نظمت مكتبة الإسكندرية ندوة "لقاء مع فضيلة المفتي" بحضور الدكتور نظير عياد مفتي الجمهورية، والدكتور أحمد زايد مدير مكتبة الإسكندرية، والمهندس أيمن عطية محافظ الإسكندرية، وأدار الحوار الدكتور المستشار محمد الدمرداش العقالي نائب رئيس مجلس الدولة، فيما قدمت اللقاء الدكتورة الشيماء الدمرداش مدير مشروع إحياء التراث بمكتبة الإسكندرية، وذلك ضمن البرنامج الثقافي لمعرض مكتبة الإسكندرية للكتاب.
أكد الدكتور نظير عياد أن العلاقة بين الدين والثقافة علاقة تكامل وليست تعارض، مشددًا على أن بناء الوعي الرشيد وتحقيق التنمية يبدأ من ترسيخ هذا التكامل، وأن النظرة التي تفصل بينهما لا تعبر عن حقيقة الدين ولا عن طبيعة الثقافة.
وأوضح عياد أن المثقف الحقيقي لا يكتمل تكوينه إلا بإدراك أبعاد الدين وفهم نصوصه، كما أن عالم الدين لا يستطيع أداء رسالته دون الإلمام بعلوم متعددة في مقدمتها اللغة والمنطق والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس والطب، بما يمكنه من فهم الواقع وتنزيل الأحكام على الوقائع بصورة صحيحة.
وأشار إلى أن المفتي لا يصدر الفتوى بمعزل عن الواقع وإنما يراعي أبعاد الزمان والمكان والظروف الاجتماعية والنفسية للمستفتي، مؤكدًا أن القضايا المستجدة، مثل جراحات التجميل والتبرع بالأعضاء والتلقيح المجهري، تستلزم الرجوع إلى المتخصصين قبل بيان الحكم الشرعي، انطلاقًا من مبدأ التكامل بين العلوم.
وشدد على أن العالم يشهد تحولات متسارعة تفرض على المؤسسات الدينية مواكبة التطور التكنولوجي، مشيرًا إلى أن الهدف لم يعد البحث عن المفتي فقط وإنما توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي لمعاونة المفتي في أداء رسالته مع بقاء إصدار الفتوى مسئولية العالم المتخصص الذي يراعي ظروف الواقعة وأبعادها المختلفة.
وأوضح أن دار الإفتاء المصرية تعمل على تطوير تطبيق ذكي يعتمد على تراثها العلمي وقواعد بياناتها الضخمة من الفتاوى الموثقة، إلى جانب تنفيذ برامج تدريبية لتأهيل المفتين على استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي بما يسهم في سرعة الوصول إلى المعلومات ودقة تصنيف القضايا مع خضوع جميع المخرجات للمراجعة البشرية.
ونوه إلى أن دار الإفتاء لم تعد تقتصر على إصدار الفتاوى وإنما أصبحت مؤسسة علمية ومجتمعية متكاملة، تضم مراكز متخصصة للإرشاد الأسري، ومواجهة التطرف، وتدريب المفتين، وترجمة المحتوى الشرعي إلى عدة لغات، بما يعزز دورها في نشر الفكر الوسطي داخل مصر وخارجها.
من جانبه أكد الدكتور أحمد زايد، أن التعاون بين مكتبة الإسكندرية ودار الإفتاء المصرية ومحافظة الإسكندرية يمثل نموذجًا لتكامل مؤسسات الدولة في نشر الوعي، معلنًا توقيع مذكرة تعاون مع دار الإفتاء لتعزيز العمل المشترك في المجالات الثقافية والفكرية وخدمة المجتمع.
وشدد على أن العلاقة بين الدين والثقافة علاقة تكامل لا تعارض، مؤكدًا أن الإسلام دين العلم والثقافة والفنون ويدعو إلى العمل والإبداع وعمارة الأرض، وأن اختزال الدين في إطار العبادات فقط أسهم في ترسيخ مفاهيم خاطئة استغلتها بعض التيارات المتطرفة.
وقال إن الرسالات السماوية تدعو إلى الجمع بين العبادة والعمل، مشيرًا إلى أن الدين يمنح الإنسان طاقة روحية تدفعه إلى الإنتاج والابتكار والمشاركة الإيجابية في المجتمع بعيدًا عن الانغلاق أو الانسحاب من الحياة، مؤكدا أن نهضة المجتمعات لا تتحقق إلا بالشراكة بين المؤسسات وتكامل أدوارها، مشيدًا بمنهج الأزهر الشريف ودار الإفتاء في ترسيخ الفكر الوسطي ودعم الإبداع وتنمية مواهب النشء باعتبارها أحد مسارات بناء الإنسان.
فيما شدد المهندس أيمن عطية، أن المدينة تمثل على مدار أكثر من 2300 عام نموذجًا فريدًا للتسامح والتعددية حيث تشكلت شخصيتها الحضارية من تفاعل الثقافات والحضارات المختلفة، وظلت منارة للعلم والثقافة ليس في مصر فقط وإنما في المنطقة بأسرها.
وقال إن الإسكندرية نجحت عبر تاريخها في المزج بين البعد الديني والثقافي إذ تحتضن عددًا كبيرًا من أولياء الله الصالحين، كما شهدت إنشاء أول كنيسة في إفريقيا، قبل أن يعزز الأزهر الشريف عبر تاريخه الممتد قيم الاعتدال والفكر الوسطي في مصر لتصبح الإسكندرية نموذجًا لشخصية تجمع بين الثقافة والوسطية والانفتاح على العالم.
وعقب انتهاء الندوة، تم توقيع اتفاقية تعاون بين مكتبة الإسكندرية ودار الإفتاء المصرية، حيث وقعها كل من الدكتور نظير عياد والدكتور أحمد زايد، ثم قاموا بإجراء جولة في أجنحة معرض الكتاب.