كنت أظن وأنا أعد لهذا المقال أنني سأتحدث عن بضع قصائد تغنّى بها العندليب عبدالحليم حافظ، هي القصائد التي نرددها وتعيش بيننا حتى يومنا هذا من أمثال: يا مالكًا قلبي، ولست قلبي، ورسالة من تحت الماء، وقارئة الفنجان.
ولكنني فوجئت بأن تراث عبدالحليم حافظ غنيٌّ بالغناء بالفصحى في كل مراحله الغنائية، ولا سيما في بداياته، لدرجة أنني أحصيت من خلال المراجع والقوائم التي جمعت أغانيه ستًّا وعشرين قصيدة، أغلبها طواها النسيان، ولكن -ولله الحمد- لم يطوها الفقدان! فلولا احتفاظ الإذاعة المصرية، ومواقع الإنترنت، والقنوات التي تخصصت في فن عبدالحليم حافظ، بهذه القصائد وبغيرها من الأغاني الأخرى، لما سمعنا عنها قط!
ولا أدري لماذا لا تعاد هذه الألحان مرة أخرى للظهور؛ لينعم الذوق الجمعيّ بهذه المعاني البليغة واللغة الرقراقة التي تنساب عذوبة من حنجرة عبدالحليم حافظ الذهبية، فضلًا عن الألحان الماتعة للعديد من الملحنين المشهورين والمغمورين أيضًا لعموم الجمهور، وليس لأهل الفن والغناء طبعًا.
فهل تعلم عزيزي القارئ أن البداية الأولى للعندليب في الإذاعة بعد أن اكتشفه الإذاعي حافظ عبد الوهاب، وأعطاه اسمه، كانت عام 1951 بقصيدة "لقاء" من كلمات الشاعر صلاح عبد الصبور، وألحان الموسيقار كمال الطويل، وذلك قبل أن يغني صافيني مرة التي كانت سبب شهرته، والتي غناها على المسرح القومي بالإسكندرية في 7/8/1952؟!
تقول القصيدة في بدايتها، وهي من الشعر الحر، ومقام الكرد مع عدة تحويلات مقامية:
بعدَ عامين التقينا هاهنا
والدُّجى يغمرُ وجهَ المَغْربِ
وشَرِبنا النورَ يخبو حولَنا
فسبَحنا في جلالِ الموكبِ
وانتبهنا فتبعنا ظلَّنا
دمعُنا ينطقُ واللفظُ أبي
آه لو تدرين ما أكتمُه في دمي
يا واحةَ المُغْتربِ
وتتميز قصائد هذه الفترة بالحديث عن جمال الطبيعة، فمن أعمال هذه الفترة قصيدتان عن فترة ما بين العصر وغروب الشمس التي تسمى بالأصيل، بعنوان: "الأصيل" من نظم إمام الصفطاوي، ولحن علي إسماعيل، و"الأصيل الذهبي" من كلمات عبد الرحمن الخميسي، ولحن عبد الحميد توفيق زكي. يقول مطلع قصيدة "الأصيل"، وهي من مقام النهاوند:
"أغرقَ الأصيل.. مَفْرِقَ النَّخيل..
في سَنا الشفقْ
فانثنى يميل.. عِطْفُه الجميل..
حيثما اتَّفقْ"
أما "الأصيل الذهبي"، فهي من مقام العجم، ويعود تاريخ إذاعتها -طبقًا لمؤرخي أغاني عبدالحليم حافظ- إلى 16 إبريل 1951. يقول مطلعها:
"الأصيل الذهبي انسابَ في الأفْقِ الْحَبيب.. رقصتْ في ركْبِه السّاحرِ أطيافُ الغروب"
ومن كلمات الشاعر مصطفى عبد الرحمن، وألحان الموسيقار حسين جنيد، يغني عبدالحليم حافظ في برنامج غنائي بعنوان شهامة عربي عام 1953 قصيدة "ذاك عيد الندى"، وهي تذكرنا بقصائد البلاط العربي في العصر العباسي. تقول بداية القصيدة، وهي من مقام الكرد:
ذاك عيد الندى والمنى والكرم
فكلوا وامرحــوا في وريف النعم
واشربوا واطربوا لرفيع النــــغم
ذاك عيد الندى والمنى والكرم
ولم تقف حدود القصيدة في هذه الفترة المبكرة من عمر حليم الفني على القصيدة الوجدانية فحسب، بل نجد القصيدة الوطنية والقصيدة الدينية كذلك.
ففي عام 1952 يغني في البرنامج نفسه شهامة عربي، وبالتعاون نفسه مع الشاعر والملحن السابقين، ابتهال: "يا إله الكون".
يا إلهَ الكون يا ربَّ السماء
أنت يا ربّاهُ عونُ الأبرياء
ما جنت كفاي ذنبًا
لا ولا خنت عهدًا
أنا عنوان الوفاء
فاشهد اللهم ظلمًا حاق بي
واحتسبني في سجل الشهداء
يا إله الكون
وأما القصيدة الوطنية فكانت قصيدة بالاشتراك مع عصمت عبد العليم، والمجموعة عام 1953 بعنوان: "العهد الجديد" من كلمات: محمود عبد الحي، وتلحين: عبد الحميد توفيق زكي، ومطلعها:
حيوا فجر البعث
واطلب الآمال
في يوم الخلود
في العهد الجديد
ومن الثنائيات (الدويتو) في عام 1953 كذلك، قصيدة "الفجر بدا" بالاشتراك مع نادية فهمي.
حليم ونادية: الفجر بدا نورًا وندى
وسقى الورد كأسًا شهدًا
حليم: الفجر يهدهد جناتي..
ويوشيها بأناملِه
نادية: ويداعب ريشةَ كاساتي
ويلاغيها بسنابلِه...
ومن عجيب هذه الفترة أن يلحن له الموسيقار عزيز الشوان صاحب أوبرا أنس الوجود وباليه إيزيس وأوزريس، وصاحب الموسيقى الكلاسيكية السيمفونية التي تحمل بصمته المصرية؛ أن يلحن له قصيدة "لا تظنّي أنَّ ما فات يعود" من كلمات زينب محمد حسين، وكانت من برنامج كان ياما كان مع الإعلامي الأستاذ طارق مصطفى.
ومن جميل البدايات قصيدة "ربيع شاعر" للشاعر مصطفى عبد الرحمن، وألحان محمد الموجي، من مقام الحجاز، واللافت المبدع أن الموجي بدأ اللحن بالعود منفردًا، تصحبه فقط نقرات الكمنجات، ثم ردود الفرقة، والعودة للعود، والرد من الفرقة في حوار موسيقي بديع، وكأن في ذلك تهيئة موسيقية رامزة لمناجاة الشاعر لربيعه الذي تذوي أزهاره قبل أوانها:
يا ربيعي ما لأزهارِك تذوي
وأرى أوراقك الخضراءَ تهوي
أنا روَّيتك من كاسات خمري
يا لدهري ما الذي صوّح زهري
قبلما تشهد أنوارَ الحياة
ثمّ لا تملك نفسي غيرَ آه
ووهبت الزهرَ أنفاسي وعِطري
ورماه قاسيًا حين رماه
وأنا ما زلت في فجر الحياة
وفي عام 1954 يعود للطبيعة والحب، فيغني: "ربّما" من كلمات محمد علي أحمد، وتلحين محمود كامل، تقول القصيدة من مقام النهاوند:
في ربى الورد وعند النهرِ
وعلى أفْق النجوم الزُّهرِ
أسعيد كنت في الحب أنا؟ ربّما
بين غاداتِ الربيعِ الباكرِ
أنا أحيا كالفراش الحائرِ
أم شقي في ضلالات المنى؟ ربّما
وفي برنامج فتاة النيل في نوفمبر 1954، يطربنا بقصيدة "أقبل الصباح" من كلمات أحمد مخيمر، وألحان الموسيقار محمد الموجي، من مقام البياتي:
كورس: هيا هيا هيه
هيا هيا هيه
أقبل الصباح عاطر النجاح
أيها الملاح هيا هيا هيه
حليم: انشر القلاع غنِّ للرياح
لحظة الوداع توقظ الجراح
كورس: هيا هيا هيه
هيا هيا هيه
حليم: موطن الحبيب عالم الخلود
فرحة الغريب عندما يعود
كورس: هيا هيا هيه
وحين يبدأ عبدالحليم حافظ أول أفلامه لحن الوفاء عام 1955، يكون قالب القصيدة أول ما يطربنا به في الفيلم، وذلك من خلال قصيدة "لا تلمني" من كلمات محمد علي أحمد، وألحان كمال الطويل من مقام العجم في الأساس، ثم تنويع مقامي بالانتقال إلى مقام النهاوند في الكوبليه الأول، ثم إلى مقام الحجاز في الكوبليه الثاني، وقد وظّف كمال الطويل آلة الماندولين ببراعة في مطلع موسيقى القصيدة بعد البيانو المنفرد، والذي ظهر عبدالحليم حافظ في الفيلم يعزف عليه وهو يغني القصيدة، وهي قائمة في شعريتها على الأسلوب الشرطي المُصدّر بـ"إن"؛ ليكون الجواب دومًا: لا تلمني.
إنْ أتيتُ الروضَ يومًا.. لا تلمني
فمن العطرِ انتشيتْ
أو جنيتُ الوردَ عفوًا.. لا تلمني
فعلى الشوك مشيت.. لا لا لا لا.. لا تلمني
وفي العام نفسه 1955 يغني من كلمات شاعر الكوخ محمود حسن إسماعيل، وألحان محمد الموجي قصيدة "نداء الماضي".
وحين يأتي العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، يغني من كلمات مأمون الشناوي، ولحن كمال الطويل، قصيدة: "إني ملكت في يدي زمامي".
ويطول بنا المقام إذا استعرضنا جميع قصائد هذه الفترة التي تمثل أول عشر سنوات من التاريخ الفني الحليمي، فما زالت هناك قصائد: "الجدول" لـإمام الصفطاوي وعلي إسماعيل، و"ذات ليلة" لـمرسي جميل عزيز وكمال الطويل، ولهما أيضًا معه "يا ضنين الأمس" التي غناها أيضًا الفنان كارم محمود.
ويبدو أن أشهر قصائد هذه الفترة المغمورة قصائدها، قصيدة "سمراء" للأمير عبد الله الفيصل، وتلحين كمال الطويل من مقام الكرد، عام 1958:
سمراء يا حلم الطفولة
كيف الوصول إلى حماك
يا منية النفس العليلة
وليس لي في الأمر حيلة
ثم تأتي الفترة الذهبية من شهرة القصائد الحليميّة، ولكن ليس بكثرة الخمسينيات، فنجد في الفترة من 1960 إلى 1969 القصائد المشهورة: "حبيبها" من ألحان محمد الموجي، ولست قلبي من ألحان الموسيقار محمد عبد الوهاب، وكلتا القصيدتين من أشعار كامل الشناوي.
وكذلك رائعة محمد عبد الوهاب لا تكذبي التي غناها على عوده، كما تغنت بها الفنانة نجاة الصغيرة أيضًا، فقد غناها عبدالحليم حافظ في حفل عام بحديقة الأندلس في 9 سبتمبر عام 1962.
وهو العام نفسه الذي عُرض فيه فيلم الخطايا، وتغنّى عبدالحليم حافظ فيه بقصيدة الطلاسم لست أدري من ألحان محمد عبد الوهاب، وقد سبق أن غناها محمد عبد الوهاب في فيلم رصاصة في القلب عام 1944.
أما الفترة الأخيرة من حياة عبدالحليم حافظ من 1970 إلى 1977، فقد شهدت رائعة الأمير عبد الله الفيصل ومحمد الموجي يا مالكًا قلبي، كما شهدت أكبر تعاون بين الثلاثي نزار قباني ومحمد الموجي وعبدالحليم حافظ في قصيدتي: رسالة من تحت الماء، وقارئة الفنجان التي كانت آخر أغنياته على المسرح.
ويشاء قدر الله تعالى أن يكون العمل الوحيد الذي يُنشر بعد وفاته هو قصيدة "حبيبتي من تكون" من كلمات الأمير خالد بن سعود، وألحان الموسيقار بليغ حمدي.
والحق أن جميع هذه القصائد تحتاج إلى وقفات متأنية بالدرس والتحليل يضيق عنها المقام في هذه المقالة، التي أدعو في ختامها المتخصصين في إنتاج الفن الحليميّ أن يفردوا جميع قصائده المغمورة والمشهورة بأسطوانات منفصلة، علّها تكون هدية نرسلها له في ذكراه رحمه الله، ولا غرابة في ذلك، فكما رأينا فقد كانت البداية مع القصيدة والنهاية مع القصيدة، ذلك القالب الذي سيظل معتليًا عرش الغناء العربي.