في حياة الشعوب لحظات لا تُقاس بما يمر بعدها من سنوات، بل بما تتركه من أثر في وجدان الناس ومسار أوطانهم، وتبقى ثورة 30 يونيو واحدة من تلك اللحظات التي استعاد فيها المصريون شعورهم بالقدرة على صناعة مستقبلهم، بعدما بدت الدولة وكأنها تقف أمام اختبار مصيري يمس هويتها واستقرارها ومستقبل أجيالها القادمة.
لم يكن الطريق سهلاً، ولم تكن التحديات التي واجهتها مصر بعد تلك الأحداث عابرة أو محدودة، فقد وجدت الدولة نفسها أمام مسؤولية ضخمة لإعادة بناء الثقة، واستعادة كفاءة المؤسسات، وتوفير الأمن لمواطنيها، بالتوازي مع إطلاق مسار تنموي قادر على تلبية تطلعات ملايين المصريين إلى حياة أكثر استقرارًا وكرامة.
ومع مرور السنوات، بدأت ملامح التحول تتشكل على الأرض؛ من مشروعات تنموية كبرى وإصلاحات اقتصادية واسعة، إلى جهود متواصلة لترسيخ الاستقرار والحفاظ على تماسك الدولة في منطقة عانت وما زالت تعاني من أزمات وصراعات متلاحقة، وباتت التجربة المصرية محل اهتمام ومتابعة باعتبارها نموذجًا فريدًا في مواجهة التحديات الكبرى.
وفي هذا السياق، يؤكد خبراء سياسيون في تصريحات لوكالة أنباء الشرق الأوسط أن ما شهدته مصر بعد 30 يونيو يقدم تجربة تستحق الدراسة، ليس فقط لما حققته من استعادة لقدرة الدولة على العمل، وإنما أيضًا لما أظهرته من قدرة على تحقيق معادلة صعبة تجمع بين متطلبات الأمن وضرورات التنمية، في تجربة لا تزال أصداؤها وتداعياتها حاضرة بقوة في المشهد الإقليمي حتى اليوم.
وفي هذا الإطار.. أكدت الدكتورة غادة جابر أستاذة العلوم السياسية أن ثورة 30 يونيو مثلت لحظة إنقاذ تاريخية للدولة المصرية، بعدما نجحت في حماية مؤسساتها الوطنية والحفاظ على هويتها، وفتحت الطريق أمام مرحلة جديدة من البناء والتنمية الشاملة التي غيرت وجه مصر خلال السنوات الماضية.
وقالت جابر، إن مصر كانت قبل الثورة تواجه تحديات غير مسبوقة على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، وسط حالة من الانقسام المجتمعي وتهديد واضح لهوية الدولة الوطنية، إلا أن الإرادة الشعبية تجسدت في خروج ملايين المصريين إلى الميادين للمطالبة باستعادة الدولة والحفاظ على وحدتها.
وأضافت أن مشهد الثلاثين من يونيو لم يكن مجرد احتجاج سياسي، بل كان تعبيراً عن وعي شعبي جمع المصريين تحت راية الوطن، حيث توحدت مختلف فئات المجتمع دفاعاً عن الدولة المصرية ومؤسساتها، في واحدة من أكبر الحشود الشعبية التي شهدها التاريخ الحديث.
وأوضحت أن نجاح الثورة ارتبط بالدور الوطني الذي اضطلعت به القوات المسلحة المصرية، والتي انحازت لإرادة الشعب وحمت الدولة من الانزلاق إلى الفوضى، مشيرة إلى أن بيان الثالث من يوليو وخارطة الطريق التي توافقت عليها القوى الوطنية المختلفة شكلا بداية مرحلة جديدة من الاستقرار وإعادة البناء.
واستعرضت الدكتورة غادة جابر أبرز ما تحقق من إنجازات منذ ثورة 30 يونيو، مشيرة إلى أن الدولة المصرية نجحت في خوض معركتي البقاء والبناء في آن واحد، حيث تمكنت من مواجهة الإرهاب واستعادة الأمن والاستقرار، بالتوازي مع إطلاق أكبر عملية تنمية شاملة في تاريخها الحديث.
وأضافت أستاذة العلوم السياسية أن من أبرز هذه الإنجازات حفر قناة السويس الجديدة في وقت قياسي وبتمويل وإرادة مصرية خالصة، إلى جانب القضاء على العديد من المناطق العشوائية وغير الآمنة وتوفير سكن كريم للمواطنين من خلال مشروعات حضارية متكاملة، فضلاً عن تحقيق طفرة كبيرة في قطاع الطاقة والانتقال من أزمات الكهرباء ونقص الوقود إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي والتوسع في التصدير.
وأشارت إلى أن الدولة أطلقت مبادرة "حياة كريمة" باعتبارها أكبر مشروع تنموي يستهدف تطوير الريف المصري وتحسين جودة الحياة لملايين المواطنين، بالتوازي مع تنفيذ شبكة ضخمة من الطرق والمحاور والكباري التي ساهمت في تحسين حركة النقل ودعم الاقتصاد الوطني وربط مختلف أنحاء الجمهورية.
وأكدت جبر أن إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة ومدن الجيل الرابع يمثل نقلة نوعية في مسيرة التنمية العمرانية، ويعكس رؤية الدولة لبناء الجمهورية الجديدة وتوفير بيئة حديثة للاستثمار والعمل والخدمات.
ولفتت إلى أن مصر حققت خطوات متقدمة في مجال التحول الرقمي والحوكمة من خلال ميكنة الخدمات الحكومية والتوسع في الخدمات الإلكترونية، بما يسهم في تسهيل حصول المواطنين على الخدمات وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد.
كما نوهت بما شهدته الدولة من تطور في ملف حقوق الإنسان من خلال تبني مفهوم شامل يرتكز على توفير السكن اللائق والتعليم والرعاية الصحية والحياة الكريمة، وإطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان.
وأوضحت أن السنوات الماضية شهدت تمكيناً غير مسبوق للمرأة المصرية عبر زيادة تمثيلها في البرلمان والمناصب التنفيذية والقضائية، إلى جانب إطلاق برامج ومبادرات لدعمها اقتصادياً واجتماعياً وتعزيز حمايتها القانونية.
وأضافت أن الدولة أولت اهتماماً كبيراً بـذوي الهمم من خلال إصدار التشريعات الداعمة لحقوقهم وتوسيع فرص دمجهم في التعليم وسوق العمل، فضلاً عن دعم الأطفال عبر المبادرات الصحية والتعليمية وتطوير منظومة الرعاية والحماية، بما يسهم في إعداد أجيال قادرة على مواكبة متطلبات المستقبل.
وفيما يتعلق بالمكانة الدولية لمصر، أكدت الدكتورة غادة جابر أن الدولة استعادت دورها الإقليمي والدولي المؤثر، وعززت حضورها في مختلف المحافل الدولية، وأقامت شراكات استراتيجية متنوعة عززت من مكانتها كركيزة للاستقرار في المنطقة.
وأبرزت الدكتورة غادة جابر أن ثورة 30 يونيو ستظل علامة مضيئة في التاريخ المصري الحديث، باعتبارها ثورة أنقذت الدولة الوطنية وأطلقت مسيرة بناء وتنمية شاملة، مشددة على أن ما تحقق من إنجازات خلال السنوات الماضية يمثل ترجمة حقيقية لإرادة الشعب المصري وقدرته على صناعة المستقبل والحفاظ على وطنه.
من جهته.. أكد الكاتب والباحث السياسي جمال رائف أن ثورة 30 يونيو المجيدة استطاعت أن تستعيد فكرة الدولة الوطنية وتستحضر الهوية المصرية ما أنقذ الوطن من سطوة جماعة الإخوان الإرهابية وفكرها المتطرف الذي كاد أن يدفع بمصر نحو الإفشال.
وقال جمال رائف إن ثورة يونيو استطاعت أن تؤسس لتدشين جمهورية ترتكز على قوة وطنية شاملة عبر قرار سياسي شهد توافقا شعبيا في ملحمة وطنية جسدتها العلاقة الاستثنائية والفريدة التي جمعت بين السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي والشعب المصري، مضيفا أن ثورة 30 يونيو لم نكن ثورة إنقاذ وطن فحسب بل كانت ثورة لبناء مستقبل هذا الوطن بعد أن كادت رياح "الخريف العربي" أن تنال منه لولا يقظة جيشه وحكمة شعبه.
وذكر أن عظمة ثورة 30 يونيو المجيدة تكمن في كونها ثورة بناء وعمل، وثورة إصلاح وتصحيح مسار، حيث رسخت لمنهاجية عمل جديدة تعتمد على مواجهة التحديات بمزيد من العمل والإصرار على تجاوزها، وبالفعل أسست لبناء سياسي قوي شهد تناميا ملحوظا عقب انتخاب السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي والذي كان له الإسهام الأبرز عبر قوة وحكمة القرار السياسي بما ساهمت بشكل فعال في مواجهة التحديات بداية من مواجهة الإرهاب والإصلاح الاقتصادي وإعادة بناء مؤسسات الدولة مرورا بتخطي تحديات مستجدة مثل جائحة كورونا وتبعات الحرب الروسية الأوكرانية وصولا لتداعيات الوضع الإقليمي المتردي.
وتساءل رائف: "ماذا إذا لم تكن هناك ثورة 30 يونيو.. كيف كانت مصر ستواجه كل هذه التحديات عبر أفكار جماعة الإخوان الإرهابية؟"، متابعا أنه بفضل الشعب الحكيم والجيش العظيم والقائد الرشيد استطاعت مصر أن تدير معركة البقاء والوجود بنجاح وانتصار على كافة الجبهات.
من جانبها .. أكدت الدكتورة نسمة عبد النبي أستاذة العلوم السياسية أن ثورة 30 يونيو فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة بناء الدولة المصرية، شهدت تنفيذ مشروعات تنموية وإصلاحات واسعة النطاق، وأسهمت في تعزيز الاستقرار السياسي والأمني، رغم ما واجهته الدولة من تحديات اقتصادية معقدة خلال السنوات اللاحقة.
وقالت عبد النبي إن ثورة 30 يونيو مثلت محطة فارقة في تاريخ مصر الحديث، بعدما خرج الملايين من المصريين للتعبير عن إرادتهم الحرة في تصحيح مسار الدولة واستعادة مؤسساتها الوطنية، مشيرة إلى أن الثورة جاءت استجابة لحالة من الرفض الشعبي الواسع للسياسات التي انتهجها نظام جماعة الإخوان المسلمين آنذاك.
وأوضحت عبد النبي أن الفترة التي سبقت 30 يونيو شهدت تصاعدًا في الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب مخاوف متزايدة من محاولات الهيمنة على مؤسسات الدولة وتهميش قطاعات واسعة من المجتمع، وهو ما دفع المصريين إلى الخروج في حراك شعبي غير مسبوق للمطالبة بالتغيير.
وأضافت أن الثورة لعبت دورًا محوريًا في حماية الدولة المصرية من مخاطر جسيمة كانت تهدد هويتها الوطنية ووحدة مؤسساتها، لافتة إلى أنها أسهمت في إنهاء حكم جماعة الإخوان الإرهابية، والحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، وإفشال مخططات الفوضى والتقسيم، فضلًا عن تمهيد الطريق لإطلاق برامج الإصلاح الاقتصادي والمشروعات القومية الكبرى.
وأشارت إلى أن نجاح ثورة 30 يونيو استند إلى تضافر جهود مختلف القوى الوطنية، وفي مقدمتها الشعب المصري الذي خرج بالملايين في مختلف الميادين، إلى جانب القوات المسلحة التي استجابت للإرادة الشعبية، فضلًا عن دور القضاء ومؤسسات الدولة الوطنية، وعلى رأسها الأزهر الشريف والكنيسة المصرية، إلى جانب القوى السياسية والشبابية والإعلام الوطني.
وقالت إن الثورة قدمت نموذجًا فريدًا لتلاحم مؤسسات الدولة مع الإرادة الشعبية من أجل حماية الوطن والحفاظ على استقراره، مؤكدة أن هذا التحالف الوطني أسهم في عبور مصر واحدة من أصعب المراحل في تاريخها المعاصر.
وأكدت عبد النبي أن ثورة 30 يونيو اكتسبت شرعية شعبية واسعة تجسدت في الحشود الجماهيرية التي خرجت في مختلف المحافظات، إلى جانب شرعية دستورية وقانونية تمثلت في الإجراءات الانتقالية التي أعقبت الثورة، وخريطة الطريق التي تضمنت صياغة دستور وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية بإشراف قضائي كامل.
وأضافت أن الثورة اكتسبت كذلك شرعية وطنية من خلال دورها في حماية الدولة ومؤسساتها ومواجهة الإرهاب، فضلًا عن تعامل المجتمع الدولي مع المرحلة الانتقالية باعتبارها مسارًا سياسيًا جديدًا يعبر عن الواقع الذي أفرزته الإرادة الشعبية المصرية.
واختتمت الدكتورة نسمة عبد النبي بالتأكيد على أن ثورة 30 يونيو ستبقى حدثًا تاريخيًا استثنائيًا أعاد تصحيح المسار الوطني، ورسخ مفهوم الدولة القوية القادرة على حماية مؤسساتها، مشيرة إلى أن ما أعقبها من خطوات وإصلاحات يعكس إرادة شعب لا يتخلى عن دولته، وقدرة مستمرة على البناء ومواجهة التحديات.