في (يونيو 2023م) وقع حادث مأساوي نادر في مدينة الغردقة، ورأيناه بأعيننا؛ عندما اقترب قرشٌ خِلسةً من الشاطئ إلى أن تمكّن من افتراس مقيمٍ روسي، كان يسبح وقتها في الماء. افترسه في ثوانٍ معدودةٍ، ثوان كانت كالجبال، استغاث فيها هذا الشاب فقط بكلمتين لا تزالانِ تطاردنا حتى اليوم (Baba ... help).
فقط كلمتانِ، لنعرف جميعنا إلى أي حدٍّ لا يمكننا إدراكه وبلوغه عن مناط النصرة، وموضع الثقة لدى الابن تجاه أبيه دون خلقِ الله كلهمِ، مهما كانت هناك من صفحات العقوق وصور الجحود إلا أنها الفطرة، والتي نطقت بها نفسُه وروحُه وعقلُه وقلبُه قبل لسانه Baba.
فقط كلمتانِ، وهل كان بحاجةٍ حينها لنطق ثانية لينخلع عليه قلبُ أبيه؟! فحسبُه Baba، والذي بلا شك ومحالٌ أن يسمع أول حرفٍ منها حتى يُلقي من فوره نفسَه دون وعيٍ منه، أو حتى إعمال عقلٍ لخطرٍ قد يهدّده هناك لإدراك روحه التي تناديه، فقط Baba، بوقْعِها على أُذن أبيه كفيلةٌ إن سمع أول حرف منها حتى يجودَ بنفسه، ويُهديها طواعيةً، وعن طِيب خاطرٍ وحبٍّ لقاتله؛ ليفتدي روحَه التي تستغيثه.
أيُّ وجعٍ لم يفارقنا، ولطالما لا تفتأُ الأذنُ تذكر تلك الكلمتين، ولطالما صداهما هناك يملأ الأرجاء ويصمُّ الآذان عما سواهما؟! تُرى، كيف أصبح الآن حال ذلك الأب المكلوم، إن كان قلبُه لا يزال نابضًا بالحياة، ونتمنى، وهو لا يزال يرى ابنه وفلذة كبده وبضعة نفسه وقطعة فؤاده ينالُ منه قاتلُه، البريءُ إلا من دمه، وهو يستغيثُه Baba help، وقد كان بينهما فقط أمتار، دون أن يكون له فداءً؟! تُرى أهناك من كلماتِ المعاجم ما يقوى على ملء أذنيه بغيرهما؟! أم أنهما صُمّتا عن كل معاجم اللغة لتظلا حبيستهما فيظل هو حبيسَ وجع لن يزول؟! وجع لن تطيب بعده الحياةُ إلا عند آخر رمقٍ ونفَسٍ له فيها على أمل لقاءٍ بينهما؟! رغم بساطة الكلمتين نطقًا وحرفًا، ورغم سهولة فهمهما مع كونهما بلغة لا يفهم معناها سوى مَن تلقى قدرًا ولو يسيرًا منها، ورغم ذلك فقد فهمهما الجميع.
وهل هناك مَن سمعهما وقد أُثقِلتْ حروفُهما بكل معاني النجدة والاستغاثة والهلع والخوف دون فهمهما؟! وهل هناك مَن سمعهما ولم يدرك أنها لابنه هو؟! وفعلًا كان ذلك. أثقلُ حِمْلٍ يمكن أن يحمَله إنسانٌ حمله لابنه وهو جثّةً هامدةً، وليس هناك فجيعةٌ أشدّ من فجيعتِه في فلذةِ كبدِه، فلا عيشٌ بعدهُمُ يطيبُ ولا حياة، لكنها إرادةُ الله فينا وقضاؤه وقدرُه. فلا تُرِنا اللهم في أكبادِنا ما يُفجعنا فإنا والله لا نُطيق، واربطْ على قلب كل مَن فقد ابنًا له لا يعوّضه الزمان، ولن يسدّ ثُلمته أحدٌ. وإنّما أولادُنا بيننا، أكبادُنا تمشي على الأرضِ، لو هبّتِ الريحُ على بعضهم، لامتنعت عيني عن الغمضِ.
حبلٌ سُرّيٌّ !
عندما يتلقى الوالدانِ نبأ وفاة ابنٍ لهما فإنهما وفي تلك اللحظة لا يتذكرانِ له شيئًا من تناقضاتِ الحياة الدنيا، فلا يتذكرانِ له أخلاقَه وتفوقه ومستقبله الذي كان ينتظره، ولا حتى خلاف ذلك ونقيضه، ولا حتى -فرضًا- ما كان يُغضبهما منه أو يسُرُّهما، وإنما ولثوانٍ معدودة هي مقدار تلك الثواني التي استغرقها إلقاء الخبر على مسامعهما يعودانِ إلى فطرتهما التي فطر الله خلقه عليها في ذلك، يعودانِ إلى الحبل السُّرّي الذي كان ولا يزال يربط بينهما، إلى رابطة الأبوة والأمومة الفطرية، إلى عاطفة الفطرة، وغريزة الحب التي أودعها الله في قلبيهما تجاه فلذة كبدهما، وقطعة منهما معًا.
فهما ولثوانٍ معدودة، وقبل انتباهة عقليهما، وقبل أن يرتدّ إليهما طرفُهما يتذكرانِ شريط حياته في سرعة خاطفةٍ كالبرق ولمح البصر، أراهما لا يسمعانِ خبر الوفاة الآن قدر ما يتذكرانِ نبأ التبشير بحمله، ومدة ذلك فرحًا وابتهاجًا وتهيئةً لقدومه، يتذكرانِه لحظةً لحظةً، ونفسًا نفسًا، نظرةً وحركةً وحرفًا، يتذكرانِ حياته كلها بكامل تفاصيلها ودقائقها وثوانيها، يتذكرانِ كلَّ أولٍ فيها، يتذكرانِها كلها، وإن كانت بالسنين، كل ذلك في ثوانٍ معدودة.
يتذكرانِها ولن يحيدا عن ذلك مدة حياتهما، ولا عجب؛ فكيف لأبٍ وأمٍ أن ينسيا فلذة كبدهما وقطعة منهما؟! يتأملانِ ملامحَه المُنتبهة لكامل وَجهيْهما الآن، يَشُمّانِ أنفاسَه الآن، يرقُبانِ عينيْه الشقيّتانِ، يطاردانِ كلَّ عضو فيه، ويلمسانِه دون بَنانٍ في حنوّ وحبّ وعطف لا حدّ لهم، يتأمّلانِه ويحسّانِه دون حواسّ، ولا أحسبهما يحيدانِ.
يترقّبانِ! وفيما يبدو أن جسدَ كلٍّ منّا، وبمُرور سِنيّ العُمر، وهو يضعُفُ رويدًا رويدًا سيتقبّل من الآلام، وسيتحمّل من الأوجاع ما كان بالأمس ينفر منها ويخشاها، بل يرتعد، وقد كان وقتئذٍ صلبًا قويًّا. وكأنه في ذلك يمضي نحو تقبّل أمرٍ عظيمٍ، بات معه، وباتت معه النفسُ هي الأخرى وهي ترقُبُ رحلته تلك، بل تعايشُه حقّ اليقين محطةً تلو أخرى، وكأنها تنتقل معه من طَوْرٍ إلى آخر، ومن حالٍ إلى أخرى، حتى باتَا معًا وعن قناعةٍ تامةٍ من كليهما، مهيَّأيْنِ، بل باتا مُذعنيْنِ له ومستسلميْنِ، وليس لهما في ذلك كله من شيء؛ فالأمرُ كله لله.
ظلّا معًا، كلاهما يلُفّ الآخر ويَصْدُقُه، تارةً يُهدّئ من روعه، وأخرى يبتسمانِ، وثالثةً يتذكرانِ سِنيّ عمرهما معًا. أتذكرُ يا جسدي؟! أذكرُ يا روحي! ويظلّان معًا على حالهما تلك حتى مجيء أمر ربهما، وقد تهيّآ له؛ عندها يفترقانِ. فيتقبله المرءُ عندئذ جسدًا وروحًا على ما وطّن له نفسه وروحه راضيًا أو غير ذلك. قال تعالى: " اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ " سورة الروم الآية (54). وقال تعالى: " ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16)". سورة المؤمنون.