تعتزم آيسلندا إجراء استفتاءً في 29 أغسطس الجاري حول ما إذا كانت ستستأنف المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي بشأن العضوية، بحسب مركز بحثي أوروبي.
وبحسب مركز السياسة الأوروبية، فقد خلق انبعاث تنافس القوى العظمى في شمال الأطلسي الاستراتيجي المهم بيئة غير مؤكدة وغير مستقرة بشكل متزايد تشعر فيها الدول الأصغر بتأثير خاص. وبشكل عام، وفر التكتلان، حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، ملاذين استراتيجيين مهمين للدول الأصغر.
وبحسب مركز الأبحاث المستقل، الذي يتخذ من العاصمة البلجيكية بروكسل مقرا له، فإنه بينما كان دور الاتحاد الأوروبي الأساسي تقليدياً أقوى في الأمن الاقتصادي، فإنه صار أيضا ذا أهمية متزايدة في الجيوسياسية وقضايا الأمن.
وتعتبر آيسلندا عضوا في حلف شمال الأطلسي منذ عام 1949، لكن ليس لديها جيش. ولذلك، فإن الضمانات الأمنية الخارجية والتعاون الدفاعي الوثيق مع حلفائها هما أمران حاسمان. ومع ذلك، وظلت آيسلندا، لأسباب تاريخية مختلفة، خارج الاتحاد الأوروبي حتى الآن.
ونظراً لكونها استقلت كلياً في عام 1944 فقط، فإن الخوف من فقدان السيادة والنفوذ كأمة أصغر، وخاصة على قطاع مصايد الأسماك الرئيسي، هو ما حرك التردد نحو العضوية. لكن في الوقت نفسه، ترتبط آيسلندا بشكل وثيق ببروكسل من خلال المنطقة الاقتصادية الأوروبية (EEA)، مما يمنح البلاد إمكانية الوصول إلى السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي، إلى جانب النرويجيين والليختنشتاينيين.
وأدى الاضطراب الجيوسياسي الحالي، بسبب الموقف مع روسيا، والشكوك المتزايدة حول الولايات المتحدة غير الموثوقة، وخطة واشنطن لـ "شراء" أو "أخذ" جرينلاند، والمخاوف بشأن ضعف محتمل لحلف شمال الأطلسي، إلى إطلاق نقاش جديد حول عضوية الاتحاد الأوروبي، مما أضفى ديناميكية جديدة على مسألة مثيرة للجدل سياسيا كانت صامتة لأكثر من عقد.
وتقدمت آيسلندا رسمياً بطلب للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي في عام 2009، في ظل حكومة ائتلافية من الديمقراطيين الاجتماعيين والخضر، خلال أزمة اقتصادية حادة. وبدأت المفاوضات الرسمية في عام 2010، حيث حققت تقدماً سريعاً في البداية.
وتم تعليق هذه المفاوضات في عام 2013 عندما عادت حكومة محافظة إلى السلطة، وذلك قبل أن تتمكن المفاوضات من مناقشة القضايا الحساسة المتعلقة بمصايد الأسماك والزراعة. وفي عام 2015، أعلنت الحكومة الآيسلندية أحادياً إنهاء المفاوضات المتقدمة بالفعل، مما يعكس الشكوك المحافظة التقليدية حول الاتحاد الأوروبي بشأن الحفاظ على السيادة السياسية والاقتصادية، ولا سيما في صناعة صيد الأسماك.
ومنذ ذلك الحين، اعتمدت المفوضية الأوروبية رأياً قانونياً مختلفاً وتعتبر أن الطلب لا يزال قائما، وأن المفاوضات متوقفة فقط - وهي تفصيلة صارت ذات صلة مؤخرا، بالنظر إلى الطموحات الأوروبية الجديدة في ريكيافيك.
وعلى خلفية هذا المشهد الجيوسياسي المتغير، بادرت الحكومة الآيسلندية منذ أواخر عام 2024، والمكونة من التحالف الديمقراطي الاجتماعي (Samfylkingin)، وحزب الإصلاح الليبرالي (Viðreisn)، وحزب الشعب الشعوبي من وسط اليسار (Flokkur fólksins)، بإجراء استفتاء حول ما إذا كانت ستستأنف مفاوضات عضوية الاتحاد الأوروبي. والديمقراطيون الاجتماعيون والليبراليون هم فقط الذين يؤيدون الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
ومع ذلك، وافق حزب الشعب على إجراء الاستفتاء بناء على مبدأ أن الشعب الآيسلندي يجب أن تكون له الكلمة الأخيرة في حسم مسألة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي مرة واحدة وإلى الأبد. وزيادة الديمقراطية المباشرة هي إحدى الأهداف الرئيسية للحزب. وحتى بعض أحزاب المعارضة المشككة في الاتحاد الأوروبي بدت وكأنها تؤيد هذا المنظور.
وعندما أقر البرلمان الاستفتاء في 28 مايو 2026 بعد مناقشات مثيرة للجدل، صوت ثمانية نواب فقط ضد القرار، وامتنع 14 (من أصل 63) عن التصويت، وصوت 34 لصالح القرار. وبدلا من إجرائه في عام 2027 كما كان مقرراً في اتفاقية الائتلاف، سيجرى الاستفتاء في وقت مبكر من 29 أغسطس 2026، مما يعكس الإلحاح السياسي المتزايد للقضية وسط التوترات الجيوسياسية المرتفعة.
وتواجه البلاد الآن حاجة ملحة لتوضيح موقفها وحماية مصيرها بدلاً من رؤية مجال مناورتها الاستراتيجي مقيداً بشكل متزايد من قبل القوى الأكبر. وأكدت رئيسة الوزراء كريسترون فروستادوتير أن استئناف المفاوضات يتعلق بتأمين اندماج آيسلندا في أوروبا.
وفي ظل تقلبات كبيرة في الكرونا الآيسلندية، فإن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو يمكن أن يخفف من التحديات التي يواجهها اقتصاد صغير مفتوح يتعرض للتطورات الاقتصادية العالمية، بما في ذلك تكاليف المعيشة المرتفعة. ولا تزال ذكريات الأزمة المالية الحادة في 2008-2009، عندما فقد العديد من الآيسلنديين كل شيء، حية في الأذهان.
علاوة على ذلك، فإن عدم اليقين بشأن التزام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأمن آيسلندا ومطالباته بشأن جرينلاند، دفع البلاد إلى التوجه نحو أوروبا. ووفقاً لوزيرة الخارجية ثورجيردور كاترين جونارسدوتير، فإن التعاون الوثيق مع الاتحاد الأوروبي في مجالي الأمن والدفاع يمكن أن يعزز قدرة آيسلندا على الصمود وخياراتها الاستراتيجية.
ومع ذلك، مع تقدم حملة الاستفتاء، لعب الأمن دوراً أصغر مما كان متوقعاً، حيث أنصب التركيز بشكل متزايد على القضايا المحلية، ولا سيما الاقتصاد والسيادة ومصايد الأسماك. ووفقاً لاستطلاعات الرأي الأخيرة، فإن 53 % من الآيسلنديين يصوتون لصالح استئناف مفاوضات العضوية، مقابل 47 % ضدها. ومع وجود هذا الهامش الضيق، قد توضح نسبة الإقبال على التصويت حسم الاستفتاء. والأهم من ذلك، أن التأييد لإجراء الاستفتاء لا يتوافق مع التأييد للانضمام الفعلي إلى الاتحاد الأوروبي، حيث يرفض 54 % ذلك و46% فقط يؤيدونه.
ولا يزال العديد من الآيسلنديين يتمسكون بالحجج التقليدية ضد العضوية ولا يزالون غير مقتنعين بأنه، على الرغم من الظروف الجيوسياسية والجيواقتصادية الجديدة، فإن الانضمام إلى التكتل سيخدم مصالح آيسلندا بشكل أفضل. ويرى البعض أيضاً أن آيسلندا تستفيد من الحفاظ على عملتها الخاصة وسياساتها النقدية المستقلة.