في بداية محبتي للفن كان فن الغناء هو الأول الذي ذهبت إليه لسهولة اللقاء به، فقد كان هو من يأتي إلينا في بيوتنا، ومن خلال جهاز الراديو الموجود في كل بيت، بل وفي المحلات التي نشتري منها احتياجاتنا، وبالتالي لم يكن صعبًا أن يجذبنا الصوت مع الكلمة واللحن، وبرغم كثرة الأصوات الجميلة في بداية رحلتي مع الفن، إلا أن حليم، أو عبد الحليم حافظ، استطاع أن يشق طريقه وأن يستحوذ على اهتمامي الأول بعد عبد الوهاب، وأن يأخذني من أصوات أخرى كنت أحبها لنجوم ذلك الزمن مثل عبد الغني السيد، وكارم محمود، ومحمد عبد المطلب، غير أن التغيير الأكبر جاء بسبب السينما، وأبي، الذي بدأ تقليدًا جميلًا وهو الذهاب مع أبنائه وبناته إلى السينما مرة كل أسبوع لرؤية فيلم مصري جديد.
هنا رأيت عبد الحليم الآخر، الذي يمتلك كتلة من المشاعر الصادقة التي تضيء أي دور يقدمه في أي فيلم، يمثل بحساسية شديدة، وتخرج الكلمة منه ليصدقها المشاهد، ويجيد التعبير بوجهه وحركات جسده مع الصوت، فيصنع للمشاهد فيلمًا يخصه داخل الفيلم، وأمام كل الممثلين العظماء وغيرهم، ليجعلك تنتظره وتنتظر ما سوف يحدث له في الفيلم أكثر من انتظارك لغيره، وهو ما رأيته في أفلام مثل لحن الوفاء مع شادية، وفي أيامنا الحلوة مع فاتن حمامة وعمر الشريف وأحمد رمزي، والوسادة الخالية مع لبنى عبد العزيز، والخطايا مع نادية لطفي، وصولًا إلى معبودة الجماهير وأبي فوق الشجرة آخر أفلامه، والتي سحبت إليها جمهورًا كبيرًا من محبي صوته لمحبته كممثل قدير أيضًا، بل إنه في تقديري أهم ممثل بين أهل الغناء جميعهم، وربما لو كانت المعادلة تغيرت ورأيناه كممثل وليس مطربًا لكان من أهم نجوم التمثيل، والحمد لله أن هذا لم يحدث لأن صوته وقدراته كمغنٍ كانت إحدى هبات الفن المصري العظيم، وأحد ملامح الغناء المصري الجميل والباقي حتى اليوم برغم رحيله، لأن بلاغة الكلمة والشعر والموسيقى كانت أدوات هذا الفنان المبدع، وصوته المعبر عن إحساسه الصادق بكل كلمة ونغمة، ومن هنا جاءت أسطورة عبد الحليم حافظ، أو بدأت، لأننا كمستمعين لم نعرف إلا أغنياته، وكمشاهدين للسينما عرفناه كممثل، ولكن يوجد معبر آخر إليه لم تعرفه الأغلبية منا، وهو عبد الحليم الإنسان وعلاقته بالناس العاديين، وهو ما عرفته مؤخرًا جدًا من خلال برنامج إذاعي كانت تقدمه الإذاعة المصرية باسم "حول الأسرة البيضاء" للإذاعية الكبيرة سامية صادق، والذي كشف عن عبد الحليم الذي لا نعرفه نحن جمهوره ومحبيه.
هل أنت حقًا عبد الحليم؟
في البرنامج، فوجئت أنا وغيري ذات مساء غير بعيد بهذه الحلقة التي سمعناها على موجة إذاعة الأغاني، وفيها عبد الحليم ومعه صباح وشريفة فاضل، وقد ذهبوا مع سامية صادق إلى محافظة أسوان، وإلى المستشفى العسكري بها في زيارة للترفيه عن المرضى من المواطنين، ولأن "حول الأسرة البيضاء" كان برنامجًا مخصصًا لزيارات المواطنين الذين يعانون من أزمات صحية أو ينتظرون إجراء عمليات جراحية في المستشفيات المصرية، فقد كان الكل يعرفه وينتظره، من المرضى إلى أهاليهم خارج المستشفى، وهو ما بدأ واضحًا من الترحيب الكبير من الموجودين بالمستشفى بهذه البعثة الفنية الكبيرة والشهيرة. لكن الجديد هنا هو سلوك عبد الحليم نفسه الذي بدأ وكأنه المفوض من قبل أهل الفن للتفاعل مع الموجودين في المستشفى، وهنا نكتشف سلوكه الإنساني النبيل، وقدرته على إدارة الحوار مع الجميع بكل بساطة وعفوية، بل قدرته على تجميع المرضى وحرصه على سؤالهم عن رسائلهم إلى أهاليهم، وتعامله معهم وكأنهم أصدقاء العمر وليسوا معرفة اللحظة، ومن هنا أيضًا لم يكن غريبًا أن يكتشف وجود طفل بينهم اتضح أنه ابن لأحد الأطباء الذي تحايل على أبيه للحضور معه ليرى حليم، وليطلب منه أن يغني له أغنية وحياة قلبي وأفراحه، التي استفزت الجميع فشاركوا في غنائها، في نهاية جميلة ومؤثرة للبرنامج.
يوم من عمري.. وأزمة الصحافة
في فيلم يوم من عمري نرى عبد الحليم حافظ في دور الصحفي "صلاح" الذي يطلب منه رئيس تحرير الجريدة، محمود المليجي، الذهاب للمطار ومعه المصور يونس، عبد السلام النابلسي، لتصوير ابنة مليونير شهير، زبيدة ثروت في دور نادية، وهي عائدة إلى بلدها بعد غياب طويل. ويذهب صلاح مع يونس، وهنا يبدو عبد الحليم في مرحلة أكبر عمرًا من مظهره في أفلامه الأولى، كما يبدو بوضوح اعتماد صناع الفيلم عليه كممثل ربما أكثر منه كمطرب، فالفيلم الذي أنتج عام 1961، وأخرجه عاطف سالم عن قصة وسيناريو وحوار يوسف جوهر وسيف الدين شوكت، وشارك فيه عدد من كبار مبدعي السينما المصرية في زمن الستينيات، كان من نوع الأفلام التي انتقلت بعبد الحليم حافظ من السينما الرومانسية إلى سينما أكثر درامية وأقرب لقضايا الواقع، مثل أفلام الخطايا عام 1962 ومعبودة الجماهير عام 1967 وفيلمه الأخير أبي فوق الشجرة عام 1969، أي إن عبد الحليم حافظ صنع مجده السينمائي في أربعة عشر عامًا فقط بين أول أفلامه لحن الوفاء وآخرها.
ومن هنا نرى عبد الحليم يحمل الفيلم كممثل وحده بأداء تراجيدي مع عبد السلام النابلسي بأدائه الكوميدي الذي يصل لدرجة الفانتازيا أحيانًا كثيرة، ومعهما زبيدة ثروت في أداء متفاوت يصل إلى أفضل أحواله في الجزء الأخير من الفيلم، وأمام عبد الحليم والنابلسي يتجمع عدد من كبار الممثلين مثل المليجي، وزكي طليمات، وزوزو نبيل وغيرهم. ومن الملفت هنا أن وجود أغاني عبد الحليم لم يصنع فارقًا كبيرًا في ميلودراما الفيلم التي اعتمدت على محاولات البطلة الهروب من أبيها وأسرتها والزواج الإجباري من شقيق زوجة الأب، مع ذلك فإن هذه الأغاني تعد من أجمل أغاني حليم في حال تقييمها بعيدًا عن دراما الفيلم، وهي أربع أغانٍ هي: بأمر الحب لـبليغ حمدي ومأمون الشناوي، وخايف مرة أحب، وضحك ولعب وجد وحب، والاثنتان من ألحان منير مراد وكلمات مرسي جميل عزيز، وأخيرًا أغنية انتهى بها الفيلم وفيها حزن شفاف يطول المشاهد وهو يرى تعبيرها عن الفراق بين البطل والبطلة، وهي أغنية بعد إيه لـمأمون الشناوي وكمال الطويل.
إنه في تقديري أكثر أفلام حليم تعبيرًا عن نضجه الفني كممثل قدير، وفيه استطاع أن يحقق توازنًا دراميًا مدهشًا بين التراجيديا والكوميديا فقط من خلال أدائه وحرصه على تقديم ملامح الشخصية كما نعرفها، وليس كما حاول النابلسي الجنوح بها إلى نوع من الكوميديا البعيدة عن أي منطق. ولهذا كله، أي التفوق في الغناء والتمثيل ومحبة الناس، استحق عبد الحليم حافظ ما حققه من محبة جمهور عريض لا يزال على عهده به.