في مدينة البتراء الأردنية، وعلى واجهة "الخزنة" الشهيرة المحفورة في الصخر، يلفت الأنظار تفصيل أثري يحمل بصمة الحضارة المصرية القديمة، يتمثل في تاج يُعتقد أنه يعود للإلهة المصرية "إيزيس"، في مشهد يجسد عمق التبادل الحضاري بين مصر والأنباط قبل أكثر من ألفي عام.
وتعد "الخزنة"، التي يتراوح تاريخ إنشائها بين عامي 60 قبل الميلاد و50 ميلاديًا، واحدة من أبرز روائع العمارة النبطية، ويصل ارتفاع واجهتها إلى نحو 39.5 متر، ما جعلها أشهر معالم منطقة البتراء وأكثرها إثارة للجدل بين علماء الآثار.
وقال المرشد السياحي الأردني الدكتور محمد عاطف - لمراسلة وكالة أنباء الشرق الأوسط بعمان - إن الواجهة اشتهرت باسم "خزنة فرعون" بسبب اعتقاد البدو قديماً أن أحد فراعنة مصر أخفى كنزاً داخل الجرة الحجرية التي تعلوها، حتى إن آثار طلقات الرصاص لا تزال ظاهرة على الجرة بعد محاولات استخراج الكنز المزعوم.
وأضاف "لكن الدراسات الأثرية، خاصة الحفريات التي أُجريت عام 2004، رجحت أن المبنى لم يكن خزنة للكنوز، بل مدفناً ملكياً يعود إلى عهد الملك النبطي الحارث الرابع، بعدما اكتشف علماء الآثار ثلاثة مدافن نبطية أسفل الواجهة ترجع إلى أواخر القرن الأول قبل الميلاد".
ويؤكد الباحثون أن الأنباط اعتادوا تزيين واجهات المدافن بالرموز الجنائزية المرتبطة بالحياة الأخرى، على عكس تصميم المدافن في حضارات أخرى، كما تأثرت زخارفهم بالفن الهلنستي، وهو ما يظهر في الأعمدة والتيجان الكورنثية والنقوش النباتية التي تزين واجهة الخزنة.
رمز مصري في الفن النبطي
وأشار الدكتور محمد عاطف إلى أن أبرز ما يميز الواجهة هو التاج الموجود أعلى المثلث الأوسط، والذي يرجح علماء الآثار أنه يمثل تاج الإلهة المصرية "إيزيس"، ويحيط به تماثيل لنساء محاربات "أمازونيات" يحملن فؤوساً فوق رؤوسهن.
وفي المعتقدات المصرية القديمة، كانت "إيزيس" إلهة الحماية والأمومة والسحر، لذلك يرى باحثون أن ظهور تاجها على واجهة الخزنة ربما كان رمزاً للحماية الإلهية للمتوفى أو انعكاساً لتأثر الأنباط بالرموز الدينية المصرية.
كما عُثر على حفرة دائرية صغيرة عند مدخل الخزنة، يُعتقد أنها كانت تستخدم كمذبح خلال الطقوس الجنائزية، ما يدعم فرضية أن الواجهة لم تكن مجرد عمل معماري، بل حملت دلالات دينية وروحية.
من النيل إلى البتراء
ويعكس وجود رمز مصري بهذا الوضوح على أشهر آثار البتراء قوة العلاقات التجارية والثقافية التي ربطت الأنباط بمصر، إذ تشير المصادر التاريخية إلى أن الأنباط أقاموا مستوطنات في شرق دلتا النيل، كما يُرجح أن حرفيين من الإسكندرية شاركوا في تنفيذ بعض الزخارف المعمارية، ناقلين معهم التأثيرات الفنية المصرية.
وتعود أول إشارة موثقة لعبادة "إيزيس" في البتراء إلى عام 25 قبل الميلاد، وهو ما يعزز فرضية انتقال رموزها إلى الفن النبطي خلال تلك الفترة.
ورغم أن الباحثين لم يحسموا ما إذا كان ظهور تاج "إيزيس" يعكس عبادة فعلية للإلهة المصرية أم مجرد تأثر فني، فإن المؤكد أن البتراء كانت مركزاً حضارياً مفتوحاً استوعب تأثيرات حضارات متعددة، وأعاد صياغتها داخل هوية نبطية مميزة، لتبقى "الخزنة" شاهداً حجرياً على تلاقي الحضارتين المصرية والنبطية في عمل معماري استثنائي.
أسرار لم تُكتشف بعد
ونوه الدكتور محمد عاطف بأن حجم الاكتشافات في المدينة الوردية، حتى الآن لا يتجاوز 15 في المائة فقط من آثار مدينة البتراء الشاسعة، بينما لا تزال النسبة الأكبر من أسرارها ومعالمها مدفونة تحت الأرض ولم تخرج إلى النور بعد.
وأرجع الدكتور عاطف هذا البطء في الكشف عن خبايا العاصمة النبطية القديمة إلى قلة البعثات الأثرية مقارنة بالمساحة الضخمة للموقع الأثري، مشيرا إلى أن المدينة بحاجة إلى مزيد من الجهود البحثية والبعثات الدولية المتخصصة لاستكمال قراءة تاريخها الممتد.
وتعد البتراء في جنوب الأردن، واحدة من أهم المواقع الأثرية في العالم، وكانت عاصمة مملكة الأنباط ومركزاً رئيسياً للتجارة بين الجزيرة العربية ومصر وبلاد الشام، واشتهرت بمعابها ومدافنها وواجهاتها المعمارية المنحوتة بالكامل في الصخور الوردية، إلى جانب نظام متطور لحصاد وتوزيع المياه. وأدرجت البتراء على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 1985، كما اختيرت عام 2007 ضمن عجائب الدنيا السبع الجديدة، لما تتمتع به من قيمة تاريخية وأثرية استثنائية.