الثلاثاء 14 يوليو 2026

بورتريه الهلال

عبد الرحمن بدوي.. أول فيلسوف وجودي مصري

  • 13-7-2026 | 16:05

عبد الرحمن بدوي

طباعة
  • همت مصطفى

لم يكن أستاذا للفلسفة أو باحثًا في التراث فحسب، لكنه كان وسيبقى مشروعًا فكريًا استثنائيًا، أعاد طرح أسئلة الوجود والحرية والعقل بلغة عربية رصينة، وفتح أبواب الفلسفة الوجودية أمام القارئ العربي، وترك وراءه إرثًا موسوعيًا تجاوز 150 مؤلفًا بين التأليف والتحقيق والترجمة بالعربية وغير العربية، وامتدت بصمته من الفلسفة اليونانية والإسلامية إلى الأدب العالمي والتصوف، ليبقى واحدًا من أكثر المفكرين العرب تأثيرًا وإثارةً للجدل في القرن العشرين،  إنه أول فيلسوف وجودي مصري الدكتور عبد الرحمن بدوي.

 وبين أسئلة الوجود وقلق الإنسان، صنع الدكتور عبد الرحمن بدوي اسمه كأحد أكثر العقول العربية جرأةً وعمقًا في القرن العشرين، حمل الفلسفة الوجودية إلى العربية، وأقام حوارًا مع كبار فلاسفة أوروبا، وفي مقدمتهم  مارتن «هايدجر»، و شق لنفسه طريقًا مستقلًا اتسم بالنقد الصارم والجدل الدائم، وسيبقى بكل ما قدم وترك صاحب موقف نقدي تجاه بعض المفكرين والفلاسفة العرب والغربيين،، شملت الفلسفة اليونانية والإسلامية والوجودية والأدب العالمي والتصوف والفكر الإسلامي.

 النشأة والدراسة

ولد عبد الرحمن بدوي في 4 فبراير 1917 بقرية شرباص في  دمياط، وكان تسلسله الخامس عشر من بين 21 شقيقا وشقيقة، وأنهى شهادته الابتدائية في 1929م من مدرسة فارسكور ثم شهادته في الكفاءة عام 1932 من المدرسة السعيدية في الجيزة.

في عام 1934 أنهى «بدوي» دراسة البكالوريا، حيث حصل على الترتيب الثاني على مستوى مصر، من مدرسة السعيدية، والتحق بعدها بجامعة القاهرة، كلية الآداب، قسم الفلسفة، سنة 1934، وابتعث سنة 1937 لمدة أربعة أشهر إلى ألمانيا و إيطاليا أثناء دراسته لإتقان اللغتين الألمانية والإيطالية وذلك بناءً على تعليمات من طه حسين، وعاد عام 1937م إلى القاهرة، ليحصل في مايو 1938 على الليسانس الممتازة من قسم الفلسفة.

عبد الرحمن بدوي يحصل على الماجستير
بعد إنهائه الدراسة عُين عبد الرحمن بدوي في الجامعة كمعيد ولينهي بعد ذلك دراسة الماجستير عام 1941م،  وتحدث بدوي في مذكراته المعنونة بـ «سيرة حياتي» عن الظروف التي أحاطت بمناقشة رسالته للماجستير، والتي كان عنوانها «مشكلة الموت في الفلسفة الوجودية» ثم عدلها إلى «مشكلة الموت في الفلسفة المعاصرة» باقتراح من الفيلسوف الفرنسي أندريه لالاند، والتي كان من المقرر أن يشرف عليها، إلا أن لالاند في عام 1940 قد ترك مصر قبل أن يتمكن عبد الرحمن بدوي من إتمام رسالته، وذلك بسبب نشوب الحرب العالمية الثانية وكان لالاند يفضل أن يبقى في وطنه الأم فرنسا، فأشرف نيابة عنه الفيلسوف الفرنسي ألكسندر كويري، تمت مناقشة الرسالة من قبل لجنة تألفت من: الشيخ مصطفى عبدالرازق، وطه حسين، وإبراهيم مدكور.

 ونشرت جريدة الأهرام وقتها خبرًا مفصلًا عن هذه الرسالة ويذكر «بدوي» بأنه استقبل بعدها عددًا كبيرا من رسائل القرّاء من كبار السن، وكانوا يسألونه «هل وجدت حلًا لهذه المشكلة؟!»

 عبد الرحمن بدوي وودرجة الدكتوراة
وفي عام 1944 حصل على شهادة الدكتوراة من جامعة القاهرة، والتي كانت تسمى جامعة الملك فؤاد الأول في ذلك الوقت. وكان عنوان الرسالة: «الزمان الوجودي» وكانت بإشراف كل من: الشيخ مصطفى عبدالرازق، وطه حسين، وباول كراوس، وعلق عليها طه حسين أثناء مناقشته لها في 29 مايو 1944 قائلا: «لأول مرة نشاهد فيلسوفا مصريا» وناقش بها «بدوي» مشكلة الموت في الفلسفة الوجودية والزمان الوجودي.

وكان  الفيسلسوف المصرى عبد الرحمن بدوي يجيد اللغات: الفرنسية والألمانية والإيطالية والأسبانية واليونانية واللاتينية والإنجليزية والفارسية بالإضافة إلى اللغة العربية.

 العمل الجامعي في رحلة عبد الرحمن بدوي
عين  عبد الرحمن بدوي بعد حصوله على الدكتوراه مدرسًا بقسم الفلسفة بكلية الاداب جامعة فؤاد في أبريل 1945م،  ثم صار أستاذًا مساعدُا في  القسم نفسه، والكلية في يوليو سنة 1949م،  ترك جامعة القاهرة (فؤاد) في 19 سبتمبر 1950، ليقوم بإنشاء قسم الفلسفة في كلية الآداب في جامعة عين شمس، جامعة إبراهيم باشا سابقا، وفي يناير 1959 أصبح أستاذ كرسي، عمل مستشارًا ثقافيًا ومدير البعثة التعليمية في بيرن في سويسرا مارس 1956 - نوفمبر 1958

غادر «بدوي» إلى فرنسا 1967م،  وكان قد عمل كأستاذ زائر في العديد من الجامعات، (1947-1949) في الجامعات اللبنانية، (فبراير 1967 - مايو 1967) في معهد الدراسات الإسلامية في كلية الاداب، السوربون، بجامعة باريس، (1967 - 1973) في بالجامعة الليبية في بنغازى، ليبيا، (1973-1974) في كلية «الإلهيات والعلوم الإسلامية» بجامعة طهران، طهران (سبتمبر سنة 1974-1982) وأستاذا للفلسفة المعاصرة والمنطق والأخلاق والتصوف في كلية الاداب، جامعة الكويت، الكويت، واستقر في نهاية الأمر في باريس.

المشاركة في كتابة الدستور المصري
كان عضوا في حزب مصر الفتاة (1938-1940) ثم عضوا في اللجنة العليا للحزب الوطني الجديد (1944-1952)، وتم اختياره مع 50 شخصية، كعضو في لجنة الدستور التي كلفت في يناير 1953 لكتابة دستور جديد، والذي تم الانتهاء منه في أغسطس 1954 لكن الدستور أهمل واستبدل بدستور سنة 1956.

 

 مؤلفات أستاذ الفلسفة المصري عبد الرحمن بدوي

 

 ألف عبد الرحمن بدوي ما يقرب من 200 كتاب حسب محمود أمين العالم بينما قال أحد ناشريه إن كتبه التي نشرها تجاوزت 150 كتابا منذ كتابه الأول عن نيتشه الذي صدر عام 1939م، وهو الأمر الذي يؤكده ابن أخيه محسن بدوي حيث يقول في موقعه الإلكتروني: «بلغت  مؤلفات الدكتور عبد الرحمن بدوي سواء المنشورة أو غير المنشورة نحو 150 كتابا منها أعمال منشورة بالفرنسية، الإسبانية، الألمانية، الإنجليزية فضلا عن العربية»

بداية المسيرة  الفكرية بالكتاب الأول «نيتشة»

بدأ بدوي مسيرته الفكرية عام 1939 بإصدار كتابه الأول «نيتشة»، ثم توالت مؤلفاته في الأربعينيات، ومن أبرزها «أفلاطون» و«ربيع الفكر اليوناني» (1943)، و«أرسطو» و«أسفار أتشيلد هارولد» و«الديوان الشرقي للمؤلف الغربي (جيته)» و«أندين فوكية» و«من حياة حائر بائر» (1944)، إلى جانب كتب «أشبنجلر» و«الأنساب المختارة: جيته»، و«الزمان الوجودي» و«الموت والعبقرية» و**«من تاريخ الإلحاد في الإسلام»، (1945)، ثم «خريف الفكر اليوناني»و«شخصيات قلقة في الإسلام» و«مرآة نفسي» و«هموم الشباب» (1946)، و«أرسطو عند العرب» و«الإنسانية والوجودية في الفكر العربي» و«المثل العقلية الأفلاطونية» (1947).

وكتب عبد الرحمن بدوي «منطق أرسطو» في ثلاثة أجزاء و«شهيدة العشق الإلهي: رابعة العدوية» (1948)، ثم «روح الحضارة العربية» و«شطحات الصوفية» (1949).

 تحقيق التراث الفلسفي العربي والإسلامي

وفي خمسينيات القرن الماضي اتجه بدوي بقوة إلى تحقيق التراث الفلسفي العربي والإسلامي، فأصدر «الإشارات الإلهية لأبي حيان التوحيدي» و«الإنسان الكامل في الإسلام» (1950)، و«الحور والنور» (1951)، و«الحكمة الخالدة» لمسكويه (1952)، كما نشر «فن الشعر لأرسطوطاليس» مع الترجمات العربية القديمة وشروح الفارابي وابن سينا وابن رشد، وكتاب «هل يمكن قيام أخلاق وجودية» (1953).

وفي عام 1954 صدرت  مؤلفات  مهمة منها «الأصول اليونانية للنظريات السياسية في الإسلام» و«البرهان من كتاب الشفاء» و«عيون الحكمة» و«في النفس لأرسطوطاليس»، ثم «الأفلاطونية المحدثة عند العرب» و«أفلوطين عند العرب» (1955)، إلى جانب أول كتبه الأجنبية Autobibliografia De Ibn Arabi.

 توسع في  المؤلفات  التراثية والفلسفية

وشهدت نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات  بالقرن الماضي توسعًا في مؤلفات عبد الرحمن بدوي التراثية والفلسفية، فأصدر «الخوارج والشيعة» و«مختار الحكم ومحاسن الكلم»، (1958)، و«الخطابة»، و«مخطوطات أرسطو في العربية» (1959)، ثم «تلخيص الخطابة لابن رشد» (1960).

وفي عام 1961 نشر «بدوي» مؤلفات مهمة، منها «دراسات في الفلسفة الوجودية» و«حازم القرطاجني ونظريات أرسطو» و«مؤلفات الغزالي»، إلى جانب ترجمات مسرحية مثل «دائرة الطباشير القوقازية» و«علماء الطبيعة»

وخلال الستينيات استمر عطاء المفكر الكبير عبد الرحمن بدوي الغزير، فأصدر «المنطق الصوري والرياضي» و«فلسفة العصور الوسطى» وكتابًا تكريميًا لطه حسين (1962)، ثم «النقد التاريخي» و«فلسفة الحضارة» و«في الشعر الأوروبي المعاصر» و«مناهج البحث العلمي» (1963)، و«فضائح الباطنية»،  و«مصادر وتيارات الفلسفة المعاصرة في فرنسا» و«مصطلحات الفلسفة» و«مسرحيات لوركا» (1964)، ثم «محيي الدين بن عربي: حياته ومذهبه» و«الطبيعة لأرسطو» و«المثالية الألمانية» و«دور العرب في تكوين الفكر الأوروبي» و«دون كيخوتة» و«رسائل ابن سبعين» و«مسرحيات برشت» (1965).

 نشر «بدوي» بالفرنسية رسالته Le Problème de la mort dans la Philosophie Existentielle، ثم «الوجود والعدم» لسارتر و«فن الشعر من الشفاء» (1966)، وأصدر بالفرنسية La transmission de la philosophie grecque au monde arabe (1968).

 الفلسفة الإسلامية وتحقيق النصوص

وفي السبعينيات، بالقرن الماضي  ركز «بدوي» على الفلسفة الإسلامية وتحقيق النصوص، فأصدر «الفلسفة القورينائية» و«المدرسة القورينائية» و«الفرق الإسلامية في شمال أفريقيا» (1969)، و«تاريخ الفلسفة في ليبيا» و«مذاهب الإسلاميين» (1971)، ثم «التعليقات لابن سينا» و«شروح على أرسطو مفقودة في اليونانية»،

نشر  عبد الرحمن بدوي بالفرنسية Histoire de la Philosophie en Islam وPhilosophie et Théologie de l'Islam à l'époque classique (1972)،  وتوالت بعد ذلك مؤلفاته  مثل «أفلاطون في الإسلام» و«رسائل فلسفية للكندي والفارابي وابن باجة وابن عدي» (1973)، و«صوان الحكمة» و«فاوست» (1974)، و«الأخلاق النظرية» و«تاريخ التصوف الإسلامي» (1975)، و«إيمانويل كنت»،

وشارك «بدوي» في تأليف كتاب Storia Della Filosofia بالإيطالية (1976)، ثم «الأخلاق» و«طباع الحيوان لأرسطو» و«أوبرا القروش الثلاثة» و«طبول في الليل»، (1977)، و«أجزاء الحيوان لأرسطو»و«الأم شجاعة»(1978).

وفي عام 1979 صدرت مجموعة كبيرة من مؤلفاته، منها «الأخلاق عند كانت» و«مدخل جديد إلى الفلسفة» و«مؤلفات ابن خلدون» و«دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي» و«فلسفة القانون والسياسة عند هيجل»، إلى جانب كتابه الفرنسي Quelques figures et thèmes de la philosophie islamique.

وفي الثمانينيات واصل بدوي إنتاجه الموسوعي، فنشر «توركواتو تاسو» و«حياة هيجل»، و«فلسفة الدين والتربية عند كانت» (1980)، و«دراسات ونصوص في الفلسفة والعلوم عند العرب» و«اللصوص»،

أصدر بالإسبانية Milenario de Avicena (1981)، ثم «تاريخ العالم» و«فلهلم تل» (1982)، و«موسوعة المستشرقين» (1983)، و«موسوعة الفلسفة» و«ابن رشد: شرح البرهان لأرسطو» (1984)، و«آداب الفلاسفة» (1985)، ثم «موسوعة الحضارة العربية الإسلامية» (1987)، وبالفرنسية Ghazali, La raison et le miracle (1987)، و«ابن رشد: تلخيص القياس لأرسطو» و«جون لوك: رسالة في التسامح» (1988)، إلى جانب كتابيه الفرنسيين Aristote Aujourd'hui (1988) وDéfense du Coran Contre ses critiques (1989).

وفي التسعينيات أصدر عبد الرحمن بدوي Défense de la vie du Prophète Muhammad contre ses Détracteurs (1990)، ثم «الفلسفة والفلاسفة في الحضارة العربية» (1993)، و«الأدب الألماني في نصف قرن» و«المؤامرة والحب» (1994)، و«فلسفة الجمال والفن عند هيجل» و«تراجيديات أسخيلوس» «تراجيديات سوفوكليس» (1996)، وأخيرًا كتابه الفرنسي Averroès - Ibn Rushd (1999).

في ختام  المسيرة الفكرية.. مذكرات بعنوان «سيرة حياتي» في جزأين

واختتم «بدوي» مسيرته الفكرية بإصدار مذكراته «سيرة حياتي» في جزأين عام 2000،  ووصل عدد صفحات المذكرات  إلى 768 صفحة، لدى المؤسسة العربية للدراسات والنشر، وكان لنشر الكتاب صدى ضخم لدى الكثير من المثقفين المصريين وذلك لأن «بدوي» هاجم الكثير ممن اعتبرهم المثقفين العرب رموزا للفكر كالشيخ محمد عبده، وعباس العقاد، وأحمد أمين، وزكي نجيب محمود، وتوفيق الحكيم، وعلي الجارم، ومصطفى أمين وإيميل بيرييه وغيرهم، وهاجم بقوة النظام المصري وحكم جمال عبد الناصر موجها انتقادات شتى، واتهم رموزا سياسية منها سعد زغلول بالعمالة للبريطانيين، وطه حسين بالعمالة للأجهزة الأمنية، واعتبر الطلاب جواسيس على بعضهم البعض، مشيرا إلى أن قيام عبد الناصر بتأميم قناة السويس كان سعيا وراء الشهرة.

ثم نشر كتاب «Muhammad »عام 2001، وهو تحقيق لكتاب ابن إسحاق، فيما صدر بعد وفاته عام 2004 ترجمته لمسرحية «عذراء أورليان (جان دارك)» لفريدريش شيلر.

إضافة إلى هذه المؤلفات، أنجز عبد الرحمن بدوي عشرات التحقيقات والترجمات والدراسات في الفلسفة اليونانية والإسلامية والأدب الأوروبي، ليُعد أحد أكثر المفكرين العرب إنتاجًا في القرن العشرين.

رحيل وأثر باق

رحل الفيلسوف عبد الرحمن بدوي عن عالمنا صباح الخميس 25 يوليو 2002 عن عمر يقارب 85 سنة، في مستشفى معهد ناصر في القاهرة، وكان قد عاد من فرنسا إلى مصر قبل وفاته بأربعة أشهر بسبب إصابته بوعكة صحية حادة، إذ سقط مغشيًا عليه في أحد شوارع باريس واتصل طبيب فرنسي بالقنصلية المصرية بأن أمامه شخصًا مريضآ يقول إنه فيلسوف مصري يطلب مساعدتهم.

الاكثر قراءة