امتد تأثير موجة الحر غير المسبوقة في بريطانيا إلى محصول البطاطس، في أحدث تداعيات الطقس القاسي على القطاع الزراعي.
وحذر مزارعون، وفقا لتقرير نشرته صحيفة "التليجراف"، من أن استمرار موجات الحر قد يتسبب في تراجع إنتاج وإمدادات البطاطس وصعوبة نمو المحصول، ما ينذر باضطرابات في الإمدادات وارتفاع محتمل في الأسعارخلال الفترة المقبلة.
ونقلت الصحيفة البريطانية عن منتجين للبطاطس قولهم إن الحرارة الشديدة أعاقت نمو المحصول، ما قد يؤدي إلى إنتاج حبات أصغر حجما وهو ما ينعكس على صناعة رقائق البطاطس ويحد من توافر البطاطس الكبيرة المستخدمة في الطهي والخبز.
وقال جيم وايمان، من شركة 3Ms، وهي إحدى شركات زراعة البطاطس في منطقة إيست أنجليا والموردة لسلاسل متاجر كبرى مثل ماركس آند سبنسر وألدي، إن محاولات إنقاذ المحصول عبر الري لم تحقق النتائج المرجوة، مضيفاً: "كنا نرويها بالمياه، لكنها لا تنمو في هذه الحرارة."
وأشار المنتجون إلى أن استمرار موجات الحر والجفاف يهدد بخفض إنتاجية المحصول هذا الموسم، في وقت تواجه فيه الزراعة البريطانية ضغوطا متزايدة نتيجة التقلبات المناخية وارتفاع تكاليف الإنتاج، ما يثير مخاوف من انعكاس ذلك على أسعار المنتجات الغذائية خلال الفترة المقبلة.
وتشير الصحيفة إلى أن هذه الموجة من الحر كشفت عن هشاشة قطاع الزراعة أمام موجات الحر المتكررة. فبعدما كانت المملكة المتحدة تشهد فائضا من الدرنات الكبيرة قبل عام واحد فقط، إذا بها تواجه اليوم شبح محصول متقزم قد يقلص من حجم رقائق البطاطس المقلية ويجعل البطاطس المخبوزة سلعة صعبة المنال.
وتفتح هذه المفارقة الباب أمام تساؤلاتٍ أوسع حول مدى قدرة الزراعة البريطانية على الصمود في وجه صيف يسجل الأشد جفافا و حرارة منذ عقود.
ويزداد المشهد تعقيدا عند مقارنته بالعام الماضي، حين واجهت السوق فائضا في إنتاج البطاطس كبيرة الحجم، في ظل تراجع الطلب عليها مع تحول شريحة من المستهلكين إلى أنظمة غذائية منخفضة النشويات وأكثر اعتمادا على البروتين، بالتزامن مع الانتشار الواسع لأدوية إنقاص الوزن. وأدى ذلك إلى توجيه جزء كبير من الفائض لاستخدامه كأعلاف للماشية، في مفارقة تعكس التحول السريع من فائض الإنتاج إلى مخاوف نقص المعروض خلال عام واحد فقط.
غير أن هذا الفائض تبخر سريعا، إذ أفاد تشارلز شروبشير، أحد أكبر منتجي الخضراوات في أوروبا، بأن شركة "ماكين" لصناعة رقائق البطاطس اشترت منه في الأيام الأخيرة كامل مخزونه البالغ 1500 طن من محصول العام الماضي، في مؤشرٍ على استباق الشركة لندرةٍ متوقعة في الدرنات كبيرة الحجم خلال الأشهر المقبلة.
ويفاقم من حدة الأزمة أن موجات الحر لم تقتصر على بريطانيا، بل امتدت إلى معظم أنحاء أوروبا، بما يحد من قدرة المملكة المتحدة على استيراد بطاطس كبيرة الحجم من دول كانت تلجأ إليها تقليديا في أوقات الشح، وعلى رأسها بلجيكا.
وتأتي هذه التطورات في ظل أرقام قياسية مناخية سجلتها بريطانيا، إذ لم تشهد إنجلترا جفافا بهذا الشكل في شهر يوليو منذ بدء تسجيل البيانات عام 1836، فيما كان هذا الشهر الأشد حرارة على الإطلاق في جنوب إنجلترا.
وحذر توم برادشو، الرئيس التنفيذي لاتحاد المزارعين الوطني، من أن محاصيل القمح والشوفان تشهد هذا العام أداء "ضعيفا للغاية"، مشيرا إلى أن المزارعين يكافحون لتأمين المياه اللازمة لري الفاكهة والخضراوات، بينما يضطر مربو الماشية إلى استهلاك مخزون العلف الشتوي مبكرا نظرًا لشح نمو الأعشاب.
ووجه انتقادا إلى السياسات الحكومية، معتبرًا أن "ضريبة المزارع العائلية" التي فرضتها حكومة حزب العمال فاقمت من محنة المزارعين، محذرا من أن كثيرين منهم قد يمتنعون عن زراعة المحصول العام المقبل نظرا لما ينطوي عليه من مخاطرة اقتصادية متزايدة.
وقد سبق أن وجه رؤساء كبرى سلاسل التجزئة البريطانية رسالة إلى رئيس الوزراء آندي بيرنهام، حذروا فيها من أن موجات الحر وحرائق الغابات وغيرها من الظواهر المناخية المتطرفة قد تفرغ رفوف المتاجر مستقبلا.
ووسط هذه التحذيرات المتصاعدة، يبقى السؤال الأبرز: هل تملك بريطانيا خطة حقيقية لتحصين أمنها الغذائي في مواجهة مناخ يزداد قسوة عاما بعد عام.