الثلاثاء 30 يونيو 2026

مقالات

ثورة 30 يونيو.. مصر ودول جوارها: المسارات والخيارات


  • 30-6-2026 | 15:21

د. طارق فهمي أستاذ العلوم السياسية

طباعة
  • طارق فهمي

نجحت ثورة 30 يونيو في إعادة ترتيب الحسابات المصرية على مستواها العربي والإقليمي، وهو ما برز في توجهات محددة ومواقف مصرية منضبطة تجاه الدول العربية، وتجاه ما يجري من تطورات مرحلية وحاسمة. فمن النطاقات العربية لشرق المتوسط، والتحرك في مساحات رحبة مست أمن الإقليم، وامتدت إلى الخليج العربي لمواجهة الدور الإسرائيلي المتصاعد في الأمن الإقليمي، مع تفعيل متوقع لدور الدول العربية وإسرائيل في القيادة المركزية الأمريكية لمواجهة ما يجري من تطورات وتحركات للقوى المناوئة، حققت سنوات ما بعد ثورة يونيو حضورًا لافتًا للسياسة المصرية تجاه الأشقاء العرب، وعمقت المسار المصري عربيًا وإقليميًا.

نجاحات مصرية
لقد نجحت مصر بمهارة في تجاوز العثرات، وفي هذا يجب التذكير بأن القراءة الحقيقية لما يجري في الإقليم في الوقت الراهن من تطورات دفعت مصر إلى التدخل وعدم القبول بأي مقاربات أمنية في العالم العربي، أو استبدال النظام الإقليمي العربي بنظام شرق أوسطي، مع التأكيد على مرتكزات السياسة الخارجية المصرية القائمة على ترسيخ الخيارات العربية بالأساس، وهو ما تؤكده معطيات ومسارات التحرك المصري للوصول إلى الجمهورية الجديدة وبناء الدولة المصرية المعاصرة.
ومن النطاقات العربية التي عملت عليها مصر في الوقت الراهن، والعمل في المحيط الإفريقي إقليميًا وعربيًا فقط، بل دوليًا وعلى مستوى النظام العالمي، كان للرئيس جمال عبد الناصر دور فاعل ومؤثر كرمز لتلك السياسة، بالكاريزما التي كان يتمتع بها، ومن خلال طموحه في بناء استقلال وطني وتنمية مستقلة.
ويمكن التأكيد أنه، في المقابل، فإن القيادة السياسية الراهنة ممثلة في شخص الرئيس عبد الفتاح السيسي، والذي بات يمثل ظاهرة كبيرة ومهمة في منظومة العلاقات الدولية الراهنة، فالرئيس السيسي قاد مصر في توقيت محدد وصعب، ونجح بمهارة كبيرة في العبور بمصر إلى بر الأمان، وهو ما يؤكد وجود قواسم مشتركة في كاريزما القيادة لدى كل من الرئيس جمال عبد الناصر والرئيس عبد الفتاح السيسي، في مواجهة التحديات والطموحات والإنجازات التي سعت مصر للوصول إليها والتعامل معها.
دلالات وتأكيدات
تتعامل مصر عربيًا منذ ثورة يونيو وحتى الوقت الراهن انطلاقًا من تأكيدات بأن الاستقرار والتصعيد سيظلان في النطاقات العربية مرتهنين بالفعل بمواقف القوى الخارجية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا، والتي ستحجز لها دورًا في أية ترتيبات أمنية جارية، وهو ما تدركه جيدًا الدول العربية الوازنة في الإقليم، وتقف في مواجهته بدون صدامات عبر تنويع مصادر التحالف والانتقال من التعامل مع شريك محدد إلى شركاء جدد وفقًا لما يجري.
وسيتجاوز الأمر إبرام صفقات أو تحالفات أو سياسات محددة، في ظل رهانات على تحقيق المصالح الكبرى في الإقليم، خاصة أن المنطقة العربية ستشهد مزيدًا من التفاعلات المهمة والمحتملة، ومنها إتمام بعض المشروعات الإقليمية، والاتجاه إلى سياسات تتعلق بالتعجيل بتحقيق السلام الاقتصادي، وهو ما تتعامل معه مصر بحذر كبير، وتدعو إلى استئناف مفاوضات السلام السياسي مع الإقرار بخيار حل الدولتين، مع التركيز على إحياء النظام الإقليمي العربي لمواجهة ما يجري من تطورات تدفع بطرح مقاربات فوق إقليمية تمس الأمن القومي المصري والعربي معًا.
إن مصر الكبيرة تدرك أن هناك قوى حقيقية تسعى لضرب أسس العلاقات المصرية العربية، والعمل على هذه العلاقات من خلال التركيز في الإعلام المعادي على حوادث عابرة ومواقف تتم بصورة فردية لا يجب التوقف عندها في كل مرحلة، والتي تعمل على توتير أجواء العلاقات المصرية العربية باستمرار، وانتقاء أحداث عابرة لتلغيم الأجواء، واستخدام مواقع التواصل الاجتماعي للتصعيد والمواجهة.
وفي هذا المضمار يقف الرئيس السيسي في دائرة المصداقية الكبيرة التي يتمتع بها أمام العالم ومصر، خاصة أنه عندما يتحدث فإنه ينطلق من ثوابت لا تغيب عن أحد، سواء في مجال الأمن القومي العربي أو المصري، ولهذا فإن خطابه الإعلامي والسياسي يتسم بالواقعية والرشادة والوسطية. وكثيرًا ما تحدث الرئيس السيسي عن المخاطر التي تحيط بالعالم العربي والإسلامي، محذرًا من تبعات ما يجري من مخططات حقيقية تستهدف العالم العربي.
مصر والنطاق المستهدف
تخلص سنوات ما بعد ثورة يونيو إلى أن تماسك العلاقات المصرية الخليجية سيؤدي إلى فرض حقائق على الحركة المصرية في الإقليم، وسيكون له انعكاساته الإيجابية المباشرة على الأمن القومي المصري وارتباطه بالأمن القومي الخليجي، لكن ذلك سيؤثر على مسارات التحرك السياسي في مناطق أخرى.
ومن المرجح أن تتوازن الحسابات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية بين مصر ودول الخليج في حال اتباع قاعدة منضبطة من الخيارات المتبادلة بين الجانبين، خاصة مع استمرار التهديدات في الخليج واستمرار الحرب في الإقليم، وعدم وجود أية فرص لتسوية عاجلة، في ظل الرفض الإيراني للتجاوب مع الطرح الغربي وحسم التهديدات والمخاطر الرئيسية التي تواجه المنطقة، مع استمرار مخاطر البرنامجين الصاروخي والنووي.
إن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية واستمرار الحرب والمواجهة في قطاع غزة سيؤديان إلى مزيد من التوتر المشوب بالحذر في إطار العلاقات المصرية الإسرائيلية، وسيكون لذلك تبعاته الكبرى المتعلقة بمسارات العلاقات، خاصة مع اتباع نموذج قائم على فكرة الرشادة السياسية مع تجاوز ما جرى على الحدود مؤخرًا.
ولهذا تخلص التحركات المصرية تجاه الدول العربية إلى أن دخول مصر على خط الاتصالات العربية وبناء محاور مهمة، ومنها التحالف الثلاثي الذي يضم مصر والأردن والعراق، واسترجاع سوريا إلى الحاضنة العربية، وتكريس التعاون في نطاق إقليم شرق المتوسط، سيؤدي إلى تأكيد مكانة مصر الكبيرة في الإقليم، مع مراعاة أن أي معادلات جديدة لتطوير منظومة العلاقات العربية الإسرائيلية ستخصم من الحضور المصري، وستدفع إلى تأكيد وضع إسرائيل في أية ترتيبات أمنية واستراتيجية محتملة في المنطقة.
المصالح الكبرى
مقابل ما يجري، تقتضي المصلحة القومية العربية أن يظل البحث عن مقاربات جديدة واجبًا ومتطلبًا، في ظل انفراط عقد الموقف الجماعي العربي في دعم ومساندة الجانب الفلسطيني، وفي ظل ما يجري فلسطينيًا من عدم وجود موقف فلسطيني موحد، واستمرار المشهد في القطاع والضفة، وتدخل الأطراف الإقليمية مثل تركيا وإيران في المشهد الفلسطيني.
وبالتالي فإن تحقيق استحقاقات المصالحة التي طرحت منذ سنوات لن يتلخص فقط في إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية تحدد أسس الشرعية الفلسطينية الجديدة، وهو الأمر الذي يتطلب التفكير في ضرورة إقدام الدول العربية على طرح مقاربة بديلة تصوب مسار المبادرة العربية، وفتح الباب أمام مراجعة صيغ الأرض مقابل السلام، وتطبيق القرارين 242 و338، والقرارين 193 و194 الخاصين بعودة اللاجئين إلى أراضيهم، خاصة أن الإدارة الأمريكية لن تستطيع إفشال هذه الخطوة مثلما فعلت في مؤتمر باريس أو موسكو إذا أدركت أن الجانب الفلسطيني جاد في طرحه.
كما يحتاج هذا الأمر إلى جهد عربي مخلص، وتحركات من الجامعة العربية، ودعم ومساندة الدول العربية الكبيرة والمعنية بالقضية الفلسطينية، إذ إن بديل ذلك سيكون الاستمرار في سياسة الأمر الواقع، واستمرار قضم الأراضي الفلسطينية وتهويدها.
تحديات مطروحة
في ظل استمرار المشهد الأمني في المنطقة، واصلت إسرائيل بالفعل مخططها للحصول على دعم أمريكي ورسائل وتعهدات، وفي ظل دراسة الممثل الدولي لغزة في مجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، خيارات جديدة مع إسرائيل بشأن التقدم في المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف إطلاق النار في غزة، حيث تتضمن الخيارات السماح بإدخال لجنة إدارة غزة التي يقودها علي شعث إلى مناطق ستنسحب منها إسرائيل داخل غزة، على أن تتولى اللجنة المسؤولية الحكومية المدنية هناك، ونشر عناصر قوتها الشرطية الجديدة بدعم من دول عربية.
ويشير هذا التوجه إلى اتخاذ القرار من دون تنسيق وموافقة حركة حماس، وأن الهدف هو تشجيع سكان غزة على الانتقال إلى المناطق التي ستتولى اللجنة المسؤولية والحكم فيها وتحسين وضعهم المعيشي.
إن مقاربات السلام الاقتصادي لن يكون لها دور حقيقي أو مسار يمكن الاتكاء عليه في الوقت الراهن، وسيكون الأمن هو العنوان الأبرز والمباشر لمسار ما يمكن أن يمضي إليه الجانبان العربي والإسرائيلي، وبصرف النظر عن مخطط الإدارة الأمريكية للعمل معًا في الإقليم، بخاصة مع إسرائيل، فإن دولًا مهمة في هذا الإطار لديها اعتراضات وتحفظات على ما يجري.
وتضع القاهرة في تقديراتها تركيز المخطط الإسرائيلي الجاري على حجز موقع متقدم في إدارة المشهد الأمني والاستراتيجي في الإقليم، مع الانتقال من الحسابات الضيقة إلى حسابات أكبر، مما يؤكد أن إسرائيل لن تتنازل عما حققته من مكاسب حقيقية في إطار محاربة الإرهاب والتطرف ومواجهة التنظيمات الإرهابية وفق رؤيتها المحدودة. ومن ثم فإن دورها ـ كما تتوهم ـ مهم في إدارة الأمن الإقليمي انطلاقًا من الممرات والمضايق العربية وصولًا إلى البحر الأحمر، بخاصة أن إسرائيل تدرك أن وجودها في قلب التفاعلات الدولية الراهنة سيحجز لها موقعًا متقدمًا، وهو ما تتحسب له مصر جيدًا، وتركز على إحياء النظام الإقليمي العربي بكل مرتكزاته، وعبر تحالفات مصرية عربية راسخة.
مسارات مباشرة
أمام مصر فرصة جيدة للاتجاه إلى بناء مواقف إفريقية وعربية واضحة تجاه دعم الموقف المصري السوداني، بخاصة أن القاهرة ترى أن التوصل إلى اتفاق ممكن ومتاح إذا تخلصت الحكومة الإثيوبية من رفضها لأي خيارات سياسية للتفاوض، بعد أن اقتربت أديس أبابا من تحقيق هدفها الاستراتيجي، وبدأت الاستعداد لتشغيل السد، بصرف النظر عن الموقف المصري، وهو أمر قد يكون في إطار التكتيك السياسي والاستراتيجي، ولا يندرج تحت مسمى الخداع الاستراتيجي.
إن الذهاب إلى الخيار التفاوضي مجددًا لا يتطلب إجراءات مصرية والخروج بموقف رسمي برفض التفاوض في ظل الموقف الإثيوبي، وإنما الانتقال إلى الخطة «باء» لترتيب الأوراق المصرية.
الخلاصة:
إن رسم دوائر جديدة للسياسة الخارجية المصرية، وإعادة ترتيب دوائر أخرى في نطاقاتها عربيًا وإقليميًا في ظل الجمهورية الجديدة، وبعد سنوات من ثورة يونيو، يحقق مكاسب كبرى للدولة المصرية في مختلف الأصعدة، خاصة أن التحرك المصري يمضي في مسارات واتجاهات متفاعلة ومتكاملة يمكن البناء عليها اعتمادًا على معطيات الدبلوماسية الذكية، والتي ستحقق لمصر الكثير من الإنجازات الحقيقية والكاملة، والتي ستؤكد استراتيجية مصر الحقيقية في دوائرها السياسية والاستراتيجية والاقتصادية، مع التأكيد على تشبيك المصالح الكبرى للدولة المصرية في دوائرها التفاعلية والممتدة، والتي يمكن ترسيمها في سياقات متعددة تحافظ على مصالح الدولة المصرية، وتحفظ لمصر دورها الكبير في منظومة العلاقات الإقليمية والدولية الجاري إجراء ترتيبات متعددة بشأنها.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة