على مدار ما يقرب من قرنين من الزمن، تعاقبت أجيال من الفنانين والمبدعين الذين أسهموا فى صناعة تاريخ المسرح المصرى، حتى أصبح واحدًا من أهم روافد القوة الناعمة في الوطن العربى، واستحق عن جدارة لقب «أبو الفنون».. ولم يكن هذا اللقب مجرد وصف متداول، بل حقيقة أكدها كبار الفنانين والنقاد.
ومع فاعليات المهرجان القومي للمسرح المصري حرصت مجلة «الكواكب» على الغوص فى مسيرة المسرح المصري، وأبرز رواده الذين أثروه بالعديد من الأعمال الفنية الرائدة، والتي تعد علامات بارزة على مر تاريخ أبوالفنون، كما نعيش من خلال رحلتهم فى الأسطر التالية رحلة حفلت بالعديد من التحديات التي لم تنجح فى إعاقة هؤلاء الرواد عن البناء والصعود والتحرك نحو الأمام بما أضاف للحركة المسرحية الكثير من النجاحات التي مازالت محفورة فى تاريخ المسرح المصري، وتعالوا بنا ننطلق من البداية وحتي رواد الجيل الحالي.
تأتي البداية من «يعقوب صنوع» الذي وضع لبنة الانطلاق فى مسيرة المسرح المصرى، بعدما عاد من إيطاليا وأسّس عام 1869 فرقة المسرح المصرى، وبدأ تقديم عروضه داخل أحد مقاهى حديقة الأزبكية، وكانت أولى أعماله أوبريت «راستو وشيخ البلد»، ثم قدم خلال عامين فقط 32 مسرحية من تأليفه، فى إنجاز غير مسبوق آنذاك.
ونال «صنوع» نتيجة لهذا الإبداع والانطلاق لقب «موليير مصر».
سلامة حجازى وجورج أبيض.. ترسيخ القواعد

شهدت تلك الفترة أيضًا تأسيس تياترو الأزبكية فى عهد الخديو إسماعيل، لتشتعل المنافسة بين عدد من الفرق، أبرزها فرقة أبو خليل القبانى، وفرقة إسكندر فرح التى كان نجمها الأكبر الشيخ سلامة حجازى، واستمرت المنافسة حتى عام 1905، حين أسس سلامة حجازى فرقته الخاصة، وحقق نجاحًا جماهيريًا واسعًا جعله واحدًا من أبرز رواد المسرح المصرى.
ومع بدايات القرن العشرين، لمع اسم جورج أبيض، الذى تعاون مع سلامة حجازى فى تأسيس فرقة مسرحية قدمت أعمالاً لشكسبير وبرنارد شو، واستعانت بالشاعرين الكبيرين خليل مطران وحافظ إبراهيم، وقدمت أول مسرحية مصرية بعنوان «مصر الجديدة ومصر القديمة».. وبعد ذلك أسس جورج أبيض فرقته الخاصة، التى أصبحت واحدة من أهم الفرق المسرحية فى تاريخ المسرح المصرى.
عزيز عيد ويوسف وهبي.. مدرسة لصناعة النجوم
شهد عام 1923 تأسيس فرقة مسرحية مصرية بقيادة الرائد عزيز عيد، بينما تولى الفنان الشاب وقتها يوسف وهبى إدارتها الفنية، وضمت كوكبة من النجوم، بينهم: روز اليوسف، وحسين رياض، وأحمد علام، وزينب صدقى، وتميزت الفرقة بموضوعاتها الجديدة، فحققت نجاحًا كبيرًا وجذبت جمهورًا واسعًا من مختلف الطبقات، قبل أن ينفصل عزيز عيد ويوسف وهبى، ويبدأ كل منهما رحلة مستقلة ستترك أثرًا بالغًا فى تاريخ المسرح المصرى.
فرقة فاطمة رشدى
اكتشف عزيز عيد العديد والعديد من المواهب من كافة الأقطار، كان فى مقدمتهم فاطمة رشدى التى وقع فى غرامها وتزوجها وأصبحت النجمة الأولى لمسرحه، وأطلق عليها لقب «صديقة الطلبة» لأنها كانت تتيح للطلبة حضور عروضها مجاناً، وأنجب منها ابنته عزيزة، وقدما سلسلة كبيرة من العروض الناجحة حتى بدأت الفرقة فى التراجع والتعرض لعثرات مادية كبيرة، فوقع الانفصال بين عزيز عيد وفاطمة رشدى واضطر لإغلاق الفرقة وواجه أزمات مادية.
بينما قامت هى، أى فاطمة رشدى، بتكوين فرقة باسمها، وكان تحدياً كبيراً فى ذلك الوقت، فى ظل وجود فرق شهيرة وكبيرة واستطاعت أن تتقدم الطابور بفرقتها، وسافرت هذه الفرقة للعرض ببيروت وبغداد وعدد من الدول العربية.
وتعلمت التأليف والإخراج ونجحت بدرجة كبيرة، الأمر الذى دفع نقاد الحركة الفنية فى ذلك الوقت لمنحها لقب «سارة برنار الشرق»، فقد أعتبرها كثيرون رائدة للحركة المسرحية فى مصر بسبب إسهاماتها الكبيرة فى المسرح، وإنتاجها الفنى الغزير، الذى بلغ 200 عرض مسرحى، وساهمت فى اكتشاف مواهب فنية كبيرة مثل محمد فوزى، ومحمود المليجى وكثيرين غيرهم.
الريحانى والكسار.. عصر المنافسة الذهبية
بعد انفصاله عن عزيز عيد، أسس يوسف وهبى فرقة «رمسيس» التى تحولت سريعًا إلى واحدة من أهم وأقوى الفرق المسرحية فى تاريخ مصر، بعدما قدمت أعمالاً جمعت بين القيمة الفنية والنجاح الجماهيرى، وكانت مدرسة تخرج فيها عشرات الفنانين الذين أصبحوا لاحقًا من أبرز نجوم المسرح والسينما.
وفي الوقت نفسه، كان على الكسار قد أسس عام 1916 فرقته المسرحية بالتعاون مع الكاتب أمين صدقى، وقدمت عروضها على خشبة مسرح «الماجستيك» بشارع عماد الدين، قبل أن ينشئ مسرحه الخاص في روض الفرج.، واستعان الكسار بكبار المؤلفين، وفى مقدمتهم أمين صدقى وبديع خيرى، وقدم أكثر من 200 أوبريت مسرحى، وحقق نجاحًا لافتًا بشخصية «عثمان عبد الباسط» أو «بربرى مصر الوحيد».. إلا أن انفصاله عن شريكه، ثم الأزمات المالية التى تعرض لها، أدت إلى تراجع فرقته وإغلاق المسرح، قبل أن يعود لتقديم أدوار صغيرة فى السينما حتى رحيله عام 1957.
وفى المقابل، لمع نجم نجيب الريحانى الذى أسس فرقته مع رفيق مشواره الكاتب بديع خيرى، وكانت تقدم عروضها على مسرح «الإيجيبيسيان» فى مواجهة مسرح رمسيس.. واشتعلت المنافسة بين الريحانى والكسار ويوسف وهبى، فى واحدة من أكثر الفترات ازدهارًا فى تاريخ المسرح المصرى، وبعد وفاة الريحانى، أصر بديع خيرى على استمرار الفرقة بالاسم نفسه، وظلت تقدم عروضها حتى وفاته عام 1966، لتبدأ بعدها رحلة التفكك.
إسماعيل ياسين.. نجم الكوميديا الأول
مع النجاح الكاسح الذى حققه إسماعيل ياسين فى الخمسينيات، تعاون مع الكاتب أبو السعود الإبيارى لتأسيس فرقة تحمل اسمه، وتم تحويل سينما ميامى الصيفية إلى مسرح إسماعيل ياسين، كما أُنشئ مسرح آخر بالإسكندرية يحمل الاسم نفسه، وحققت الفرقة نجاحًا جماهيريًا كبيرًا لعدة مواسم، لكن مع تراجع نجومية إسماعيل ياسين فى نهاية رحلته الفنية اضطر إلى حل الفرقة، وعاد للعمل كمنولوجست حتى رحيله عام 1972، بعد رحلة فنية أثرت المسرح والسينما معًا.
مدبولى والمهندس.. مسرح التليفزيون
شهدت نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات ميلاد جيل جديد من نجوم الكوميديا، يتقدمه عبد المنعم مدبولى ورفيق دربه فؤاد المهندس، ثم انضمت إليهما شويكار، لتبدأ مرحلة جديدة من ازدهار المسرح، ودخل هذا الجيل فى منافسة قوية مع نجوم آخرين، مثل محمد عوض وأمين الهنيدى، قبل أن يجتمع عدد كبير منهم تحت مظلة مسرح التليفزيون، الذى لعب دورًا بارزًا فى تقديم عروض ناجحة ساهمت فى توسيع قاعدة جمهور المسرح المصرى.

الفنانون المتحدون وثلاثى أضواء المسرح
أما المنتج والمؤلف سمير خفاجى فأسس فرقة الفنانين المتحدين، التى تعد واحدة من أنجح الفرق المسرحية فى تاريخ مصر، بعدما استمرت لما يقرب من نصف قرن، وضمت الفرقة فى مراحلها المختلفة نجومًا كبارًا، من بينهم عادل إمام وسعيد صالح، ثم شريهان التى تألقت فى عروضها الاستعراضية خلال الثمانينيات والتسعينيات، وقدمت الفرقة مجموعة من أشهر المسرحيات التى لا تزال حاضرة فى ذاكرة الجمهور.
وفى الفترة نفسها، ظهر ثلاثى أضواء المسرح المكون من الضيف أحمد وسمير غانم وجورج سيدهم، الذين نجحوا فى الانتقال من الاسكتشات والفوازير إلى خشبة المسرح، ليؤسسوا واحدة من أشهر الفرق الكوميدية فى تاريخ الفن المصرى.. ورغم وفاة الضيف أحمد المبكرة، واصل سمير غانم وجورج سيدهم المسيرة وحققا نجاحات كبيرة، قبل أن تفرقهما الظروف، ثم يرحل جورج سيدهم بعد معاناة طويلة مع المرض، ويلحق به سمير غانم، لتبقى أعمالهما علامة مضيئة فى تاريخ المسرح.

فرقة الإبياري ومحمد نجم.. الحفاظ على التراث
واصل المؤلف والمنتج أحمد الإبيارى حمل راية المسرح بعد رحيل والده الكاتب الكبير أبو السعود الإبيارى، أحد أبرز صناع المسرح فى الخمسينيات والستينيات، وتعاون مع عدد كبير من نجوم الكوميديا، من بينهم سمير غانم وسيد زيان ومحمد نجم، الذى انفصل لاحقًا ليؤسس فرقته الخاصة، ويقدم عروضه على مسرحه، إلى جانب تقديم مواسم مسرحية فى الإسكندرية والمدن الساحلية خلال فصل الصيف.
لم يقتصر دور أحمد الإبيارى على الإنتاج، بل ساهم أيضًا فى اكتشاف عدد من المواهب التى أصبحت فيما بعد من أبرز نجوم الكوميديا.
جلال الشرقاوى.. استكمال مسيرة الحركة المسرحية
من الأسماء التى ارتبطت بالحفاظ على المسرح الخاص، المخرج الكبير الراحل جلال الشرقاوى، الذى ظل لسنوات طويلة مصرا على استكمال مسيرة الحركة المسرحية، محافظًا على مسرحه فى وسط القاهرة، ومتمسكًا باستمرار العروض المسرحية رغم كل التحديات، كما حرص على تجديد عروضه باستمرار، ومنح الفرصة لأجيال متعاقبة من النجوم للمشاركة فى أعماله، لتظل مسرحياته حاضرة على الساحة منذ سبعينيات القرن الماضى وحتى بدايات الألفية الجديدة.
أشرف عبد الباقى.. تجربة أعادت الجمهور إلى المسرح
وفى السنوات الأخيرة، برز الفنان أشرف عبد الباقى كأحد أبرز النجوم الذين سعوا إلى إعادة الروح للمسرح الخاص، من خلال تأسيس أكثر من مشروع مسرحى، كان أبرزها «مسرح مصر»، الذى اعتمد على تقديم مجموعة كبيرة من الوجوه الشابة، ومنحها فرصة حقيقية للظهور أمام الجمهور.
وحققت التجربة نجاحًا جماهيريًا واسعًا، واستطاعت أن تجذب ملايين المشاهدين داخل مصر وخارجها، كما أصبحت نقطة انطلاق لعدد كبير من الفنانين الشباب الذين تحولوا لاحقًا إلى أبطال لأعمال سينمائية ودرامية، لتؤكد التجربة أن المسرح ما زال قادرًا على اكتشاف النجوم وصناعة أجيال جديدة متى توافرت الرؤية والإدارة والدعم.
رحلة ممتدة من الرواد إلى الحاضر
يبقى تاريخ المسرح المصرى حافلاً بالأسماء التى صنعت مجده ورسخت مكانته، بدءًا من يعقوب صنوع وسلامة حجازى وجورج أبيض وعزيز عيد وفاطمة رشدى، ثم يوسف وهبى ونجيب الريحانى وعلى الكسار وإسماعيل ياسين، وصولاً إلى عبد المنعم مدبولى وفؤاد المهندس وعادل إمام وسمير غانم وجورج سيدهم، وانتهاءً بتجارب جلال الشرقاوى وأحمد الإبيارى وأشرف عبد الباقى.
ورغم ما واجهه المسرح المصرى أحياناً من تحديات عبر العقود، فإنه ظل قادرًا على البقاء بفضل جهود هؤلاء الرواد، الذين لم يقدموا عروضًا ناجحة فحسب، بل أسسوا مدارس فنية صنعت أجيالاً كاملة من المبدعين.. ولذلك سيظل المسرح المصرى، بكل تاريخه ورموزه، واحدًا من أهم أعمدة الثقافة المصرية والعربية، وسيبقى بحق «أبو الفنون» الذى يروى على خشبته حكاية وطن، ويصنع نجومًا يخلدهم التاريخ.