدارة الخلافات الداخلية، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من الانقسام اللبناني كان يتغذى من الصراع الإقليمي الأوسع.

أما على الصعيد الأمني، فاعتبر أن أبرز النتائج المحتملة تتمثل في تراجع احتمالات توسع الحرب على الجبهة الجنوبية، لأن القوى الإقليمية تصبح أقل ميلاً إلى التصعيد عندما تكون منخرطة في مسار تفاوضي واسع يهدف إلى تثبيت الاستقرار، رغم إعلان إسرائيل رفضها الالتزام ببنود الاتفاق فيما يخص الساحة اللبنانية.

وقال إن العقدة الأساسية تبقى مرتبطة بالموقف الإسرائيلي، موضحاً أنه إذا أصرت إسرائيل على مواصلة العمليات العسكرية أو ربط أي انسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة بشروط تتعلق بسلاح المقاومة، فإن ذلك سيبقي عناصر التوتر قائمة، بينما قد تجد واشنطن نفسها مضطرة إلى ممارسة ضغوط فعلية على إسرائيل إذا كانت تنظر إلى الاتفاق باعتباره جزءاً من مشروع أوسع لإعادة الاستقرار إلى المنطقة.

وأضاف أن إسرائيل قد تنظر إلى أي اتفاق أمريكي إيراني باعتباره تراجعاً عن سياسة المواجهة الشاملة التي كانت تراهن عليها، ما يجعلها من أكثر الأطراف قلقاً من نتائجه السياسية والاستراتيجية، معتبراً أنها ترى نفسها الخاسر الأكبر من هذا التحول.

وأكد شحادة أن الاتفاق يمكن أن يسهم بدرجة كبيرة في تثبيت التهدئة على الحدود الجنوبية اللبنانية، لأن أي تفاهم بين واشنطن وطهران يفترض وجود إرادة مشتركة لتخفيف احتمالات الانفجار في الساحات المرتبطة بهما، وفي مقدمتها الساحة اللبنانية، لكنه شدد على أن الاعتقاد بأن الاتفاق وحده كاف لإنهاء التوتر بشكل نهائي سيكون أمراً غير دقيق.

وأوضح أن هناك عوامل أخرى لا تقل أهمية، أبرزها الموقف الإسرائيلي ومستقبل الحرب في المنطقة وطبيعة التفاهمات الأمنية التي قد تُبنى لاحقاً بين مختلف الأطراف، مشيراً إلى أن الاتفاق قد يشكل مظلة سياسية داعمة للتهدئة لكنه لا يتحول تلقائياً إلى ضمانة مطلقة للاستقرار ما لم تقترن نتائجه بإجراءات ميدانية واضحة والتزامات متبادلة.

وفي الشأن الداخلي اللبناني، توقع أن يدفع الاتفاق معظم القوى السياسية إلى اعتماد مقاربات أكثر براغماتية وأقل حدة في الخطاب السياسي، لأن توجه القوى الإقليمية الكبرى نحو الحوار والتفاهم يجعل من الصعب على القوى المحلية الاستمرار في خطاب يقوم على التصعيد الدائم والمواجهة المفتوحة.

واستدرك بأن ذلك لا يعني انتهاء الانقسامات اللبنانية أو ذوبان المحاور السياسية القائمة، لأن هذه الانقسامات أصبحت تمتلك أبعاداً داخلية أيضاً، لكنه رجح انتقال الأولويات تدريجياً من الملفات الأمنية والعسكرية إلى الملفات الاقتصادية والمالية والإصلاحية.

كما رأى أن الاتفاق قد يفتح الباب أمام تسويات داخلية في لبنان، لأن جزءاً كبيراً من التعقيدات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية كان مرتبطاً بالصراعات الإقليمية وانعكاساتها المباشرة على الداخل اللبناني، إلا أنه أشار إلى أن بعض القوى السياسية بنت مواقفها على رهانات تتعلق بإضعاف المقاومة أو تغيير موازين القوى الداخلية بصورة جذرية، وإذا جاءت التطورات الإقليمية مخالفة لهذه الرهانات فقد تجد هذه القوى صعوبة في العودة سريعاً إلى نقطة التوازن السياسي.

وقال إن فرص التسوية قد تصبح أكبر خلال المرحلة المقبلة، لكن الوصول إليها يتطلب قدراً من الواقعية السياسية والتنازلات المتبادلة من مختلف الأطراف اللبنانية.

وعن التأثير الاقتصادي المحتمل، أكد شحادة أن الاستقرار الأمني يشكل الشرط الأول لأي عملية نهوض اقتصادي حقيقية، لأن المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية لا يضخون الأموال في بلد يعيش على وقع حرب مفتوحة أو احتمالات مواجهة إقليمية واسعة.

وأضاف أن أهم أثر محتمل للاتفاق يتمثل في استعادة جزء من الثقة المفقودة بالوضع اللبناني، بما قد يفتح الباب أمام تدفقات استثمارية جديدة وتحسين فرص الحصول على تمويل دولي ومساعدات خارجية.

وأشار إلى أن توقف الحرب وتثبيت الاستقرار الأمني قد يؤديان إلى إطلاق ورشة واسعة لإعادة الإعمار، بما ينعكس على قطاعات البناء والخدمات والنقل والتجارة ويوفر فرص عمل لآلاف اللبنانيين، مؤكداً أن الاستفادة الفعلية من هذه الفرصة ستبقى مرتبطة بقدرة الدولة على تنفيذ إصلاحات حقيقية وإدارة الموارد بطريقة شفافة وفعالة.

وفي ما يتعلق بإعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب، أوضح أن نجاح الاتفاق في تثبيت الهدوء ومنع عودة الحرب قد يجعل إعادة الإعمار جزءاً من مشروع أوسع لإعادة الاستقرار إلى لبنان والمنطقة، بما يساعد على عودة السكان إلى مناطقهم وتنشيط الاقتصاد المحلي وإعادة بناء البنية التحتية والخدمات الأساسية.

وحذر من أن استفادة لبنان من أي تقارب أميركي ـ إيراني ليست أمراً تلقائياً، مشيراً إلى تحديات داخلية تتمثل في استمرار الانقسام السياسي وضعف مؤسسات الدولة وبطء الإصلاحات وغياب رؤية اقتصادية واضحة للخروج من الأزمة، فضلاً عن تحديات خارجية ترتبط بإسرائيل واحتمالات تعثر الاتفاق أو اعتراض بعض القوى الإقليمية على نتائجه.

ورأى أن السيناريو الأكثر واقعية يتمثل في الانتقال من مرحلة الصراع المفتوح إلى مرحلة إدارة الصراع وضبطه ضمن حدود تمنع الانفجار الكبير، وهو ما قد ينعكس أيضاً على العلاقات بين إيران ودول الخليج العربي عبر مستوى أعلى من الحوار والتعاون.

وعن السيناريوهات المحتملة للبنان خلال الأشهر المقبلة، قال إن السيناريو الإيجابي يتمثل في نجاح الاتفاق بصورة كاملة وتثبيت التهدئة في الجنوب وانطلاق مشاريع إعادة الإعمار وتحسن تدريجي في الوضع الاقتصادي وفتح الباب أمام تسويات سياسية داخلية، بينما يتمثل السيناريو الوسطي، وهو الأقرب للواقع في المدى القريب، في استمرار الهدوء النسبي مع بقاء معظم الأزمات الاقتصادية والسياسية دون حلول جذرية.

أما السيناريو السلبي، فيتمثل في تعثر الاتفاق أو انهياره وعودة المنطقة إلى مرحلة التصعيد والمواجهات بما ينعكس مباشرة على لبنان أمنياً واقتصادياً.

وأكد شحادة أن لبنان لن يكون لاعباً رئيسياً في صياغة الترتيبات الإقليمية الكبرى، لكنه سيكون من أكثر الدول تأثراً بنتائجها، سواء في ما يتعلق بأمن الحدود الجنوبية أو إعادة الإعمار أو الاستقرار الاقتصادي.

ودعا الدولة اللبنانية إلى الاستفادة من أي مناخ إقليمي إيجابي عبر تسريع الإصلاحات الاقتصادية والمالية ومكافحة الفساد وتعزيز الاستقرار الأمني وإطلاق مشاريع تنموية وإنتاجية، مؤكداً أن الدول التي تستفيد من التحولات الإقليمية ليست بالضرورة الأكثر تعرضاً للأحداث، بل الأكثر جاهزية لاقتناص الفرص.

كما توقع أن يؤدي نجاح الاتفاق واستمراره إلى تغير تدريجي في النظرة العربية والدولية إلى لبنان، بما يعزز فرص الاستثمارات والمساعدات والمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار والتنمية، مع بقاء ذلك مرتبطاً بمدى قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة.

وحول مستقبل العلاقة بين لبنان وإيران، قال شحادة إنه إذا دخلت المنطقة فعلاً مرحلة تهدئة طويلة نسبياً فمن المرجح أن تشهد هذه العلاقة تحولاً تدريجياً في طبيعة الأولويات، بحيث تزداد أهمية الجوانب الاقتصادية والثقافية والدبلوماسية إلى جانب التعاون في مجالات التنمية والاستثمار وإعادة الإعمار.

وختم بالقول إن الاتفاق الأميركي ـ الإيراني قد يوفر فرصة تاريخية للبنان للانتقال من مرحلة إدارة المخاطر الأمنية والحروب إلى مرحلة التركيز على معالجة الأزمات الاقتصادية والمالية وبناء مقومات الاستقرار طويل الأمد، لكنه شدد على أنه من غير الواقعي توقع انتقال لبنان من الأزمة إلى الازدهار الكامل خلال عام واحد، نظراً إلى حجم التحديات والأزمات المتراكمة، مؤكداً أن تحويل هذه الفرصة إلى إنجاز فعلي سيبقى رهناً بقدرة اللبنانيين أنفسهم على استثمارها وحسن إدارة المرحلة المقبلة.

أخبار الساعة